يشكّل الأداء الحكومي انعكاساً لقدرة المؤسسات على تحويل السياسات إلى نتائج تعود بالنفع على المواطن، بينما يمثّل الأداء الوظيفي صورة التزام الموظف وكفاءته في إنجاز مسؤولياته اليومية. وإذا كان الأول يعكس صورة الدولة، فإن الثاني يعبّر عن سلوك الأفراد داخل مؤسساتها، ولا يمكن تحقيق التوازن بينهما إلا من خلال الحوكمة التي تربط وعي الموظف بثقة المجتمع. ومن هذا المنطلق أصبحت الحوكمة في البحرين مكوّناً أساسياً في إدارة الأداء العام وركيزة في تنفيذ رؤية البحرين 2030 وبرنامج عمل الحكومة.
في هذا السياق جاء لقائي مع سعادة وزير الصناعة والتجارة السيد عبد الله بن عادل فخرو الموقر، لقاء أتاح لي مساحة واسعة لعرض ومناقشة موضوع الحوكمة بعمق. ما ميز الحوار أنه اتسم بالهدوء ورحابة الصدر، إذ منحني وقتاً كافياً للاستعراض وأصغى لما طُرح باهتمام. هذا الأسلوب كشف عن نهج قيادي يقوم على الانفتاح والتقدير، ويؤكد أن الإصغاء ممارسة إدارية تحمل قيمة حقيقية، فالقائد حين يشرك من حوله في النقاش يحوّل الحوار إلى أداة من أدوات الإدارة الرشيدة.
في تلك المساحة الكريمة عرضت دراستي الأكاديمية حول أثر تطبيق مبادئ الحوكمة في تعزيز الأداء الوظيفي، والتي شملت خمس جهات حكومية. وقد بيّنت النتائج أن وزارة الصناعة والتجارة جاءت في المرتبة الأولى من حيث حجم المشاركة في الاستبانة الميدانية، وهو ما يعكس وعي موظفيها بأهمية الموضوع وحرصهم على أن يكونوا جزءاً من عملية التطوير. هذا التفاعل كشف أن ثقافة المشاركة والانفتاح ليست مجرد توجه وزاري، بل ممارسة متجذرة في بيئة العمل. وأجد من واجبي أن أعبر عن تقديري لجميع الموظفين الذين خصصوا من وقتهم وجهدهم فمشاركاتهم لم تكن مجرد بيانات إحصائية، بل إضافة نوعية منحت البحث قيمة عملية حقيقية.
واللافت أن ما كشفت عنه نتائج الدراسة من وعي موظفي الوزارة وحرصهم على المشاركة يجد صداه في الجهود المؤسسية التي تبنتها وزارة الصناعة والتجارة خلال السنوات الأخيرة. فاعتماد الأدلة المحدثة للحوكمة، والانتقال إلى التحول الرقمي، وتبني سياسات قائمة على الشفافية والمساءلة، كلها أدوات تعكس انسجام الممارسة مع ما توصل إليه البحث من مؤشرات. وهذا الترابط يؤكد أن الحوكمة لم تعد شعاراً إدارياً، بل ممارسة واقعية تتكامل فيها الرؤية مع التنفيذ.
وبالنظر إلى جهود الوزارة المؤسسية يتضح أنها اعتمدت أدوات إدارية متقدمة. من أبرزها الدليل المحدث لحوكمة وزارة الصناعة والتجارة (النسخة 1.2) الصادر في أغسطس 2024، الذي يضم الرؤية والرسالة والقيم المؤسسية والهيكل التنظيمي وتفويض الصلاحيات وسياسات الإفصاح والشفافية وآليات إدارة المخاطر والمتابعة والتقييم وضوابط المساءلة. ما يميز هذا الدليل أنه أداة تشغيلية تُستخدم يومياً لضبط العمل المؤسسي.
كما برز التحول الرقمي بإطلاق منصة سجلات 3.0 في أغسطس 2023، التي أعادت صياغة العلاقة مع التجار والمستثمرين عبر تسهيل الإجراءات وتوفير بيانات دقيقة وشفافة وخلق بيئة أكثر عدالة، وهو ما يمثل نقلة عملية في مجال الحوكمة الرقمية.
وعند النظر من زاوية أوسع يتضح أن الدور الإداري للوزراء يمثل الضمانة الحقيقية لنجاح مسارات التطوير المؤسسي. فالوزير الذي يمارس الإصغاء ويتيح المجال أمام موظفيه وباحثيه لا يكتفي بإدارة الملفات، بل يرسخ قدوة قيادية توازن بين الكفاءة والعدالة وتحول الأهداف الوطنية إلى نتائج ملموسة. هذا النمط من القيادة يؤكد أن قيمة المنصب لا تُقاس بسلطة القرار وحدها، وإنما بقدرة القائد على بناء الثقة وترسيخ الحوار كأداة إدارية أصيلة. وفي جوهر هذا التوجه تتجسد المعادلة التي أرستها القيادة الرشيدة «حاضرنا أفضل من ماضينا، ومستقبلنا سيكون أفضل من حاضرنا» وهي معادلة بسيطة في صياغتها، عميقة في دلالتها، تعكس رؤية دولة تؤمن بالتدرج المستمر نحو الأفضل وتضع الحوكمة كإطار ضامن لاستدامة هذا المسار. وهنا أجد من المناسب أن أقول شكراً سعادة الوزير عبد الله بن عادل فخرو على ما أبديتموه من رحابة صدر ووعي إداري جعل من هذا اللقاء تجربة فكرية ومهنية مميزة.
وفي ختام اللقاء أكد الوزير أن البحرين تملك من الكفاءات والخبرات ما يؤهلها لتكون نموذجاً في الحوكمة شريطة استمرار تحديث التشريعات وتسريع التحول الرقمي وترسيخ الثقافة المؤسسية. وهي رسالة واضحة بأن الحوكمة ليست هدفاً بعيداً وإنما ممارسة قابلة للتحقق.
إن ما نستخلصه من تجربة وزارة الصناعة والتجارة أن الأداء الحكومي الفعّال لا يقوم على إعلان الإنجازات، بل على ترجمة الحوكمة إلى سياسات وسلوكيات عملية. ومن هنا يمكن النظر إلى هذه التجربة كنموذج ملهم لبقية الوزارات لتحديث أدلة الحوكمة وربطها بالتنفيذ، والاستثمار الجاد في التحول الرقمي، وإشراك الموظفين في التقييم، وتوسيع قنوات التواصل مع الباحثين والأكاديميين. بهذه الممارسات تتحول الحوكمة إلى ثقافة عامة يعيشها الموظف والمواطن معاً، وتصبح البحرين نموذجاً متقدماً في الجمع بين الأداء الحكومي والحوكمة في التطبيق. وختاماً، فإن تجربة وزارة الصناعة والتجارة تقدم نموذجاً عملياً على أن الحوكمة يمكن أن تتحول من إطار نظري إلى ممارسة مؤسسية تعزز ثقة المواطن وتدعم استدامة التنمية، وتثبت أن الاستثمار في الأدوات الإدارية الحديثة والتحول الرقمي، مقروناً بقيادة واعية، هو ما يصنع الفارق في أداء الجهاز الحكومي.
مهتمة بالحوكمة وتطوير الأداء المؤسسي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك