كتبت: زينب علي
تصوير - محمود بابا
تقدم لوحة «تراب البحرين» للفنان التشكيلي المغربي فتاح بلالي تجربة فنية معاصرة تمزج بين الإبداع البصري والرمزية العميقة، مستلهمة التراث البحريني وروح المجتمع المتعايش في خطاب فني يعكس الارتباط الوثيق بين الإنسان والأرض والذاكرة.
ويعد بلالي من الفنانين الذين رسخوا حضورهم في المشهد الفني الدولي عبر مسار تراكمي قائم على البحث الجمالي والمساءلة المفاهيمية لقضايا الهوية والانتماء.
وتعتمد تجربته الفنية على توظيف الخامات الطبيعية، في مقدمتها التربة، التي يتعامل معها بوصفها عنصرًا حيًّا يحمل دلالات إنسانية وتاريخية، لا مجرد مادة تشكيلية. ويحرص بلالي على الحفاظ على اللون الطبيعي للتربة وإبراز قيمتها الجمالية والتعبيرية ضمن بناء بصري متوازن، يعكس خبرة تقنية وبحثًا تجريبيًا معمقًا.
وأوضح بلالي أن فكرة اللوحة انطلقت من رغبته في تجسيد روح التعايش والتآلف التي تميز المجتمع البحريني، واستحضار التراب بوصفه ذاكرة للمكان وامتدادًا لتاريخه الإنساني والحضاري. وأشار إلى أن التراب يحمل رمزية قوية للهوية والانتماء، كونه الرابط المباشر بين الإنسان ووطنه، ويتيح في الوقت ذاته مساحات متعددة للتأويل والقراءة البصرية لدى المتلقي.
وجاءت اللوحة ثمرة لبحث فني وتجريبي دقيق، شمل دراسة خصائص التربة واختيار درجاتها اللونية الطبيعية، إلى جانب بناء التكوين الفني بعناية توازن بين البعد الجمالي والبعد الرمزي، بحيث يعكس كل تفصيل ارتباط الفنان بالمكان والإنسان.
كما لفت إلى البعد الإنساني والشخصي للعمل، موضحًا أن ارتباطه بالبحرين على المستوى الأسري أسهم في تعميق فهمه للثقافة المحلية وخصوصيتها التراثية، وهو ما انعكس بوضوح في أعماله الفنية من خلال تعدد الدلالات وطبقات المعنى.
واستغرق إنجاز اللوحة أكثر من ثلاثة أشهر، خصص جزءا كبيرا منها للبحث والتأمل قبل التنفيذ، إلى جانب تحديات تقنية تتعلق بالحفاظ على اللون الطبيعي للتربة وتثبيتها على مساحة كبيرة، تم تجاوزها عبر تطوير تقنية خاصة ومبتكرة.
وأشار إلى أن اللوحة لم تعرض للجمهور حتى الآن، لكنها حظيت بردود فعل إيجابية من المقربين، الذين أبدوا اهتمامهم بالرمزية العميقة للتراب وتساؤلاتهم حول المواد والتقنيات المستخدمة. وأكد أن العمل يترك مساحة مفتوحة للتأويل الشخصي، بما ينسجم مع طبيعة الفن المعاصر القائم على تعدد القراءات.
وتأتي هذه اللوحة امتدادًا لتجربة بلالي الفنية في البحرين، التي شملت عددًا من المشاريع والمعارض الفردية، من أبرزها معرض «أضواء من المغرب إلى البحرين»، والذي لقي استحسانًا واسعًا داخل البحرين وخارجها في دول الخليج. وأكد أن الفن يشكل أداة فاعلة في ترسيخ الهوية الوطنية، بوصفه وسيلة لتوثيق الذاكرة الجماعية وتحويل الانتماء إلى تجربة بصرية وشعورية معاصرة.
وكشف عن مواصلة اشتغاله الفني المستلهم من التراث البحريني والطبيعة المحلية، باعتبارهما مصدرين غنيين للتعبير الإبداعي، مع خطط مستقبلية لتقديم أعمال تجمع بين رمزية التراب والهوية الإنسانية، وتخاطب الجمهور العربي والدولي على حد سواء.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك