العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الحاج حمد... المفُترى عليه

الجمعة ٢٧ يوليو ٢٠١٨ - 10:16

لنبدأ مقولتنا هذه من المُسلمات التي لا يختلف عليها اثنان من أُمة محمد عليه السلام ولا حتى كثير من رجال الفكر الغربيين المنذورين للحقيقة، ولا نُلقي بالاً لأهل العصبية والجهالة، تلك المُسلمة التي تقول ان القرآن يمتاز بثلاث صفات أساسية، الله جل جلاله أطلقها على كتابه، أولها أنه كتاب مجيد لا يبلى مع تعاقب السنين والتغيرات التي تُحيق بالمكان، خارج المعادلة الزمكانية، والصفة الثانية أنه كتاب كريم متجدد العطاء، ولكن لا يُعطي من تلقاء نفسه يحتاج الى الحفر ليُعطي الحياة بمعناها الحقيقي، وثالث تلك الصفات أنه كتاب مكنون قابل لأن يتكشف عن جديد على طول خط التاريخ إذا وجد المُدقق المُتبصر القارئ المتأني، لا أخال أحدًا يماري بتلك الحقائق. 

المرحوم الذي انبري للدفاع عنه هو الحاج حمد النبت السوداني الأصيل، الذي طُلب منه من قِبل «المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن» أن يكتب حول الفكر الإسلامي فكتب «منهجية القرآن المعرفية، وظل كتابه حبيسا ممنوعا من رؤية النور ردحًا من الزمن، لتباين الأفكار التي جاء بها عن أفكار القائمين على المعهد، وعلى ما أذكر حصل محمد العاني الذي قدّم للكتاب» على نسخة منه وبعد قراءتها قرر نشر الكتاب وفاءً للرجل مع أن العاني يعترف بعدم الموافقة على بعض ما جاء في الكتاب، لكنها أخلاق رجال الفكر وأهل الثقافة الحقيقية أبت عليه غمط الرجل حقه وحرمان القارئ العربي والمسلم من الاطلاع على فكر محمد أبو القاسم حاج حمد، ولنأخذ قبسا من فكر المرحوم ونحكم بعدها على حجم الافتراء التي تعرض له هذا المُفكر.

بنى منهجه على تحليل النصوص ثم إعادة تركيبها، واهتم اهتمامًا بالغًا بالتدقيق في الحمولات الدلالية لمفردات القرآن – أليس هذا انسجامًا مع صفات القرآن المذكورة آنفًا- وفي هذا يقول حرفيًا في كتابه «تشريعات العائلة في الإسلام»: القرآن وظّف مفردات اللسان العربي توظيفًا تحكمه البنائية المنضبطة غاية الانضباط المنهجي ما ينتفي معه المشترك الذي له أكثر من دلالة للكلمة الواحدة» بمعنى أن القرآن رفع اللغة العربية إلى مستوى اللغة المثالية، وقريب جدًا من هذا المعنى صدر عن كبار المفكرين الغربيين.

أُستاذي المرحوم اتخذ أيضًا منهجًا يقوم على النظر إلى الكليات القرآنية التي تنتظم من خلالها الجزيئات التي بدورها تضبط إيقاع الحياة على الخير والصلاح والفلاح الذي أراده القرآن للناس، وهنا لا يرجم بالغيب بل يستل من عمق القرآن ما ذهب إليه، ألم يُحذر ربنا من اتخاذ القرآن عضينا، فمن ضرورات فهم القرآن النظر إلى كليات المواضيع فيه، لتقعيد قواعد على أُسس صحيحة لا أن نسلخ آية أو آيتين ونعمم المعنى من خلالهما، بل لا بد من ترتيل (جمع) الآيات كلها ذات الموضوع الواحد ودراستها بشكل وافٍ لاستنباط نظريات معرفية واجتماعية وأخلاقية وسياسية ذات هوية إسلامية ومن مرجعية قرآنية بحتة – وهذا ما لا يستطيعه الحكواتية والقُصاص ولا يقدرون عليه.

الحاج حمد توقف طويلاً عند الآية 48 من سورة المائدة «وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه....» ليخرج علينا بقراءة خاصة به تكاد ترتقي الى مصاف النظريات لا تحمل بين جنباتها إلا الصدق والعدل الذي اقتنع به الرجل فيقرر أن: القرآن يحمل أخطر وأبعد من التصديق إذ هو مهيمن بحسب نص الآية الكريمة، ومن موجبات ومستلزمات الهيمنة أن القرآن قام بعملية استرجاع نقدي للموروث الديني السابق بهدف التقويم والتصحيح، وهو بنفس الوقت صدّق الكتب السابقة ثم عمد إلى نسخها من شرعة الإصر والأغلال إلى شرعة التخفيف والرحمة، ومن ينظر للقرآن بعين فاحصة يقظة يجد أنه –أي القرآن- تضمن بشكل موسع ومكثف ومفصل معالجة نقدية لكل الموروث الديني الروحي المتعلق بالكتب السماوية السابقة وتجارب النبوّات المختلفة بدءًا من سيدنا نوح وانتهاء بسيدنا عيسى، ذلك لأنه كتاب مهيمن وخاتم ولا كتاب بعده، وعليه فإنه لا يُقر بالنسخ ضمن الديانة الواحدة، والنسخ عنده إنما هو بين الأديان، هذا ما قرره القرآن الكريم الصادر من لدن العليم الخبير، وعانى ما عانى بسبب هذه الاستنتاجات. 

هذا التصديق القرآني لما سبقه من كتب سماوية والهيمنة عليها بما استدعته هذه الهيمنة من تقييم التجربة الإنسانية برمتها بمجالها الروحي إنما هي لتهيئة الإنسان لثلاثة أُمور عِظام: الأول نسخ شرعة الإصر والأغلال وعلى سبيل المثال لا الحصر كانت عقوبة عقوق الوالدين في شرعة موسى القتل فنسخت، كما ذكرنا إلى شرعة التخفيف والرحمة التي نرفل في ظلها اليوم، والأمر الثاني الذي يُفترض ألاّ يغيب عنا وهو الانتقال النوعي من خطاب خاص بأقوام بعينهم إلى خطاب عالمي كوني، فلم يعد مقبولاً في الكتاب المهيمن صيغة يا بني إسرائيل، لتحل محلها «يا أيها الناس» «هدى للناس» هدى للناس والأمر الثالث الجلل بالنسبة للإنسانية هو بدء مرحلة الحاكمية للكتاب الكريم المجيد المكنون المهيمن من دون حاكمية إلهية مباشرة كتلك التي كانت على زمن نوح إلى عيسى عليهم جميعًا السلام، فمع نزول القرآن ما من سفينة تُصنع على عين الله، ولا البيت المعمور يُقام بتوجيه رباني، ولا حية تلقف ما يصنعون، ولا إحياء للموتى... فقط هو ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه، ودرة النِعم «العقل» لتعمل فيه بحثًا واستقراءً واستنتاجًا، ولا أخال أن هذا المُفكر فعل غير إعمال العقل امتثالاً لأمر ربه.

حركة الإنسان الفكرية يجب أن تستند إلى الوعي بالعلاقة الجدلية بين معطيات ثلاثة لا رابع لهما وما يتفرع عنهما وهي العلاقة بين الغيب والإنسان والطبيعة، وجدلية الغيب التي يمثلها بُعد الإنسان الرابع «الروح» تلك الروح التي لو وعاها داروين لما دخل جب الحيرة وأدخل العالم معه فيها، لأن هذا البُعد الروحي لا يمكن إرجاعه إلى القوانين المادية، فهو أي الإنسان بهذه الروح أُستُخلف على البدن والحواس والنفس وبهذا الاستخلاف الكلي اُستُخلف على الكون، وكما يقول الحاج حمد أن الروح أصبحت قيدا تنظيميا على تداعيات الحواس.

ومن القواعد العلمية المنهجية التي انطلق منها هذا الباحث عند النظر في القرآن المجيد هي القول بعدم الترادف من منطلق تعظيم القرآن، وارتكازًا على يقينية العلم المُطلق لمُنزِل القرآن وهو هنا يقول نصًا: إن لغة القرآن ممنهجة بالاستخدام الإلهي المُطلق الذي يحول المُفردة إلى مقام المصطلح العلمي الدقيق، غير ما درج عليه الاستخدام البشري النسبي في عاديات النثر والشعر، فالله رفع اللغة العربية استخدامًا لتكون في مستوى الدقة القرآنية المُحكمة، ولم يتدنّ بالقرآن ليأتي على نسج اللغة العربية في استخدامها البشري الشعري لهذا فإن: السوأة غير العورة والهبوط غير النزول وكذلك الزوجة غير المرأة ولا الجسد هو الجسم، ألا ليت شعري إن لم يكن هذا هو أرفع درجات التعظيم للكتاب العظيم فمتى وكيف يكون التعظيم؟! ابن المُغيرة لما سمع القرآن أقر بحلاوته وطلاوته، وأنا لما أقع على هذا الفكر المُبجِل للكتاب المهيمن أُشارك ابن المغيرة ذلك الشعور. 

إن الصراع أو الجدل بين العقل الاستطلاعي المستقبلي والعقل الاسترجاعي الاجتراري لا يُؤذن له بنهاية قريبة، فكم من عُصارات ذهنية وخُلاصات فكرية لم يُكتب لها أن ترى النور لأنها صادمت المألوف وكأن هذا المألوف اكتسب صفة القداسة، لا أدري كيف تسلل إلى عقولنا أن المُنتج البشري يحمل صفة القداسة وبالتالي الثبات ونتغافل عن أن التغير لا يسلم منه أي من مخلوقات الله، وهذا لا ينطبق على الله بأي حال من الأحوال، ألا يدخلنا هذا في خانة الشرك الخفي من حيث لا نحتسب، بجعلنا فكرًا بشريًا ما يمتاز بالثبات وهي خصيصة إلهية حصرًا، وإنها لكبيرة إلا على المتفكرين بجلال صفاته سبحانه وتعالى، وهذه دعوة مني إلى كل إخواني القُراء للتفكر بالآية 35 من سورة الكهف وما بعدها «ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدًا» (والأبد في هذه الآية تعني الديمومة المُطلقة السرمدية، وهذا ما يميزها عن مفردة الأمد في القرآن التي تعني الديمومة لكن مع فترات انقطاع) فهو أعطى صفة الثبات لبستانه فما كان من صاحبه إلا أن نفى عن نفسه صفة الإشراك التي وقع بها صاحب الجنتين بقوله «لكنا هو الله ربي ولا أُشرك بربي أحدًا».

والسؤال النازف لماذا نتغافل عن الصفات التي يتمتع بها كتابنا الكريم والتي أوردناها في مطلع هذا المقال، ونتمثل دور دواعش الفكر في إرهاب كل من يُنذر نفسه لقراءة القرآن ويخرج علينا بجديد مفيد ولا أدلّ على ذلك من زفرة الشيخ المرحوم أبو زهرة: هناك فتاوى حبيسة صدري منذ أكثر من عشرين عاما مخافة الضوضاء المتوقعة من الذين يقمشون علمًا كما وصفهم ابن أبي طالب، والرجاء يحدوني ألا نرتعد خوفًا ولا نزدري فكرًا قادما من رحم القرآن طالما أنه لم يمس الثوابت، رحم الله المُفكر السوداني الحاج حمد ورحم الله الشيخ العالِم أبو زهرة ورحم الله كل من يُعمل عقله في الكتاب الكريم مُخلصًا في عمله ومُبتغيًا وجه الله والخير لهذه الأُمة. 

بقلم: عاطف الصبيحي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news