العدد : ١٤٨٥٠ - الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٠ - الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

ثورة يوليو وإنجازاتها الخالدة

اليوم تمر الذكرى الـ66 لثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 في مصر بقيادة الضباط الأحرار المصريين، وعلى رأسهم الزعيم العربي الراحل جمال عبدالناصر. منذ ذلك التاريخ دخلت مصر حقبة جديدة تميزت بتطورات سياسية واقتصادية واجتماعية وتعليمية، تعد بمقياس الإنصاف والموضوعية والحيادية بالتطورات الثورية التي تركت بصمات ثابتة في تاريخ الشعب المصري الحديث. هذه التحولات العميقة في حياة الشعب المصري بقيت صامدة رغم التحولات الكبيرة التي أعقبت رحيل الزعيم عبدالناصر في الثامن والعشرين من شهر سبتمبر عام 1970، فما كرسته ثورة يوليو من إنجازات لصالح الشرائح الواسعة من الشعب المصري كان من الصعب شطبها وتجاوزها وخاصة تلك التي تمس حياة المواطن المعيشية مثل التطبيب والتعليم، إذ يكفي الإشارة إلى أن التعليم في مصر مجاني لجميع المصريين وفي جميع المراحل التعليمية.

مثلها مثل أي تحول تحتضنه وتلتف حوله الجماهير بأعداد غفيرة، فإنها في بداية مشوارها تطلق الوعود الكبيرة والكثيرة وتزرع أحلاما وردية جميلة في نفوس وقلوب الجماهير المتعطشة بعد سنوات وعقود من الحرمان، لكنها كأي ثورة وتحول جماهيري عارم، من الطبيعي أن تصطدم بمعوقات متعددة المصادر، بعضها ذاتي يعود إلى الثورة ذاتها فيما يتعلق بمسار تطبيق الوعود والمبادئ التي قامت عليها، والبعض الآخر يعود إلى ظروف موضوعية خارجة عن إرادة صناع هذه الثورة، بل إن من بين هذه الظروف عوامل خارجية مؤثرة، فما تعرضت له ثورة يوليو في مصر من مؤامرات وضغوطات من جانب القوى الخارجية لعب دورا مؤثرا وقويا في كبح المزيد من طموحاتها وأماني قيادتها.

لعبت كاريزما الزعيم الراحل جمال عبدالناصر دورا محوريا في مسيرة الثورة المصرية حيث استطاع عبدالناصر بما يتمتع به من شخصية قيادية وثبات لا يتزحزح عن المبادئ التي نادى بها وأطلقها بعيد انتصار الثورة والإطاحة بالنظام السابق، الأمر الذي وفر لقيادة الثورة القوة على الصمود في وجه التحديات التي حيكت في وجهها وعملت على إفشال مسيرتها، وقد لعبت الظروف الدولية في تلك السنوات دورا داعما للثورة حيث سادت تلك الحقبة نهوض وصعود لحركات التحرر الوطني في العديد من دول العالم مع ما حظيت به من دعم قوي ودائم من الدول الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي، وكان نصيب الثورة المصرية وافرا من هذا الدعم.

إنجازات كثيرة وتحولات راديكالية أحدثتها ثورة يوليو في مصر وفي حياة المصريين، ولم ينحصر تأثير هذه الثورة في مصر فقط، وإنما امتد هذا التأثير إلى المحيط العربي إذ استنهضت الشعور القومي لدى جميع الشعوب العربية، فيما تحولت مبادئ الثورة وقيادتها، وشخصية عبدالناصر تحديدا، ما يشبه البوصلة لدى الجماهير العربية والإفريقية، فكانت مصر حاضرة بقوة واحتلت مواقع متقدمة وبارزة في جميع المحافل العربية والإفريقية والدولية، كل ذلك دفع بالقوى المناهضة لطموحات عبدالناصر، القومية العالمية، إلى حياكة المؤامرات ووضع العراقيل بغية تعطيل مسيرتها وإفشال برامجها وأهدافها.

وبقدر ما يحسب للثورة المصرية من الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية التي حققتها للشعب المصري والتأثير السياسي الكبير الذي عكسته على الأوضاع العربية والإقليمية، فإن الثورة أخفقت في التأسيس لنظام سياسي قادر على الاستمرار والصمود، الأمر الذي جعل الارتداد عن مواصلة مسيرة الثورة والتمسك بمبادئها أمرا سهلا وسريعا أيضا، إذ لم تمض سنة واحدة على رحيل زعميها عبدالناصر حتى بدأت تنهال الاتهامات والتشويه والتشويش على مسيرتها. رافق ذلك إطلاق عملية الابتعاد عن خط الثورة السياسي والاجتماعي ورافق ذلك تدشين حملة اعتقالات طالت أهم رموز الثورة من رفاق عبدالناصر.

من بين النواقص والإخفاقات التي شوهت السجل الناصع لثورة الثالث والعشرين من يوليو عدم اكتراث الثورة المصرية وقيادتها بأهمية وضرورة إشراك القوى السياسية المصرية الأخرى، وخاصة تلك التي تشترك مع الثورة ومبادئها وأهدافها في قواسم اجتماعية وسياسية مشتركة وتتقاطع أهدافها مع أهداف الثورة، لم تشركها في عملية البناء والقيادة أيضا، الأمر الذي مهد الطريق لأعداء الثورة للنيل من مكتسباتها وتعطيل مسيرتها بعد رحيل قائدها.

في جميع الأحوال، لا يمكن أن تكون هناك ثورة وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية جذرية، من دون أن تتعرض لأخطاء وإخفاقات، ومن موقع المتفرج، أو المراقب، سيكون من السهل جدا إحصاء الأخطاء التي وقعت فيها الثورة المصرية، ناهيك عن أن الظروف التي نتحدث فيها الآن ونقيم عطاء ومسيرة هذه الثورة، تختلف اختلافا جذريا عن تلك الظروف والأوضاع التي حدثت خلالها الثورة. لا بد من إعطاء هذا الحدث المهم في تاريخ مصر الحديث التقييم الموضوعي من حيث النجاحات والإخفاقات، والانجازات والنواقص، فليس كل ما تمناه قادة الثورة كان بالإمكان إنجازه، ولكن بشكل عام، كانن هؤلاء القادة صادقين ومخلصين في التعامل مع تطبيق المبادئ التي قاموا من أجلها بالثورة.

أيا كانت الانجازات والاخفاقات، فإن ثورة الثالث والعشرين تعتبر واحدة من المحطات المضيئة والناصعة، ليس في سماء وتاريخ مصر فقط، وإنما في تاريخ وسماء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، فما أحدثته من تحولات في حياة الشعب المصري أصبح جزءا من تاريخ مصر لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه.

 

 

 

 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news