العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

وساطة عمانية في الأزمة الإيرانية

بقلم: د.عمر الحسن

الاثنين ٠٦ ٢٠١٨ - 01:15

ربطت العديد من الأوساط الدبلوماسية والتقارير الصحفية بين زيارة وزير الخارجية العُماني «يوسف بن علوي»، لواشنطن ولقائه وزير الدفاع، «جيمس ماتيس» يوم27/7، بمساع إيرانية للتهدئة، وفتح قناة تواصل مع البيت الأبيض، وخاصة أنها تأتي بعد زيارة سرية قام بها وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، لعُمان، وهو ما أكدته مصادر صحفية يوم 3/8/2018 أن هناك اتصالات سرية جرت بين إيران وأمريكا عبر سلطنة عُمان أفضت إلى إعلان الرئيس الأمريكي ترامب يوم 30/7/2018 استعداده للقاء الرئيس الإيراني ومن دون شروط مسبقة، وفي أي وقت يريده الإيرانيون، قائلا: «إذا أرادوا أن نلتقي فسألتقيهم». وإذا عُقد هذا اللقاء فسيكون الأول من نوعه بين القادة الأمريكيين والإيرانيين منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 .

ولا شك أن طهران تبحث عن وسيلة تخرجها من أزمتها مع الولايات المتحدة، وفتح قناة تواصل، مثلما حدث بتوسط عمان في 2013، والذي أفضى إلى الاتفاق النووي الإيراني عام2015 مع مجموعة 5+1.

وقبل إعلان ترامب المشار إليه كانت إيران قد بعثت برسالة إلى الإدارة الأمريكية حملها الوزير العُماني أثناء زيارته، تضمنت عرضًا بالتفاوض مباشرة، ووضعت سبعة شروط، بحسب تلك المصادر، في مقابل أن تتعاون إيران مع أمريكا في أزمات اليمن وسوريا والعراق وأفغانستان، أهمها عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي وتنفيذ التعهدات المنصوص عليها فيه، ووقف التهديدات العسكرية، ووقف السعي إلى إسقاط النظام، وإثارة الخلافات مع دول عربية، وإيقاف العقوبات والضغوط التي تضعها على الاقتصاد الإيراني وعلى الشركات الأوروبية حتى تعود وتبدأ تنفيذ مشاريعها واستثماراتها في طهران.

وقد ردت واشنطن بإيجابية على شرطين، من خلال تصريح لوزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، الذي أكد فيه أن الولايات المتحدة لا تحضّر لشن هجوم عسكري على إيران، ولا تسعى لإسقاط النظام.

وجاء لقاء «بن علوي» و«ماتيس» بعد يوم واحد من تصريحات «قاسم سليماني»، قائد فيلق القدس، التي لوّح فيها بالاستعداد للمواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية في البحر الأحمر، ويرى مراقبون سياسيون أن التصريحات شيء والواقع شيء آخر، وأن إيران تبحث عن التهدئة بأي ثمن لتجنب العقوبات المقررة أو أي مصائب أخرى. 

ومن جهته، قال الناطق باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، «غاريت ماركيز»: «إن الولايات المتحدة مستعدة لاتخاذ إجراءات لإلغاء العقوبات وإعادة العلاقات الدبلوماسية في حال كانت هناك تغييرات ملموسة ومثبتة ودائمة في سياسات طهران». 

ومن جانبه، قال وزير الخارجية الأمريكي، «مايك بومبيو»، إنه يدعم إجراء محادثات مع إيران «إذا أظهرت التزامًا بتغيير تصرفاتها». وكان «بومبيو» قد وضع 12 شرطًا للتوصل إلى أي اتفاق جديد مع إيران، من بينها سحب قواتها من سوريا، ووضع حد لدعمها الحوثيين في اليمن.

ولفتت المصادر نفسها إلى أن الأمريكيين عرضوا إجراء لقاء تمهيدي بين ظريف ووزير الخارجية الأمريكي «مايك بومبيو» في سنغافورة على هامش مؤتمر آسيان، على أن يُجرى اللقاء بين «روحاني» و«ترامب» في نيويورك، على هامش جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تعقد في سبتمبر.

وتأتي تصريحات «ترامب» بعدما تبادل التهديدات العدائية مع نظيره الإيراني «حسن روحاني»، يوم 23/7، وسط تصاعد التوترات بينهما، عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي. وبلغت التهديدات ذروتها، بعدما حذرت إيران، الرئيس الأمريكي، من أن الحرب معها ستكون «أم كل الحروب»، وفي المقابل، رد «ترامب»، قائلا: «إن إيران سوف تعاني عواقب لم يشهد التاريخ مثلها». 

وعلى الجانب الآخر، علق المتحدث باسم الخارجية الإيرانية «بهرام قاسمي»، على الأخبار التي تتحدث عن مساعي عُمان للوساطة مع واشنطن بقوله: إن «علاقاتنا مع سلطنة عُمان مستمرة وجيدة ونحن على اتصال دائم»، لكنه نفى وجود أي وساطة ولا علم لإيران بمضمون المحادثات التي تجري في أمريكا. وكان المرشد الإيراني «علي خامنئي»، قد أمر في بداية يونيو الماضي، ببحث شروط الرئيس الأمريكي للتوصل إلى صفقة نووية جديدة، تجنب إيران عقوبات واشنطن. وجاءت خطوة «خامنئي» هذه إثر تحذير مساعديه من أنَّ طهران ستتأثر من الحظر الأمريكي على صادرات إيران النفطية في شهر نوفمبر المقبل.

وعن دور عُمان في تحقيق وساطة تجنب المنطقة صراعا دمويا بين إيران والولايات المتحدة؛ أشار وزير الخارجية العماني «يوسف بن علوي»، إلى أن «بلاده مستعدة لتقديم المساعدة»، مضيفا: «في اعتقادي أنه من الممكن أن يبدأ حوار، وأعتقد أن الطرفين بحاجة إلى أن يجدا الفرصة في ألا يدخلا في صراع غير مفيد لهما أو للمنطقة».

في مايو الماضي، أعلنت الولايات المتحدة انسحابها من الاتفاق النووي مع إيران الموقّع عام 2015، بعد أن وصفه «ترامب» بأنه «سيئ للغاية، وأحادي الجانب، ولم يكن يجب أن يُبرَم أبدًا». وتفرض واشنطن عقوبات اقتصادية جديدة على طهران، منذ اليوم السادس من أغسطس الجاري، بينما تسري بقية العقوبات -ولاسيما في قطاع البترول- في الرابع من نوفمبر القادم. 

ويؤكد المحللون أن اقتصاد إيران سيتأثر كثيرًا نتيجة العقوبات وسيزداد الغضب الشعبي على الحكومة، وخاصة أنها شهدت مع نهاية ديسمبر 2017، موجة مظاهرات في مناطق عدة احتجاجًا على تدهور الأوضاع الاقتصادية المستمرة، وعلى التكلفة الباهظة لتدخلات النظام في سوريا والعراق ولبنان واليمن وغيرها، وما ينفقه النظام من أموال على مليشياته الطائفية هناك، وعزلته السياسية، وانتشار وتوغل الفساد، وعزوف الاستثمارات الخارجية، بل وهروب المحلية منها. وتعد الاحتجاجات الحالية هي الأكبر والأخطر في إيران منذ المظاهرات المعترضة على إعادة انتخاب «محمود أحمدي نجاد» رئيسا في عام 2009.

وتاريخيا، تسعى عُمان للقيام بدور الوسيط، حيث عُرف عنها اختيارها لسياسة الحياد ولسياسة القوة الناعمة، والإبقاء على خيوط مع كل الأطراف، فقد استطاعت الإفراج عن ثلاثة سياح أمريكيين محتجزين بإيران في سبتمبر 2010. وكان لها دور أساسي في إنجاح مفاوضات إيران وعقد الاتفاق النووي الإيراني مع الدول الست عام 2015.

كما سُجّلت لها نجاحات تفاوضية دبلوماسية في الإفراج عن أمريكيين وبريطانيين احتجزهم الحوثيون، إضافة إلى دورها لاحقا في جمع طاولة حوار يمنية مع الحوثيين. فيما تعاود عُمان طرح نفسها من جديد في ملف الأزمة السورية، بعد الزيارة التي قام بها «يوسف بن علوي»، لدمشق قبل أسابيع، إذ يمثل خيارا يعود ويطرح اسم مسقط، جنبا إلى جنب مع كبرى العواصم الفاعلة في الأزمة السورية. 

وقد كشفت مجلة «انتيليجانس» الاستخباراتية الفرنسية أن زيارة «بن علوي» لواشنطن تأتي أيضا لتؤكد وجود دور من أدوار الوساطة العمانية، التي تؤديها بالمنطقة، لرأب الصدع المتزايد بين الولايات المتحدة وإيران.

ووفقا للمجلة المشار إليها، فإن «مضيق هرمز» يعد واحدا من أبرز العوامل المحددِة لملامح السياسة الخارجية العُمانية المختلفة عن سياسة شقيقاتها في دول مجلس التعاون، حيث إن إطلالتها على المضيق الاستراتيجي، ومشاركتها إيران التحكم بمياهه كانتا سببا في رغبة مسقط تفادي التصعيد مع طهران، فضلا عن العلاقات الودية التاريخية للسلطنة مع كل من إيران والولايات المتحدة، والمظهر الحيادي للدبلوماسية العمانية، مع سعي طهران للتعلق بأي مسار قد يقود إلى التأثير على الموقف الأمريكي، والتخفيف من حدة الشروط الأمريكية، أو المهلة التي حددتها واشنطن لطهران للامتثال لهذه الشروط، وهي نوفمبر القادم، وهو ما يعزز نجاح الوساطة المفترضة.

ولعل التفاؤل، الذي أحاط هذه الجهود الدبلوماسية، يستدعي ما حدث بين الإدارة الأمريكية وكوريا الشمالية، وعقد قمة «ترامب – كيم»، بالسعي إلى عقد اتفاق قمة «أمريكي إيراني». كما ينشط هذا التفاؤل من الدول التي لها مصالح وعقود أعمال مع إيران، كروسيا والصين ودول الاتحاد الأوروبي، وينشط أيضًا من دول المنطقة، التي ستكون هي المتضرر الأول من تصاعد الصراع. ونتوقع أن أي اتفاق محتمل، لا ينبغي له أن يكون على حساب أمن واستقرار الدول الخليجية، حيث ستضمن الوساطة العُمانية بالتأكيد مصالح هذه الدول التي تنتمي إليها، وهي أن تنهي إيران تدخلاتها في شؤون جيرانها الداخلية لهذه الدول، وفي الأزمات السورية واللبنانية واليمنية، وإشعالها الحروب الأهلية القائمة في المنطقة، مع ضرورة وضع المنشآت النووية الإيرانية تحت الرقابة الدولية، وإلزامها بوقف تطوير قدرتها الصاروخية، والكف عن إثارة النزعة الطائفية.

ويحسب للدبلوماسية العُمانية أنها كانت حريصة دائمًا على النأي بنفسها عن أي نزاعات، ولهذا فهي مؤهلة لتلعب دور الوسيط، حيث ستؤدي دورًا محمودًا في خدمة الأمن الجماعي واستقرار منطقة الخليج، ويزيد من رصيد هذه الدبلوماسية الإيجابية إذا قامت بهذا الدور في إطار مجلس التعاون، وبالتشاور والتنسيق مع دوله. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news