العدد : ١٤٨٤٩ - الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٩ - الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الطبيعة البشرية للرسل وتحصينها في القرآن الكريم

الجمعة ٠٧ ٢٠١٨ - 10:40

بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل

الرسل بشر أصلا، وقد أوضح القرآن الكريم هذا الطابع البشرى، كما أكد القرآن أن الله قد اختار رسله وهيأهم لحمل الرسالة، فالله أعلم حيث يضع رسالته.

ومعنى ذلك أن الرسول له صفة بشرية وصفة نبوية، وأن الصفة النبوية تعصم الصفة البشرية من أخطاء البشر، كما أكد القرآن الكريم على بشرية الرسل في مواضع متعددة، ومنها قوله تعالى:  «وما كان لبشر من قبلك الخلد»، وغيرها من الآيات التي تؤكد بشرية الرسل، كما أوردت السيرة النبوية الكثير من المظاهر البشرية لجميع الرسل.

 ويبدو أن بعض الرسل قد تفاعلت بشريته مع بشرية الشعوب التي بعث إليها وانغمس في ذلك انغماسا تامًا، ونسي أنه رسول، وأنه في حفظ الله ورعايته، والمثل الصارخ على ذلك، هو يونس عليه السلام المعروف بذي النون، كما يبدو أن هذا الاندماج في الطبيعة البشرية هو الذى ميز بين الأنبياء ذوى العزم وغيرهم مثلما هو واضح في قصة لوط.

هؤلاء الأنبياء والرسل بعثوا إلى أقوامهم حتى يبلّغوا رسالة الله إليهم، لكن هذه الشعوب رفضت الرسالة وبعضها تمادى فأساء إلى الرسل الذين احتملوا الإساءة في سبيل الرسالة اعتمادا على أنهم رسل الله وعلى وعد الله لهم بأنهم الغالبون، وهؤلاء الرسل كانوا جميعا موضع استهزاء واستخفاف، بهم وبدعوتهم، وهُددوا بالإساءة إليهم وبطردهم مثلما هو واضح من الصدمة التي عبر عنها بعض الشعوب من رسل كانوا قبل الرسالة موضع احترامهم وتقديرهم مثل نوح وشعيب، لكن إبلاغهم بالرسالة غير نظرة هذه الشعوب إليهم. وكان ذلك أمرًا طبيعيا لأن الشعوب تمسكوا بعبادة ما كان يعبده آباؤهم، وكانت الرسالة تحثهم على تحكيم العقل فيما يعبدون ما أوضحته بشكل جلي قصة إبراهيم مع الأصنام وحواره مع النمرود.

وقد لاحظنا في السياق القرآني أن بعض الشعوب استهول أن يبعث فيهم نفر منهم كان قبل الرسالة من عامتهم فإذا به يفاجئهم برسالة تنسف وتسفه تماما عبادتهم وعبادة آبائهم. وقد لاحظنا أيضا في قصة فرعون و موسى أن الحوار بينهما انتقل من الحديث عن الإله إلى الحديث عن رسول هذا الإله فكان مشهد السحرة حاسما، وانتصار موسى على السحرة أكد صدق رسالته بأن فرعون ليس هو الله وأن موسى هو رسول الله الحق، وأن جميع الرسالات نزلت لكي تعيد هذه الشعوب إلى الحق الذي بدأ بآدم، وضل الإنسان عن هذا الطريق خلال الرحلة الطويلة فكانت رسالة كل رسول مؤكدة لما قبله، ما يقطع بأنه هو إله واحد، ورسل متعددون ورسالة واحدة، كما أن كل أمة كان لها رسول قال تعالى: «وما من أمة إلا خلا فيها نذير».

 وقد شدد القرآن الكريم على حصر وظيفة الرسل في البلاغ (بشير ونذير).

ورغم أن الله سبحانه وتعالى قد تعهد برعاية أنبيائه وحفظهم من الزلل فإن القرآن الكريم لفتنا إلى نقطة حساسة، وهى الجانب البشري في الرسل الذين تربوا في هذه الشعوب، وخبروا عبادتهم من دون أن ينكروها وحفظوا أنفسهم من المشاركة فيها لكنهم لم ينكروها، ولم يحثوا الناس على عبادة الله الواحد الأحد إلا بعد أن نزلت الرسالة إليهم، ومن الواضح في آيات القرآن الكريم خاصة الآيتين 74 و75 من سورة الإسراء لفتتنا إلى أن تفاعل بشرية الرسل مع بشرية أقوامهم وحداثة الرسالة يمكن أن تشكل التباسا عند الرسل. فرغم أن القرآن الكريم زود هؤلاء الرسل بالحجج اللازمة للمجادلة حول الرسالة مع شعوبهم إلى درجة أن بعض الشعوب تحدت الرسل بأن ترى ما أنذروهم به من هلاك بل إن بعض الشعوب تمنت أن تهلك على أن تنجو على يد الرسول» الذى فاجأهم بالرسالة مثل قوله تعالى: «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأرسل علينا صاعقة من السماء». ومن الواضح التناقض في هذا الخطاب لأنهم إذا كانوا يؤمنون بالله، ويستعجلون عذابه فلماذا يكذبون رسوله؟. وهذه الواقعة تشبه إشارة لطيفة في القرآن الكريم مشابهة تشير إلى أن المكذبين يحسدون المؤمنين ويطلبون من الله الذي كذّبوا بوجوده ألا يجعل في قلوبهم غلا للذين آمنوا، والأولى بهم أن يؤمنوا حتى لا يحتاجوا إلى الغل وإلى دعوة الله لكي يصرف عنهم هذا الغل.

هذه لفتة إنسانية حقيقية تؤكد صدق قوله تعالى: «ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه».

غير أن القرآن لفتنا إلى حقيقة أخطر، وهي فتنة الأنبياء بشعوبهم. فقد تحرز القرآن الكريم من تأثر الأنبياء بشعوبهم وفتنتهم في رسالاتهم فأراد الله أن يحصن رسله، حتى يأخذوا الرسالة بقوة وعزم وإيمان، وألا يضعفوا أو يهنوا في مواجهة هذا الاختبار، وقد أشارت الآيتان 74 و75 من سورة الإسراء إلى هذه اللفتة بقول الله سبحانه وتعالى: «ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا* إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا» ثم أردفت الآية 76 بتحذير الرسول من استفزاز هذه الشعوب له في قوله تعالى: «وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذًا لا يلبثون خلافك إلا قليلا». وقد طمأنه الله إلى أذى قومه في قوله تعالى: «والله يعصمك من الناس».

صحيح أن كل الأنبياء والرسل كانوا يشعرون بأن الله اختارهم وحصّنهم ضد هذه الفتنة، وأن مهمتهم ثقيلة، وهو ما أوضحته الآية الكريمة في شأن محمد (صلى الله عليه وسلم)، يقول تعالى: «إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا» فهي الرسالة الخاتم والنبي آخر ركب الرسل من السماء إلى الأرض، وهو المكمل للبناء الإيماني وبرسالته اكتملت رسالة الله إلى الأرض في قوله تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم». صحيح أنه لم يحدث أن فُتن نبي في هذا الاختبار، لكن الله أرشدنا في هذه الآيات إلى أنه يحصن أنبياءه لفتنة محتملة، وأن هذا الخطاب كان بينه وبين نبيه حيث أخبر الله نبيه بأنه كاد يركن إلى قومه فنبهه إلى ذلك، وإلى أن رسلنا هم الغالبون، وأنه يبلغ الحق من ربه، وأن مهمته تقتصر على البلاغ وليس الهداية، وأنه يبلغ ما أنزل إليه بأوضح العبارات وبقوة الإيمان والثقة في الرسالة والمرسل وفي أنه الرسول المكلف من الله. كذلك نشير إلى أن الله سبحانه، وفي سبيل إعداد رسله لهذه المهام أراد أن يثبتهم ويستوثق منهم فأخذ عليهم عهدًا بأنه هو الله في قوله تعالى: «وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه» (الآية 81 من سورة آل عمران).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news