العدد : ١٦٢٦٨ - الجمعة ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٦٨ - الجمعة ٠٧ أكتوبر ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

قراءة فاحصة لأوضاع التحكيم الدولي في عام 2018

بقلم: د. عماد الدين حسين {

الجمعة ٢٧ يوليو ٢٠١٨ - 01:15

قليلة هي التقارير التشخيصيّة التفصيليّة والأشعة المقطعية التي ترصد عافية التحكيم الدولي بتشريعاته وقوانينه الوطنية وقواعده الدولية ولوائحه التنظيمية عبر مؤسساته التحكيمية وجمعياته المهنية، وأداء محكميه وتنفيذ وبطلان أحكامه وغيره من جوانب وتحليلات مهمة يمكن أن نسميها «المرصد التحيكمي الدولي في عام»، وبالتوازي، نادراً ما نجد في مجتمعاتنا العربية مراكز بحثية تنقب عن وضع التحكيم إقليمياً وتبحث فيه وتقف عليه رصداً وتحليلاً ومقارنةً ومقاربةً على الأقل في إطار استبانات ومشاريع عابرة للحدود برغم وجود العشرات من المؤسسات التحكيمية، كي تعود لنا بحقائق ومؤشرات وتوجهات ونتائج تستند إلى إطار بحثي عملي استقصائي ميداني ومنهجي يتسم بالجدية والمنهجية والموضوعية والعمق والشفافية، والأهم الاستدامة في المتابعة والرصد والإصدار الدوري ليكون بوصلة لمتخذي القرار من مُشرّعين ومعنيين فى منطقتنا العربية.

هذا ما ألحّت عليّ به بنات أفكاري بعد الانتهاء من قراءة عميقة لتقرير معرفي غزير وفير صدر منذ حوالي شهرين عن كلية «كوين ماري» العريقة بجامعة لندن (QMUL) عبر مدرستها في التحكيم الدولي (SIA)، والتي تعد إحدى الأذرع الدولية في صناعة التحكيم الدولي بحثاً ونهجاً وممارسةً ورصداً لواقعه، حيث أصدرت من قبل سبعة تقارير في ذات الموضوع تحت مظلة رئتها النابضة مركز الدراسات القانونية التجارية ((CCLS، وعنونت نسخة إصدارها الحديث لهذا العام 2018 بـ(تطور التحكيم الدولي). يقع التقرير في نحو (50) صفحة تضم نتائج آراء ومشاركات أكثر من 900 مشارك حول العالم من محكمين وموفّقين ووسطاءَ ومستشارين قانونيين ومتخصصين في شؤون التحكيم وطرقه البديلة لتسوية المنازعات (ADR)، وهي أعلى نسبة مشاركة مقارنة بالتقارير السبعة السابقة، يمثلون 30 دولة ويمارسون أعمالهم من 42 مدينة حول العالم، قدموا إجاباتهم عن 53 سؤالا محوريا عن التحكيم الدولي. ولتوثيق المعلومات حرص معدّو التقرير على إجراء 142 لقاء هاتفيا مع المختصين من القانونيبن والمحكمين عبر مكالمات هاتفية فردية لتلقي إجابات فورية تراوحت مدتها بين عشر دقائق ومائة دقيقة للمكالمة الواحدة، ليأتي التقرير النهائي نابضاً بالمصداقيّة وواقعياً إلى درجة كبيرة ومرآة عاكسة وراصدة لتفاصيل حقيقة العافية التحكيمية الدولية في أحدث إصدارتها؛ ولهذا لم تكن مفاجأة لي أنه بينما كان التقرير على منصة الإصدار في عاصمة الضباب لندن في مطلع مايو 2018، وكنت في ذات الأسبوع مشاركاً في جلسات المؤتمر السنوي السادس لغرفة التجارة الدولية في الشرق الأوسط الذي عقد تزامناً في دبي في بداية مايو أيضاً، وجاءت مخرجات التقرير مؤكدة أن القضية الأولى التي تشغل الفكر التطويري لمنصة التحكيم هي حتمية تبني «إجراءات وأدوات سريعة لإجراءات التحكيم» من خلال وسائل وأدوات تلائم مقتضيات العصر، وبالتوازي وعبر تصويت فعلي خلال إحدى جلسات مؤتمر غرفة التجارة الدولية وبحضور نحو 212 مشاركا، جاءت هذه القضية لتشكل الأهمية الأولى من دون اتفاق مسبق على تطابق النتائج بين تقرير لندن وتصويت الحضور في دبي. وهذا التوافق في نتائج بنود أجندة الأولويات التطويرية التي ينشدها مجتمع التحكيم تعكس بلا شك مصداقية التقرير وملامسته لرصد الواقع واستشراف مستقبل التحكيم الدولي. 

ثلاث نتائج أساسية وميدانيّة لا تبرحك وأنت تنتقل بين صفحات التقرير ونتائجه وأرقامه وخلاصاته وتمثل محصلة آراء المشاركين في أسئلة الاستبانة التي بلغت 53 سؤالاً جوهرياً وما ارتبط بها من مكالمات لتوثيق استطلاع الآراء. في النتيجة الأولى، يرى نحو (97%) من المشاركين أن التحكيم الدولي سيبقى أفضل وسيلة لتسوية النزاعات العابرة للدول والقارات وتوزعت تلك النسبة بين (48%) ارتأت التحكيم وحده فحسب ليكون الوسيلة المناسبة، بينما ارتأى (49%) أن التحكيم، بالإضافة إلى الطرق البديلة الأخرى المتمثلة في التوفيق والوساطة، يمكن أن تشكل منصات تسوية فاعلة للمنازعات في مجال التحكيم الدولي. ولا شك أن نسبة (97%) تعكس الدور الواعد والمحوريّ لسدنة العدالة الخاصة، محكمين وموفقين ووسطاء وغيرهم، مما يتطلب مزيداً من التأهيل والتمكين ومواكبة المواثيق الحديثة في الاختيار والتعيين والتنحي والردّ والإقالة وكل ما يرتبط بحسن أداء المحكم وسلوكه المهني.

النتيجة الاستقصائية الثانية، واصلت خمسة مراكز تحكيمية مؤسسيّة دولية تصدُّرها للمشهد التحكيمي الدولي كوجهة مؤسسية موثوق بها وتحظى بثقة تفضيلية من أطراف التحكيم من المتنازعين، فقد احتفظت غرفة التجارة الدوليّة (ICC) بمحكمتها وسمعتها العريقة بالمرتبة الأولى بنسبة (77%)، ثم جاءت محكمة لندن للتحكيم الدولي (LCIA) في المرتبة الثانية بنسبة (51%)، ومركز سنغافورة للتحكيم الدولي (SIAC) في المرتبة الثالثة بنسبة بلغت (36%)، ثم مركز هونج كونج للتحكيم الدولي (HKIAC) بنسبة (27%)، وأخيراً مؤسسة التحكيم التابعة للغرف السويسرية (SCAI) جاءت فى المرتبة الخامسة بنسبة بلغت (16%)، وتبع ذلك منطقياً أن جاء ترتيب «مكان التحكيم» بمفهومه القانوني وفق الأولوية التفضيلية للأطراف كالتالي: باريس، لندن، سنغافورة، هونج كونج وجنيف. وارتبط ترتيب مراكز وأماكن التحكيم بالمعايير التي تحكم هذه التراتبية التفضيلية والتي انطوت على معايير السمعة المؤسسية والبنية القانونية للمراكز التحكيمية وخاصة حيادتيها واستقلالها، وما يرتبط بهذه المراكز من تشريعات وقوانين وطنية تؤطر وتكمل القانون الموضوعي لأحكامها، انتهاء بسجلها في تنفيذ الأحكام الصادرة عنها من دون أن تقع هذه الأحكام في مرمى البطلان. 

أما عن النتيجة الثالثة فقد قُدّمت «المزايا» في مواجهة «السلبيات» للتحكيم الدولي كآلية في فضّ المنازعات، حيث واصلت مزايا التحكيم حضورها وبترتيب تصدّرته ميزة تنفيذ الأحكام وتجنب الإجراءات المطولة لدى المحاكم الوطنية، والمرونة وتمكّن أطراف النزاع من اختيار المحكمين، بينما على الجانب الآخر من ضفة النهر التحكيمي جاءت التحديات لتتصدرها أتعاب التحكيم، وغياب الإجراءات الملزمة أثناء سير التحكيم، وصعوبة تفادي حالات البطء والتأجيل وإطالة أمد التحكيم وخروجه عن السرعة المنشودة نتيجة حيل بعض الأطراف ممن يتوقّعون صدور الحكم في غير صالحهم. كما أشارت النتائج إلى أنه فيما يتعلق بالتحكيم الحر (Ad-hoc )، فإن أكثر من (84%) من المشاركين أكدوا أن وجهتهم القانونية المفضلة للفصل في دعاوى التحكيم الحر هي «قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي» أو ما يطلق عليه في مجتمع التحكيم «القانون النموذجي للتحكيم» أو «القانون النموذجي» «Model Law»، وهذه النتيجة لها واقعيتها حيث تتبني حالياً أكثر من 100 دولة هذا القانون كمرجع أساسي في تشريعاتها وقوانينها التحكيمية مثل القانون المصري (1994) وتعديلاته، والقانون الأردني (2001) وتعديلاته، والقانون السعودي (2012)، والقانون البحريني (2015)، والقانون الإماراتي الصادر حديثاً في مايو (2018) وغيرها من قوانين وطنية. 

وما كان لتقرير بهذه التكاملية والتنوّع أن ينطلق بك من منصة قضاء التحكيم من دون أن يصحبك إلى استشراف مستقبل التحكيم الدولي ويحدد ما اتفقت عليه مجموعات العمل التي عكفت على تلقي نتائج التوقعات والطموحات وتدوينها وتبويبها وتحليلها ومراجعتها وتقديمها، بحيث تمثل محاور تحسين وتطوير للبنية التشريعية واللائحية للتحكيم الدولي، وقد رصد التقرير العديد من تلك التحسينات المقترحة لضمان مستقبل مستدام للتحكيم الدولي كآلية فاعلة لتسوية المنازعات، ونوجز منها ثلاث مجموعات أساسية من مربع الاستشراف. 

المجموعة الأولى مرتبطة بأولويات التحسين المطلوبة سواء على صعيد التشريعات الوطنية أو القواعد اللائحية للمراكز التحكيمية، وجاءت بالترتيب التالي: أهمية تضمين التشريعات القواعد التي تضمن إجراءات سريعة للتحكيم، وفي المراتب التالية جاءت حتمية تمكين هيئات التحكيم من صلاحيات اتخاذ كافة الإجراءات الوقتية والتحفظية من دون الحاجة إلى تدخل القضاء، كذلك أهمية توفير قاعدة بيانات للمحكمين تُوضِّح سيرتهم وتخصصاتهم والدعاوى التي قاموا بالفصل فيها، انتهاء بصدور الحكم النهائي بشكل أكثر شفافية، وختاماً الدعوة الى إنشاء مراكز تحكيم متخصصة في المنازعات التي أضحت تتجاوز التصنيف الحالي في المجالات العقارية والبحرية والملكية الفكرية والطاقة والمنازعات الاستثمارية والبنكيّة والمالية، لتضم ما تشهده الثورة الصناعية الرابعة حالياً من مجالات مستحدثة تتطلب مراكز تحكيمية متخصصة لديها بنيتها القانونية والتخصصية الفاعلة للفصل فيما يقدم لها من منازعات دقيقة ومعقدة.

واشتملت المجموعة الثانية من التوصيات التحسينية والتطويرية على ضرورة تفعيل وتعزيز دور الأدوات التكنولوجية المساندة في سرعة وكفاءة العمل التحكيمي الدولي، وتصدرت قائمة تلك الأدوات: غرف السماع المجهزة، وأدوات إدارة الاجتماعات عن بعد، ومستلزمات الذكاء الاصطناعي وغرف السماع الافتراضي. 

وجاءت المجموعة الثالثة لتلخص إجابات المشاركين بشأن مسألتين في غاية الأهمية، الأولى: من هم الشركاء الفاعلون المتوقّع مساهمتهم بدور مؤثر في إحداث النقلات النوعية المنشودة في معمارية التحكيم الدولي، وجاءت النتائج كالتالي: المؤسسات والمراكز التحكيمية (80%)، ثم الجمعيات المهنية المعنية بالتحكيم، مثل المجمع الملكي البريطاني للمحكمين المعتمدين وغرفة التجارة الدولية ورابطة المحامين الدولية بنسبة (56%)، وجاء المحكمون في المرتبة الثالثة بنسبة (42%)، ثم المستشارون الخارجيون بنسبة (40%)، وختاماً دور الحكومات عبر مؤسساتها الحكومية بنسبة (24%)، وهذه النتائج المرتبطة بالشركاء الفاعلين تملي علينا وقفة تأمليّة، وهي أن العافية التحكيمية لن تكتمل وتكون في أفضل صورها من دون مساهمة حقيقية من مراكز التحكيم المؤسسي لنقل نبض التحديات التي تواجهها تلك المراكز مقرونة بالحلول والبدائل وأفضل الممارسات إلى المُشرع، فالتحكيم يبقي بالقضاء والقضاء يقوى بالتحكيم، وكذلك الاضطلاع بدورها المعرفي في نشر الثقافة التحكيمية التأصيلية وليست القشورية التي تصل أحياناً الى تسويق «الوهم التحكيمي» مع حتمية تخصيص مجموعات عمل وورش ومنتديات لتسليط الضوء على التحديات والاقتراب الأمين من منظومة الممارسات الدولية التي تم إقرارها، وأثبتت فاعليتها على مدار عقود، وذلك بحضور ومشاركة كافة المعنيين من القضاة والمحكمين والموفقين والوسطاء والمحامين والمهندسين والتجمعات المهنية المتخصصة، إضافة إلى الدور التمكيني للمحكمين من خلال تدريب تخصصي له ثوابته وأصوله العملية التطبيقية، وليس النظرية فحسب.

والمسألة الثانية تطرح سؤال جوهرياً أيضاً: ما هي أجندة الأولويات فيما يتعلّق بموضوعات ومجالات التطوير والتحسين في نفس المعمارية التحكيمية بعد أن تم تحديد شركاء التطوير؟ إذ جاءت أجندة الموضوعات ومجالات التطوير المنشودة وفق نتائج الاستطلاع على النحو التالي: مراجعة النصوص الحالية الخاصة بحياديّة المحكمين واستقلاليّتهم والتأكد من تضمينها تفصيلات كافية ومحققة لترسيخ وتعزيز موجبات الحيدة والاستقلال بشكل كافٍ، والحقيقة هذه النتيجة لها وقعها الفعلي حيث خصصت أعمال لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي في دروتها الخمسين التي احتضنتها العاصمة النمساوية «فيينا» في يوليو من العام الماضي 2017، خصصت أعمالها على مدار أسبوعين لمناقشة موضوع «الأخلاقيات» في التحكيم التجاري الدولي، وانتهت إلى توصيات محورية ستخضع للمناقشة حتى ترى النور قريباً. وجاءت في المرتبة الثانية في أجندة أولويات التطوير، وفق تقرير كلية كوين ماري الشمولي، مناداة المشاركين بأهمية استحداث نصوص وآليات للتعامل مع عواقب تأخير بعض المحكمين سواء في الإجراءات أو في إصدار الحكم النهائي حيث تخلو التشريعات والقواعد من نصوص تواجه هذا التحدي، ثم جاء مطلب تحديد آجال زمنية محددة وقاطعة لإصدار الحكم التحكيمي في المرتبة الثالثة من الأولويات، تلي ذلك بقيّة الأولويات من استحداث آليات ونصوص حازمة في التعامل مع حيل بعض الأطراف في إطالة أمد التحكيم والتي يطلق عليها في أدبيات التحكيم الدولي ((Guerrilla Tactics أو «تكتيكات الغوريلا»، وانتهاءً بأهمية استحداث نصوص وأدوات تؤطر مدونة تُحَوكم سلوك أطراف التحكيم وممثليهم القانونيين وليس فحسب المحكمين.

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد الانتهاء من عرض موجز التقرير وتوصيات استشراف مستقبل التحكيم الدولي: أين نحن كمراكز تحكيمية عربية مما ورد في هذا التقرير؟ هل رؤيتنا الاستشرافية وقدراتنا المؤسسية وأدواتنا التحكيمية وممارساتنا الفعلية في مربع ما أورده التقرير وقابلة للتحسين وتبني أفضل الممارسات؟ أم مازالت الفجوة كبيرة بين «ممارسات دولية هناك» وواقع «عربي زاخر بالتحديات ومحلية الممارسات هنا»، ولهذا لن يُفاجأ القارئ حين يعلم أن نسبة المشاركة من منطقة الشرق الأوسط في هذا التقرير لم تتجاوز (9%) بينما شكلت دول العالم النسبة المتبقية (91%)، وهي نسبة ذات دلالات لا تخطئها عين في تباعد الهوة بين منصات قضاء التحكيم هنا وهناك.

يقيني أن هذا التقرير من شأنه أن يستنهض ويحفز العديد من المراكز التحكيمية في منطقتنا العربية للقيام بأدوارٍ أكثر فاعلية إقليمياً وعالمياً، من حيث الرصد والتحليل والمقارنة للواقع واستشراف المستقبل وخاصة في ظل ما تشهده المنطقة من حراك تحكيمي على صعيد التشريعات والقوانين المحلية وتزايد عدد المؤسسات التحكيمية، والمبادرات التطويرية بما يواكب العصر. 

 

‭{‬ مُحَكم تجاري دولي، زميل المَجمع الملكي

 البريطاني للمحكمين المعتمدين (FCIArb)

emadkna@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news