العدد : ١٤٨٤٧ - الجمعة ١٦ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٧ - الجمعة ١٦ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الإمام محـمد الـخـضر حـسـين.. التونـسـي الذي رفعه علمه وخـلـقه وجـهاده إلـى مـشيـخة الأزهـر (39)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٢٤ ٢٠١٨ - 10:18

المرحلة المصرية (19):

مرة أخرى.. أمثلة من سوء التأويل لكتاب الله:

 لم يقف هذا المؤول عند ما ذكرناه لك من سوء التأويل لكتاب الله، لكنه أضاف خطيئات أخرى، مما سولته له نفسه، وزينه له شيطانه نذكر لك منها:

* إنكاره للجن:

يتعرض هذا المؤول للآيات التي ذكر فيها الجن، لكنه يحمل الجن على غير المعنى الذي عرفه الصحابة، ومن بعدهم، من أئمة الدين وعامة المسلمين، وانظر إلى ما يقوله في آية من أظهر ما يدل على أن الجن خلق غير الإنسان وهي قوله تعالى: «قل أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا» (الجن/ 1).

فإنه بعد أن أحال القارئ إلى آيات من سور متعددة قال: «بعد هذا تفهم أنه يطلق الجن والجنة على الزعماء المتكبرين من السادة المتبوعين، ويعبر عن الإنس بسائر المقلدين والتابعين المستضعفين»، ويفسر الجن في بعض الآيات بقواد الجيش!!.

يقول الإمام: لم ينقل عن أحد من المسلمين على اختلاف فرقهم إنكار الجن وإنما ينكرهم طائفة من غير المسلمين.

وينكر الجن من جمد عقله في دائرة المحسوسات لا يتخطاها قيد أنملة، ونحن نعلم أن العقل وحده لا يصل إلى العلم بوجودهم، كما أنه لا يستطيع إقامة الدليل على نفيهم، بل إذا سئل عنهم، وهو صحيح النظر مجرد من كل تقليد، أقر بإمكان وجودهم، إذ ليس من شرط كل موجود أن يدرك بإحدى الحواس الخمس، فقدرة الله تسع خلقا ينشأ من عنصر لطيف فلا يقع عليه النظر، وإذا أقرت العقول إمكان شيء وأخبر الدين القائم على البرهان بوجوده، تلقينا خبره بالقبول ولم نفرق بينه وبين ما أدركناه بالمشاهدة، أو ثبت بالأدلة العقلية المباشرة.

قال ابن حزم في كتاب «الفصل»، وأجمع المسلمون على ذلك: (أي وجود الجن) نعم والنصارى والمجوس والصابئون، وأكثر اليهود حاشا السامرة فقط. فمن أنكر الجن أو تأول فيهم تأويلا يخرجهم عن هذا الظاهر كافر مشرك.

* إنكاره للشياطين:

ينكر المؤول الجن، كما مر بك ثم ينكر أن يكون هناك مخلوق غير الإنسان يقال له شيطان. تجد هذه الأفكار عندما يرد لفظ إبليس، أو الشيطان في آية من الآيات فيأبى أن يبقيه على المعنى المعروف في الكتاب والسنة، وإجماع المسلمين، فانظر إلى أصرح آية في هذا المعنى وهي قوله تعالى:

«فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين» (البقرة/ 34) كيف تأول فيها لفظ إبليس فقال: «إبليس اسم لكل مستكبر على الحق ويتبعه لفظ الشيطان والجان وهو النوع المستعصى على الإنسان تسخيره، وكذلك تأويله لقوله تعالى: «فسخرنا له الريح تجري بأمره حيث أصاب والشياطين كل بنَّاء وغواص» (ص 36، 37). فقال: «الشياطين يطلقون على الصناع الماهرين والأشقياء المجرمين» أرأيت هذيانا أكثر من ذلك؟

* تأويله للملائكة:

تأمل تخبطه في هذيانه، وكيف فسر الملائكة، فمرة يفسرهم برسل النظام والسنن كما ذكر عن قوله تعالى: «أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة» (البقرة/ 248). إشارة إلى أنه يأتيهم بسنن الله ونظامه؛ أي بتغلبهم على العدو وبقوة الحرب ونظامه والملائكة، كما قلنا في (ص24) رسل النظام والسنن في الكون وقال عند قوله تعالى: «وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» (البقرة 34) «الملائكة رسل النظام وعالم السنن وسجودهم للإنسان معناه أن الكون مسخر له».

ومرة يجعل الآية التي ذكر فيها الملائكة من قبيل التمثيل كما قال في قوله تعالى: «جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع» (فاطر/ 1) «يمثل لك السرعة في إجراء سننه في الكون وتنفيذ أمره في العالم».

وفسر جبريل وميكال في قوله تعالى: «من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال» بأنهما قسمان من الملائكة، وقال: «الأول رسول الوحي والإلهام والثاني رسول السنن والنظام»، وقال عند تأويل الملائكة من قوله تعالى: «ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب» (البقرة/ 177)، وهذا تابع للإيمان بالله فمن يؤمن بالله يؤمن بخلقه والملائكة رسل هذا الخلق والنظام.

يقول الإمام: فتحريفه الآية بإدعاء التمثيل مرة، وذكره لسنن الكون مرة أخرى، وجعله جبريل وميكال قسمين من الملائكة من دون الاعتراف بأنهما فردان منهم يدل على أنه يريد من الملائكة غير المعنى المعروف في صريح الكتاب والسنة، ونصوص الشريعة في دلالتها على وجود الجن والملائكة متساوية، وهما من جهة إمكان في منزلة واحدة.

* إنكاره لأحكام معلومة من الدين بالضرورة:

أطلق المؤول قلمه في الإنكار حتى ألحد في آيات الحدود والأحكام المعلومة من الدين بالضرورة. فانظر إلى ما صنعه في قوله تعالى: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما» (المائدة/ 38).

إذ قال: «يعطي معنى التعود؛ أي أن السرقة صفة من صفاتهم الملازمة لهم، ويظهر لك من هذا المعنى أن من يسرق مرة أو مرتين ولا يستمر في السرقة، ولم يتعود اللصوصية لا يعاقب بقطع يده»!!

وكذلك حرف قوله تعالى: «الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة» (النور/ 2).

فقال: يطلق هذا الوصف على المرأة والرجل إذا كانا معروفين بالزنا وكان من عادتهما وخلقهما، فهما بذلك يستحقان الجلد.

قال الإمام:

هذا الذي قاله في اسم الفاعل من أنه يدل على التكرار والتعود من بهتانه الذي لا يقف عند حد، فاسم الفاعل نحو السارق أو الزاني يدل على ذات قامت بها السرقة، أو الزنا ولا دلالة على تجرد الوصف بالذات، ولا على تعودها عليه هذا ما يقوله علماء العربية في القديم والحديث.

وقد عمد إلى الآيات الصريحة في ملك اليمين، وحرفها بالتأويل تحريفا لا يختلف عن صريح الإنكار، إلا أن عليه مسحة من النفاق، فانظر كيف حرف قوله تعالى: «ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات» (النساء/ 25) وحمل الفتيات على الخادمات فقال: فيه عناية بالخادمات وتسهيل لمن يريدون الزواج، ولا يستطيعون النفقات على ذوات البيوت.

وقال عند قوله تعالى: «وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم» (النور/ 32). «خدمكم وخادماتكم».

يقول الإمام: لقد ارتكب في الآيات الواردة في هذا الشأن، ما لا يخطر على بال أصلب الباطنية جبهة، وقد تقدم ذكر تلك الطائفة المجوسية التي ائتمرت على الكيد للإسلام، والنيل منه بسوء تأويل آيات القرآن، وما يخدم أهدافها الخسيسة.

فقد دفعه (أي المؤول) إنكاره لأصل ملك اليمين إلى إنكاره بأن يتمتع الرجل بما ملكت يمينه من الإماء، وكذلك تجده يحرف الآيات الواردة في هذا الشأن كما قال تعالى: «والذين هم لفروجهم حافظون. إلّا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين» (المؤمنون/ 5، 6).

لقد قال المؤول: أو ما ملكت من الخدم –فإن لهم ما ليس لغيرهم فقد يكون في الإنسان فروج أي نقائص وعيوب يسيئه أن يراها الناس فيه، لكن لا يسيئه أن يراها خدمه.

وإذا كان في بعض تأويله ينادى بانحرافه عن الهدى إلى مكان بعيد، فإنه في بعض ما ينادى بأن الرجل ليس له فكر يتحامى به، فضيحة العبث ويحبسه عن أن يقول ما يضحك منه المحزون، فهو يصرف الآية بتأويل سخيف بعيد عن أن تكون للحث على الطهر، والعفاف إلى الأمر بستر العيوب والنقائص عن الناس إلا عن الأزواج والخدم.

وهو ينكر إباحة تعدد الزوجات الذي جرى عليه السلف من الصحابة ومن بعدهم وجعل آية «وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع» (النساء/ 3)، وخاصة من اليتامى فقال «من النساء» نساء اليتامى الذين فيهم الكلام لأن الزواج منهن يمنع الحرج في أموالهن.

ثم قال: ولتعلم أن التعدد لم يشرع إلا في هذه الآية بذلك الشرط السابق معنى «وإن خفتم»، واللاحق «فإن خفتم ألا تعدلوا» (النساء/ 3).

ومن البين تجافي هذا المعنى الذي ذكره المؤول عن نظم الآية، ومن أظهر الوجوه التي يستقيم معها النظم، ولا تمس إجماع المسلمين من الصحابة ومن بعدهم بشيء، وأن يكون المعنى وإن خفتم أن تهضموا شيئاً من حقوق اليتامى لضعفهن وتحرجتم منهن، فدعوا الزواج بهن، وانكحوا ما طاب لكم من النساء غيرهن مثنى وثلاث ورباع. ونختم هذا الهذيان بما قاله الإمام: هذه أمثلة من كتاب حشوه الجحود، والهذيان نسوقها في هذه الرسالة؛ ليزداد المسلمون علماً بأن مؤلفه مهزول الفكر منحرف عن الرشد.

«وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين» (الأعراف/ 146).

وبعد.. لقد قدمنا نماذج من معارك الإمام التي سبق فيها غيره في ميدان العلم والفكر وليست كل معاركه في هذا الميدان فقد خاض معارك أخرى على هيئة مقالات ومحاضرات وخطابات، يعجز القلم عن حصرها وقد شاركه فيها غيره رحم الله الجميع. 

 

استدراك:

رأينا من الإنصاف للإمام والحقيقة والتاريخ أن نذكر عناوين المعارك التي خاضها الإمام ولو لم نتعرض لها بالتفصيل للدلالة على موسوعية الرجل في فنون وعلوم مختلفة. وأنه دخل هذه الميادين بجرأة العالم المتمكن الذي يخشى الله ولا يخشى أحداً إلا الله، ولا يخاف في الحق لومة لائم أو بطش حاكم، أو جور من رأى في أقلامهم زيغاً عن الهدى وأنهم قد ضلوا ضلالاً بعيداً، وفي أفكارهم انحرافا عن سبيل الرشاد.

- رد على الشيخ علي عبدالرازق في مقالاته عن «العظمة»، وكتب ملاحظاته على مقال مولد النبي (صلى الله عليه وسلم) للشيخ عبدالرازق أيضاً.

 

- رد على الشيخ محمود شلتوت في مقاله «الهجرة وشخصيات الرسول».

- رد على الطاهر حداد في كتابه «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، وكان عنوان رد الإمام «كتاب يلحد في آيات الله».

- رد على عبدالمتعال الصعيدي بعنوان: «تحريف آيات الحدود عن مواضعها».

وإلى الحديث عن جهاد الإمام في ميدان آخر إن شاء الله.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news