العدد : ١٤٨٨٠ - الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٨٠ - الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

الثقافي

نـــبــــــض .. رحيل التشكيلية: سامية إنجنير يوقظ ما لم يوقظ!

بقلم: علي الستراوي

السبت ٠٤ ٢٠١٨ - 10:12

إنهم على سلم الحكايات يسردون..

وعلى أبيض اللون يغمسون الحبر بالدموع..

من هنا.. امتدت نخيل «دلمون» لتفتح للغيم شهوته 

ولتحكي للأرض سر الباقين على ترعة من الماء..

دون أن تشير لنا بالرحيل.. رحلتِ بصمت

وعلى سرير متعب من السهر...

كنتِ ترسمين آخر بسمة لطفلٍ بهيج..

ودعتنا «سامية»، فبكت ألوان الحياة..

وترجل الحبر من جسد موته ليرفض الوجع!

هكذا فقدنا في الاسبوع الماضي، فنانة جميلة، لا تنظر إلى قدميها بقدر ما تنظر إلى سر حكايتها التي انشغلت بها طفلة، وغابت فترات عنها لتعود من جديد وتهز بريشتها حكاية جريئة، متجاوزة التابو، وكل ما هو وجسٌ لا يتصل بحلمها، ولا تنتمي إلى مفاصله، لأنها فنانة ترسم ما تراه يجب أن يرسم ويحكى عنه.

انتقلت إلى باريها، بصمت، هي الفنانة والشاعرة الدكتورة سامية انجنير التي ترسم بظل قامة رجل، وتكتب بظل آخر لامرأة لا ترى في الألوان سوى لون واحد، حبها للناس، وانشغالها بجسد، كلما اتعبها هزت بفرشاتها نحو تحبير ما سره قلبها لها، بكلمات اصدقها، البوح فيما تراه صدقًا ويراه الآخرون عكس ما تراه، الا – إنها تراه بوحًا يجب أن يفضح!

هي الفنانة التي حينما تلتقي بها، لا ترى إلا وجه طفل يبتسم في وجهك ببراءة، لا يسعك إلا احترامها، والرد لها بابتسامة تحيي فيها صفاء روحها وجمال قلبها الرقيق.

في أحد معارضها الفنية، كانت اعمالها من الجرأة حيث كسرت كل ما هو ممنوع وغير مباح لحكاية يجب أن تقال! 

واصدق قول أو تحليل ما كتبته عنها الدكتورة هدى المطاوعة في مجلة نزوى العمانية، حيث تقول هدى المطاوعة عن اعمال سامية: «ان سامية تطرح رسالتها الفنية المشوقة عبر إضفاء عنصر تراثي فريد على الساحة الفنية البحرينية يذكرنا بالثراء الفني لرموزنا الثقافية التقليدية.. ففي جرأتها التي أفصحت عنها في معرض «الكشف والإخفاء» رأينا كيف كانت جدلية الجسد، وكيف كان الجسد يئن بألم واضح تحت رزح العين المحدقة فيه. أرتنا الفنانة بذكاء كيف يمكن للجسد أن يكون طليقا ومكشوفا وعاريا رغم الاسمال التي تخنقه، وكيف يكون محاصرا ومخنوقا، رغم تحرره من القيود، أما في «زوايا دائرية» فعلى الرغم من اننا نرى الجسد قد تخلى عن إثارته لحواسنا وبات شديد الشفافية والرقة، فإنه لا يزال شديد المراوغة لدرجة انك لا تستطيع أن تتبين إذا كان الجسد هو لذكر أم لأنثى، إلا إذا كان الجسد مرتديا زيا ما يدل عليه».

وبرحيل هذه الفنانة التي حاولت أن تمد من قامتها نحو الحياة، لكن الحياة رفضتها لتنتقل عند مليك مقتدر، فالرحمة لروحها، والصبر والسلوى لمحبيها.

رحلت الدكتورة سامية انجنير، بعد مشوار تربوي وادبي وفني شهد له كل من تعاطى معها وخبر طيبتها وجمال قلبها، فهي وان بعدت تظل معنا بأعمالها الفنية وبكتاباتها الرقيقة، لتؤكد أن الموت لا يقبر المبدعين، ولا يغيب من تعلق بنخلة العطاء، في وطن تمتدُ جذور نخيله لتمسك بكل مايل لسقوط وتبني فوق عرش التهايل قصور من الأمل والحياة التي وأن بعدنا عنها نظل ننتمي لها لأننا ابناء «البحرين» نشدُ بعضنا بعضًا لنحيل من الكآبة فرحًا لايغيب عن سماواتنا.

وتظل اوراقكِ يا سامية والوانك وفرشاتك واقلامك صامتة وهي تشهد رحيلك، فالطاولة تبكي والورق المقوى يبكي والفرشاة تبكي، والحبر يبكي، ونحن نبكي، لكننا مندهشون من رحيلك، فلن نقول لك: ودعًا، لأنك معنا ظلاً وعطاء ورسالة لفن وادب ينطق بفعل حكايتكِ الفنية والادبية والعملية، وما قطار العمر الا بصمة في نعوش الموتى، بأن الفنانين حينما يرحلون لا يموتون، فهم شواهد لاعملهم، وحكايات يتغنى بها الأجيال ويقتدي بصاحبها، وانتِ منهم علامة لبرقٍ يوقظ الغيم من الغفلة ويثقب صمت جفاف المطر.

بكم تخضر الأرض، لأن اعمالكم التي تركتموها للأجيال التي بعدكم ستعيد رسالتكم بأنكم باقون.

وننحدر.. يا سامية..

لنلثم لحدك.. ونغرس نبتة لا تصفر.. ولا تموت.. هي انتِ، توقظين ما لا يوقظ!

a.astrawi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news