العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

مستقبل الشراكة الخليجية - الأوروبية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الثلاثاء ٠٧ ٢٠١٨ - 01:15

أولى الاتحاد الأوروبي منطقة الخليج العربي أهمية بالغة للشراكة مع دول الخليج العربي والتي يعكسها اتفاق التجارة المشترك بين الاتحاد الأوروبي عام 1998 والذي لا يزال أساس المفاوضات بين الجانبين حتى الآن، ولقد تميزت العلاقات الخليجية -الأوروبية عن غيرها من الشراكات الأخرى لدول المجلس من زاويتين، الأولى: أنها الشراكة الوحيدة التي تأسست على الإطار الجماعي، أي مجلس التعاون في مقابل الاتحاد الأوروبي على العكس من الشراكة الخليجية-الأطلسية التي تتأسس على مبدأ الكل+1 أي بين حلف الناتو وكل دولة خليجية على حدة، والثانية: الأساس الاقتصادي لتلك الشراكة حيث استهدفت التوصل إلى اتفاق تجارة حرة بين الجانبين، بالإضافة إلى مجالات التعاون الأمني. 

وواقع الأمر أن طبيعة تلك الشراكة كانت نتيجة عدة عوامل، فجغرافيًا يعد الاتحاد الأوروبي هو الأقرب إلى منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي ومن ثم فإن الاتحاد الأوروبي يضع أمن تلك المنطقة في المرتبة الثانية مباشرة بعد أمن دوله الأعضاء، فضلاً عن إيلاء الاتحاد الأوروبي أهمية كبيرة لمفهوم الأمن الناعم ومن ذلك المجالات الثقافية والتعليمية.

ورغبة من الجانبين في تطوير تلك الشراكة فقد أنشأ الاتحاد الأوروبي أول بعثة دبلوماسية له في إحدى دول الخليج العربي وهي المملكة العربية السعودية عام 2008 ومن جانبها قامت المملكة بافتتاح أول بعثة لها لدى الاتحاد في يناير 2018، الأمر الذي يعكس رغبة الجانبين في وضع إطار مؤسسي دائم لتلك الشراكة. 

ومع أهمية ما سبق فإن مسيرة الشراكة الخليجية-الأوروبية ربما لم تكن بذات وتيرة الشراكات الأخرى ومن ذلك على سبيل المثال طول فترة التفاوض بشأن إقامة منطقة تجارة حرة، الأمر الذي حدا بمجلس التعاون إلى تعليق تلك المفاوضات عام 2008 ثم إعادة استئناف التفاوض مرة أخرى، وبرأيي أن الفرصة سانحة الآن للاهتمام بشكل أكبر بالقضايا الاقتصادية، ففي الوقت الذي يجب على الاتحاد تعزيز التبادل التجاري لتعويض آثار الخروج البريطاني من المنظومة الأوروبية فإن دول الخليج العربي في سعيها لتنويع اقتصاداتها والحد من الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل القومي تجد في الدول الأوروبية خيارًا مهمًّا لها في هذا الشأن، حيث تشير التقديرات إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يزال الشريك التجاري الأول لمجلس التعاون، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين حوالي 180 مليار دولار في عام 2017، ولدى الاتحاد الأوروبي فائض في الميزان التجاري مع دول الخليج، آخذًا في الاعتبار أنه يجب على الاتحاد الأوروبي الحفاظ على تلك الوضعية المتقدمة في علاقاته الاقتصادية مع دول الخليج والتي لديها خيارات أخرى للشراكة، منها العلاقات مع الدول الآسيوية الأقرب جغرافيًا لمنطقة الخليج العربي. 

وثمة متطلبات تجعل من تطوير تلك الشراكة ضرورة استراتيجية بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي تأسيسًا على متغيرات إقليمية ترتبط بشكل وثيق بالأمن القومي للدول الأوروبية ليس أقلها استمرار تدفق اللاجئين إلى الدول الأوروبية وهو التحدي الأكبر الذي يواجه المنظومة الأوروبية في الوقت الراهن في ظل استمرار الأزمات الإقليمية، بالإضافة إلى خطر الإرهاب، فضلاً عن التحولات الدولية غير المسبوقة والتي تملي على الاتحاد -الآن وقبل أي وقت مضى- التفاعل مع تلك التحولات بما يعزز مكانته كتجمع إقليمي ومنها مستقبل العلاقات الأمريكية-الأوروبية في ظل بوادر حرب تجارية غير معروفة عواقبها، ومطالبة الرئيس الأمريكي غير ذي مرة الدول الأوروبية الالتزام بحصتها الدفاعية في منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، فضلاً عن تحول العديد من بؤر الصراع إلى تنافس للقوى الكبرى مجددًا، وجميعها عوامل تمثل تحديًا هائلاً للاتحاد الأوروبي.

وأتصور أن تطور تلك الشراكة يبقى مرتهنًا بثلاثة أمور، الأول: إمكانية وجود نقاط مشتركة بين الجانبين بشأن السياسات الإيرانية تأخذ في اعتبارها المخاوف والمصالح الخليجية حيث إنه لدى الجانب الأوروبي خبرة ممتدة بشأن ذلك الملف والتي تجلت خلال المفاوضات بين إيران ودول مجموعة الـ5+1، بالإضافة إلى قدرة الدول الأوروبية على الإسهام في تعزيز الأمن الإقليمي بمفهومه الأوسع، تأسيسًا على مؤشرات مهمة منها المساهمة الأوروبية في إعادة بناء البنية التحتية في العراق، وتقديم مساعدات إنسانية لليمن، ناهيك عن جهود الاتحاد الأوروبي في مكافحة القرصنة في خليج عدن والقرن الإفريقي من خلال قوات بحرية تابعة للاتحاد «أتلانتا» والتي بدأت عملها عام 2012 وستظل حتى نهاية العام الحالي 2018، والثاني: إمكانية تأسيس آلية دائمة للتشاور بين الاتحاد الأوروبي ودول الخليج العربي على غرار مبادرة حوار أمن الخليج العربي التي أعلنتها الولايات المتحدة عام 2006، والثالث: إمكانية أن يتمايز الاتحاد الأوروبي عن حلف الناتو، حيث تتداخل عضوية الدول الأوروبية بين المنظمتين، وربما توجد الآن خطوات مهمة في هذا الشأن على صعيد بناء بديل أوروبي للأمن كضرورة استراتيجية والذي سوف ينعكس بالطبع ليس فقط على هوية الاتحاد الأوروبي وآليات عمله بل على دور الاتحاد الأوروبي تجاه أمن الخليج العربي والأمن الإقليمي عمومًا.

‭{‬  مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news