العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

«معاداة السامية» في حزب العمال البريطاني.. مزاعم أم حقيقة؟

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الجمعة ٠٧ ٢٠١٨ - 01:15

 تستمر حملة الانتقادات الموجهة إلى زعيم المعارضة البريطانية، على خلفية مقال لـ«ديلي ميل» نُشرت فيه مؤخرا، صور خلال زيارته مقبرة الشهداء في العاصمة التونسية، في العام 2014، ووضعه أكاليل من الزهور على قبور فلسطينيين، هم ضحايا غارة إسرائيلية على مقر منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1985. وهي الحملة غير المسبوقة ضد زعيم سياسي بريطاني، وقد تأججت ضده في السنوات الأخيرة، بعدما أظهرت استطلاعات للرأي تزايد شعبيته واحتمالية تشكيله حكومة.

ومن جانبه، أكد كوربن مشاركته في تلك المراسم؛ مؤكدا أنها جاءت لرغبته في «مشاهدة نصب تذكاري يليق بكل من ذهب ضحية للأحداث الإرهابية التي نود إنهاءها في كل مكان»، مضيفا: «لا يمكننا تحقيق السلام بالعنف، لكن السبيل الوحيد لتحقيقه هو إجراء الحوار».

وتأتي هذه الحملة في فترة سياسية حساسة في بريطانيا، حيث تواجه رئيسة الوزراء، «تيريزا ماي»، استقالات العديد من الوزراء وانتقادات على خلفية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والأزمة الاقتصادية التي قد تسببها هذه الخطوة. في وقت تتخوف فيه حكومة المحافظين من أن هذه الأزمة قد تؤدي إلى خسارة الحكم لصالح خصمها، حزب العمال. كما تأتي بالتزامن مع خلافات أخرى داخل حزب العمال ذاته حول «بريكست»، حيث كان كوربن قد طرد «أوين سميث» من حكومة الظلّ العمالية، بعد تصريحاته التي دعم فيها إجراء استفتاء ثانٍ حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

وتلا ذلك عاصفة سياسية وموجة من الإدانات ضد زعيم حزب العمال من جانب بعض القادة السياسيين البريطانيين، وقياديين في الحزب ذاته، حيث طالبه وزير الداخلية البريطاني، «ساجد جاويد»، بالاستقالة من منصبه. واعتبره عضو البرلمان «أيان أوستين»، اليهودي، «ليس ملائما للمنصب»، قائلا: إنه «يخجل من الحزب الذي تحول إلى مياه آسنة». في غضون ذلك، تعالت أصوات في وسائل إعلام بريطانية تدعو زعماء الحزب إلى الانشقاق عنه وتأسيس حزب جديد، ما يعني القضاء على خصم قوي لحزب المحافظين اليميني. وكان من أبرز منتقديه رئيس الوزراء الإسرائيلي، «بنيامين نتانياهو»، الذي اعتبر أن ما فعله زعيم الحزب «يحتاج إلى إدانة من الجميع». لكن «كوربن» رد في بيان رسمي على مزاعم نتانياهو، قائلا: «إن ما يستحق الإدانة هو قتل أكثر من 160 متظاهرا فلسطينيا، بينهم عشرات الأطفال في قطاع غزة على يد قوات الجيش الإسرائيلي منذ مارس الماضي».

ومنذ انتخابه في عام2015. واجه «كوربن» انتقادات حول هذه القضية واتهم بمعادة السامية، أو على الأقل بأنه «فشل في تحجيم العناصر المعادية لليهود داخل الحزب». وهناك حالات بارزة مثل حالة «ناز شاه»، الوزيرة في حكومة الظل السابقة، ورئيس بلدية لندن السابق «كين ليفنجستون» اللذين واجها تحقيقا داخليا في عام 2016  في هذه القضية. وبحسب صحيفة «ديلي ميل»، هناك «حرب أهلية في حزب العمال بسبب معاداة السامية». وفي هذا الصدد، قالت مجلة «الايكونوميست»: «إن الكثير من المعادين للسامية الحقيقيين أو المحتملين من داخل الحزب، وخاصة بن كوربن ومؤيديه، يتضح موقفهم في مناقشات تحيط بإسرائيل-فلسطين». 

مضيفة، أن «إسرائيل وفلسطين ترسمان علاقة الحزب مع يهود بريطانيا»، مؤكدة أن «كوربن» «كرّس الكثير من حياته المهنية للقتال من أجل حقوق الفلسطينيين»، الأمر الذي جعله في بعض الأحيان أقرب إلى الناس الذين يحملون وجهات نظر معادية لليهود، والذين ينكرون محرقة الهولوكوست».

ومع ذلك، فإن مؤيدي كوربن يؤكدون أن اتهاماته بمعاداة السامية مبالغ فيها كثيرا، بالنظر إلى سجله المناهض للعنصرية، وأنها ذات «دوافع سياسية»، وخاصة أنه معروف بمواقفه المؤيدة للفلسطينيين؛ وتم الترويج لها من أجل تشويه سمعته وشعبيته الانتخابية، من خلال فصيل سياسي له مصالح راسخة وهو «اللوبي المؤيد لإسرائيل»، في محاولة لتخريب النجاحات التي حققها حزبه. وبحسب «ذي جارديان»، «غالبا يكون أبرز من ينتقدونه ليسوا يهودا فعليًا، بل هم من المؤيدين لإسرائيل داخل بريطانيا». ولعل أفضل مثال من قبل النقاد البارزين من داخل حزبه، النائبة «جيس فيليبس»، والنائب «أوين سميث» كأعضاء في منظمة الضغط الداخلية القوية المُسماة، «أصدقاء إسرائيل في حزب العُمال»، والتي تعمل على تعزيز المصالح الإسرائيلية. وهي المجموعة نفسها التي تورطت في عام 2017 في فضيحة تكشف عن معاداتها للفلسطينيين على الرغم من ادعاءاتها المتكررة بتفضيل «حل الدولتين».

بشكل صارخ، يتم استخدام تكهنات بشأن معاداة «كوربن» للسامية؛ للقضاء على انتقاد السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وما يتعرضون له من ظلم، والتي تزداد شعبيته في بريطانيا. ويتم إسكات هذه النقاشات كما أوجز «هنري ميتليس»، من جامعة غرب اسكتلندا في مجلة «سكوتش لفت ريفيو»، من خلال المحاولات التي يقودها منتقدو كوربن والمتعاطفون مع إسرائيل بأن انتقاد أعمال حكومة بنيامين نتانياهو اليمينية يساوي معاداة السامية. وهو ما حدث مؤخرا، حينما نجح اللوبي الإسرائيلي في استخدام التكهنات حول وضع كوربن إكليل من الزهور على مقبرة لضحايا فلسطينيين لمنع أي انتقادات لإسرائيل. 

وبالنظر إلى القوة المالية ونطاق نفوذ هذا اللوبي وجماعات الضغط مثل «المركز البريطاني الإسرائيلي للاتصال والأبحاث»، (بيكوم)، كما يقول «توم ميلز» الباحث بمركز «التحقيق النقدي في المجتمع والثقافة»؛ Centre for critical inquiry into society and culture»»، البريطاني؛ نستطيع معرفة أن تلك الجماعات تعد «لاعبا مهما في السياسة البريطانية؛ كونها تسعى إلى تقييد الحملات المناهضة لحماية حقوق الفلسطينيين، وتوجيه الدعم بالمقابل إلى الإسرائيليين، ومهاجمة وتهميش منتقدي إسرائيل». ونظرًا إلى قوة هذا اللوبي في السياسة البريطانية، فإنه يبدو أن محاولات وقف أي انتقادات موجهة إلى إسرائيل ستستمر، حتى أنها أخافت العديد من السياسيين من مغبة الإقدام على التعبير عن الدعم العلني للقضية الفلسطينية.

وفي هذا الصدد، نشر موقع «ميدل إيست آي» تقريرا، حول تدخل حكومة نتانياهو في الشؤون السياسية البريطانية، وكيف أن إسرائيل تغذي سرا ادعاءات بمعاداة السامية داخل حزب العمال البريطاني. مشيرًا إلى أن وزارتي الخارجية والشؤون الاستراتيجية الإسرائيليتين قد لعبتا دورا مهما في تشويه صورة كوربن، وذلك في إطار حملة واسعة شنتها «إسرائيل نتانياهو» لاستهداف النشطاء المتضامنين مع القضية الفلسطينية، وفي ظل توقع أن يصبح كوربن في وقت من الأوقات رئيس وزراء بريطانيا، ومن ثم، سيكون أول زعيم أوروبي يضع نصب عينيه القضية العادلة للفلسطينيين.

وكانت صحف يهودية في بريطانيا قد أطلقت في يوليو الماضي تحذيرات من صعود زعيم المعارضة في المملكة المتحدة، معتبرة أن تسلمه أي حكومة يعد «تهديدا لليهود في المملكة». وذهبت إلى مهاجمته لما قالت إنه «احتقار كوربن لليهود وإسرائيل»، وانتقدت ما أسمته «تآكل قيم ونزاهة حزب العمال البريطاني». وفي وقت سابق وصف رئيس مجلس القيادة اليهودي، «جوناثان جولدشتاين»، كوربن بأنه «يصور ثقافة سياسية معادية للسامية مبنية على كراهية إسرائيل، ونظريات المؤامرة، وهو ما يضر كثيرا، ليس فقط حزب العمال، ولكن بريطانيا أيضًا».

ووفقا لمحللين، فإن هذه الحملات ضد زعيم حزب العمال، قد جاءت أيضا؛ بسبب وضع الحزب تعريفا لمعاداة السامية لا ينسجم مع تعريف التحالف الدولي لذكرى المحرقة (IHRA)، الذي تتبناه أحزاب ومنظمات في بريطانيا وخارجها. في حين أن كوربن لم يرفض التعريف الدولي للعداء للسامية، وإنما رفض البند الذي يصف مساواة إسرائيل، بسبب ممارساتها واحتلالها، وألمانيا النازية بأنه أحد أشكال العداء للسامية. كما يصف إسرائيل بأنها «مشروع عنصري»، وتشديده على أن توجيه الانتقاد لإسرائيل ليس موجها ضد اليهود. كذلك رأيه أن «ولاء اليهود المؤيدين بشدة لإسرائيل، في بريطانيا، يفوق ولاءهم لبريطانيا». 

ومع ذلك، فقد أقر كوربن، في وقت سابق بوجود ما أسماه «جيوب» معاداة السامية في الحزب، ووعد بإغلاقها، مرجعا جذورها إلى العداء الأوروبي لليهود منذ القرن التاسع عشر، والتي تعد سياسة عنصرية ضد مجموعة عرقية ودينية، واجتمع مع زعماء الجالية اليهودية، وطمأنهم بأنهم مرحب بهم في الحزب. فيما أبعد نشطاء من حزبه لإطلاقهم تصريحات تندرج ضمن العداء للسامية، ومن بين أبرز أعضاء حزبه الذين أبعدوا، رئيس بلدية لندن السابق، «كين ليفينجستون»، بعد تصريحه بأن قياديين في الحركة الصهيونية تعاونوا مع النازية من أجل نقل اليهود من ألمانيا إلى فلسطين، أثناء الحرب العالمية الثانية. غير أن هذا الإبعاد لم يوقف الحملة ضده، بل صعدها، ما يدل على أن المسألة لا تتعلق بمعاداة السامية، بل بمناهضة سياسات وممارسات إسرائيل. ولعل ذلك يتضح مما قاله وزير الخارجية السابق في حكومة ماي، «بوريس جونسون»، من أن «توجيه الانتقادات لإسرائيل بسبب ممارساتها ضد الفلسطينيين، هو أمر شرعي». لكنه اعتبر أن كوربن بالغ في ذلك، معتبرا أنه في الإمكان القول بأن «وجود إسرائيل عنصري، وأن الصهيونية تساوي العنصرية»، مضيفا، أنه عندما يفعل ذلك سيكون في مواجهة مع ملايين اليهود المؤيدين لإسرائيل.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news