العدد : ١٤٨٤٨ - السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٨ - السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الثقافي

ســـرديــــات: حنّا مينه.. في الرحيل الصامت لعاشق البحر!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٠١ ٢٠١٨ - 10:32

قبل رحيله بحوالي عشر سنوات كتب الروائيّ العربيّ السوريّ الكبير حنّا مينه(1924- 2018) وصيته الأخيرة، وكأنه استشعر بحساسيته الفائقة الموت، وآثر أن يكون رحيله عن هذه الدنيا رحيلاً فائق الصمت، دونما ضجيج، دونما بكاء، دونما نحيب... وكأنه وصل إلى الذروة العليا من التصالح مع الفقد.. التصالح مع الموت..التصالح مع العزلة المطلقة! 

عندما قرأتُ وصيته ذكّرني بمثقف آخر رغم زمنه التاريخيّ المفارق لحنّا مينه لكنهما يتشابهان معًا في زمنهما الإبداعيّ والنفسيّ الخاص بهما: أبو حيّان التوحيدي، المبدع الذي رغم شهرته التي طبقت آفاق العالم القديم آنذاك، فإنه عانى من التهميش، ولم يوصِ بوصية قبل موته بل أحرق كتبه جميعها؛ لأنّه لم يجد أنَّ هناك أحدًا يستحقها! أو أحدًا يستحق قراءتها! أحرق وجوده الحقيقي الإبداعي، أحرق ذاكرته! منتهى الاغتراب، ومنتهى الفقد المطلق للتواصل مع الآخرين! والرغبة المطلقة في الانمحاء! لكن مع ذلك حافظ عشاقه على ما وصلهم من كتبه، ولم تفلح رغبته الذاتية في إنساء الآخرين نفسه، ومحو اسمه وطمسه تمامًا من هذا الوجود! 

 كتب حنّا مينة في وصيته: «أنا حنّا بن سليم حنّا مينة، والدتي مريانا ميخائيل زكور، من مواليد اللاذقية العام 1924. أكتب وصيتي وأنا بكامل قواي العقلية، وقد عمّرتُ طويلاً حتى صرتُ أخشى ألا أموت، بعد أن شبعت من الدنيا، مع يقيني بأنَّه «لكّل أجل كتاب»... لقد كنت سعيدًا جدًا في حياتي، فمنذ أبصرت عيناي النور، وأنا منذور للشقاء، وفي قلب الشقاء حاربتُ الشقاء، وانتصرتُ عليه، وهذه نعمة الله ومكافأة السماء، وإني لمن الشاكرين» عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدّد على هذه الكلمة ألا يذاع خبر موتي في أيّ وسيلة إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فقد كنتُ بسيطًا في حياتي، وليس لي أهل، لأن أهلي جميعًا، لم يعرفوا من أنا في حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف في شيء، أن يتحسروا عليّ عندما يعرفونني، بعد مغادرة هذه الفانية».

حّنا مينه تصالح مع الموت ابتعد عن تلك البهرجات التسويقية التي تُقام للمشاهير عند وفاتهم، يقيمها آخرون ليس حبًا فيهم؛ بل تسويق لذوات متسلقين يصعدون على جماجم الموتى، ويسرقون شيئًا من بريقهم الذي كان، ويختطفون بعضًا من أضوائهم! لا احتفاليات لا كرنفاليات زائفة... لا بكاء مصطنعا.. لقد كان حنّا مينه صادقًا وحقيقيًا مع نفسه ومع الآخرين في تصالح ذاتيّ وانسجام تام مع كونه.. أراد أن يدعوا نعشه يُحمل من بيته إلى عربة الموتى، على أكتاف أربعة أشخاص من دائرة دفن الموتى، وبعد إهالة التراب على قبره، ينفض الجميع أيديهم، ويعودون إلى بيوتهم، فقد انتهى الحفل وأُغلقت الدائرة! «لا تذيعوا خبر مماتي.. أريحوا عظامي من التأبين!»، تلك كانت وصيته الأخيرة.

حنَّا مينه الذي بدأ الكتابة متأخرًا جدًا في سن الأربعين، كانت رواياته انعكاسًا أدبيًا حقيقًيا لمعالم حياته هو: كتب سيرة والده في رائعته «نهاية رجل شجاع» التي حُوِّلت إلى مسلسل تلفزيونيّ ذائع الصيت في الثمانينيات من القرن الماضي، كتب سيرته الذاتية في ثلاثيته الروائية «بقايا صور» و«المستنقع» و«القطاف».. سيرة الفقر والحرمان وحياة الشظف في التحولات التاريخية التي جرت لسوريا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، والده الذي كان يحلم بالثراء لإخراج الحرير من دود القز، وسرعان ما تتلاشى أحلام الثراء وتتبخر! ويبقى الفقر!.. روايات «المصابيح الزرق»، و«الشراع والعاصفة»، و«الياطر»، و«حكاية بحار»، و«بقايا صور»، و«المستنقع»، و«القطاف» وغيرها. حنّا مينه كان روائي البحر؛ فرواياته عندما تقرأها تتنفس بعمق روائح البحر الذي يسكنك.. رواياته مبلَّلة بمياه أمواج البحر الصاخبة، كانت أمنيته التي كتبها أن تنتقل مدينة دمشق إلى البحر! تلك كانت أمنية عاشق البحر الذي ستبقى رواياته تمثل مرحلة تأسيسية عميقة في تاريخ الرواية العربيّة المعاصرة، وسيبقى تدشينه لأدب البحر في الكتابة العربية المعاصرة مصدرًا أساسيًا يحيل إليه. حنّا مينه أيها الإنسان الرائع اغفر لنا فقد خالفنا وصيتكّ واقتحمنا صمتك الأخير! اغفر لنا خذلانك! وداعًا حنّا مينه!

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news