العدد : ١٤٨٤٩ - الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٩ - الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

تحسين مستويات المعيشة بين الدولة والنواب والمجتمع

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

الأربعاء ١٢ ٢٠١٨ - 01:15

من القضايا التي تشغل الرأي العام البحريني والخليجي، قضية ماذا سيحدث لمستوى المعيشة بعد النفط؟ والسؤال الآخر.. لماذا ننتظر إلى ما بعد النفط؟ هل مستوانا المعيشي اليوم أو بالأمس، أفضل ما يمكن للجميع، أم أن هناك مستويات متفاوتة بشكل كبير لا يمكن تبرير تفاوتها بالفوارق الطبيعية بين الناس في القدرات والمهارات والفوارق الطبيعية في المهن والحرف والاختصاصات العلمية والوظيفية؟. فإن مستوى المعيشة موضوع يمكن أن يطرح اجتماعيا إذا عملت كل فئة من فئات المجتمع على الاستئثار بأكثر من نصيبها الطبيعي والمقبول مجتمعيا. 

يبقى السؤال: ما مستوى المعيشة وكيف نقيسه؟ وما حدود مسؤولية مؤسسات الدولة والمجلس النيابي والمجتمع؟ 

يمكن القول بأن مستوى المعيشة هو مدى قدرة الإنسان على الحصول على مستوى دخل يؤمن ضروريات الحياة من مأكل وملبس ومسكن وتعليم وصحة وكفاءة الخدمات الأخرى وقدرًا من الرفاهية يمكّنه من الاستمتاع بوقت الفراغ والشعور بالسعادة. هناك قياس متعارف عليه وهو متوسط الدخل للفرد، وهذا المعيار مادي وعام يصلح للمقارنة بين الدول وكذلك للمقارنة بين فترة زمنية وأخرى في نفس الدولة؛ أي أنه كلما زاد متوسط الدخل كان احتمال ارتفاع مستوى المعيشة أكبر. لكن ذلك لا يعبر عن توزيع الدخل داخل الدولة وحجم الطبقة الفقيرة ومتوسط الدخل فيها، وحجم الطبقة الغنية ومتوسط الدخل فيها، كذلك لا يفيد في معرفة الفرق بين أعلى دخل وأدنى دخل، ولا يعبر عن معيار مستوى المعيشة المعنوي والاجتماعي مثل مدى شيوع الرفاه الاجتماعي وجودة الحياة، كما أنه لا يشمل العمل التطوعي في المجتمع والمنزل. ومع ذلك فهو شائع الاستخدام لأنه معروف ومحدد، وثانيا لصعوبة الحصول على معايير كمية مناسبة لمفهوم جودة الحياة ومستوى الرفاهية والسعادة.

في نهاية المطاف يعتمد تحسين مستوى المعيشة المادية على معدل الإنتاجية. وزيادة الإنتاجية تتيح ارتفاع الأجور والرواتب بما يتناسب مع زيادة حجم العمل، وهذا يعني زيادة إنتاج سلع وخدمات أفضل وأرخص وأكثر من الآخرين، وإذا أضيف إلى الإنتاجية القدرات الابتكارية، التي تُحدث نقلات تكنولوجية ذات قيمة مضافة عالية، فإنه سيتحقق ارتفاع مستوى الدخل ومستوى المعيشة المادية، وهذا يمنحنا خيارات أكثر لتحسين مستوى المعيشة المعنوية والاجتماعية.

إذن فإن تحسين مستوى المعيشة في بعده المادي يعتمد على الدخل. أما تحسين مستوى المعيشة في بعديه المعنوي والاجتماعي فإنه يشمل مفاهيم إضافية مثل جودة الحياة والسعادة والرفاه الاجتماعي لكي تكتمل صورة تحسين مستوى المعيشة. ولقياس الصورة الكاملة تم استحداث مؤشرات أخرى مثل التقدم الحقيقي، ومؤشر التنمية البشرية، ومؤشر الصحة الاجتماعية. ومؤشر التقدم الحقيقي الذي يشترط أن تضيق الفجوة بين أعلى مستوى للدخل وأدنى مستوى، وأن تزداد نسبة دخل الطبقة الفقيرة من الناتج المحلي وتركز كذلك على مستوى التعليم والصحة ومعدل الجريمة. أما مؤشر الصحة الاجتماعية فإنه يركز على السكن والفقر بين الأطفال وكبار السن، والبطالة ومستوى الرواتب. مثل هذه المؤشرات تميل إلى صالح تحسين مستوى معيشة الطبقة الفقيرة وهذا مهم جدا للاستقرار والسلم الأهلي. إن إحراز تقدم في مستوى المعيشة يتطلب الاهتمام بقدرات ومهارات مجتمعية أهمها الإنتاجية والابتكار وروح الريادة وتقبل المخاطرة والاستثمار في رأس المال البشري والاجتماعي. يتطلب ذلك وضع سياسات وأهداف واستراتيجيات، وهذه مهمة ومسؤولية السلطتين التنفيذية والتشريعية لخلق البيئة المناسبة لتطوير هذه القدرات. هنا يأتي دور مجلس النواب ومدى قدرته على خلق تكتلات داخل المجلس تروج للسياسات التي من شأنها أن ترفع من مستوى المعيشة للمواطن وتؤثر في سياسات وقرارات السلطة بما يخدم هذه المصلحة.

القرارات التي تؤثر في مستوى المعيشة بشكل مباشر يتضمنها برنامج عمل الحكومة الذي يُعرض على المجلس في بداية تشكيله. من خلال تحليل البرنامج ووضع مؤشرات وأرقام محددة بمدد زمنية يمكن للمجلس محاسبة الحكومة على مستوى الأداء في تنفيذ البرنامج. أما الأداة الثانية فهي الميزانية العامة وما يرافقها من سياسات لتمويل الميزانية (السياسة النقدية) من ضرائب ورسوم ومحفزات اقتصادية ومشاريع استثمارية وبنى تحتية، والتي من خلالها يتم تنفيذ برنامج الحكومة وخصوصا المشاريع الاستثمارية في البنى التحتية وفي تحسين المناخ الاستثماري. بالإضافة إلى ذلك فإن هناك سياسة سوق العمل التي تتحكم في حجم العمالة الوافدة وفرص البحريني في الوظيفة المناسبة، وسياسات أخرى مثل السياسة الصناعية والسياسة الزراعية وكذلك سياسات الخدمات الاجتماعية والثقافية وسياسة المعلومات وتأمين حق الحصول على المعلومات؛ أي أن المجال واسع أمام الدولة وبإمكان النواب التأثير في هذه السياسات من خلال أدوات برلمانية تبدأ من إقرار برنامج الحكومة وإقرار الميزانية العامة إلى العمل في اللجان المختلفة وطرح الأسئلة وتشريع ضرورة وضع مؤشرات أداء للوزارات مرتبطة ببرنامج عمل الحكومة وبتحقيق مستوى معيشة أعلى.

هذا يعني أن المسؤولية في تحسين مستوى المعيشة تقع على مؤسسات الدولة بالدرجة الأولى ويتم من خلال السياسات والقرارات المختلفة، كذلك يتم من خلال إشراك المجتمع ومنظماته، وفي تعظيم شأن العمل الجاد المثمر وغرس القيم والسلوكيات المناسبة لتثمين القدرات والمهارات الأساسية وتكريسها في مناهج التعليم وفي الثقافة المجتمعية وفي تعامل مؤسسات الدولة مع قضايا المجتمع بشكل عام. كما تقع المسؤولية على مجلس النواب من خلال التشريعات والمساءلة واللجان المشتركة. هذا الجهد المشترك يخلق منظومة من الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والذي بدوره يخلق البيئة العامة المناسبة للاستثمار وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الذي ينتعش فيه سوق السلع والخدمات وسوق العمل وسوق المال ويقود إلى دولة منتجة ومجتمع حيوي. 

الوصول إلى ذلك ليس سهلا وتحفه الكثير من التحديات ويعتمد على مستوى التفهم والتعاون بين مؤسسات الدولة والمجلس النيابي والمجتمع وعلى قدر كبير من تقبل النقد وتقديم التنازلات، فهل نحن مستعدون؟

mkuwaiti@batelco.coom.bh

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news