العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

أي مستقبل ينتظر المنطقة العربية؟

شكلت العقود الأربعة الأخيرة باكورة المحن التي ألمّت بالمنطقة العربية، ولم تكن منطقة الخليج العربي في منأى منها، بل كان نصيبها كبيرا، حيث شهدت هذه المنطقة بدءا من العقد الثامن من القرن الماضي حتى يومنا هذا، أحداثا مأساوية وحروبا دموية لم تشهدها أي منطقة في العالم على الإطلاق خلال نفس الفترة، بدءا من الحرب العبثية بين العراق وإيران، والتي استمرت على مدى ثماني سنوات تلى توقفها غزو العراق لدولة الكويت عام 1990 وما أعقبها من حرب تحرير للدولة الشقيقة وحصار إجرامي خانق للعراق انتهى بغزو أمريكي بريطاني مدعوم بقوات إقليمية ودولية اسفر عن إسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وتحويل العراق إلى مستنقع دموي ومأوى تتجمع فيه جميع قوى الإرهاب من مختلف بقاع العالم، وصولا إلى اندلاع ما سمي «الربيع العربي» الذي تسبب في تدمير دول وتحويل أخرى إلى ساحات للاقتتال الداخلي والتدخلات الخارجية وتدمير مقومات الدولة الوطنية.

خلال العقود الأربعة المذكورة حدث للعديد من الدول والشعوب العربية ما لم يكن أحد يتصور حدوثه حتى في الخيال، تلاشت أحلام كثيرة واندثرت آمال مثلت في فترة من الفترات ما يشبه الشمعة المضيئة في الطرقات العربية التي غلفها ظلام الواقع السياسي والاجتماعي الذي خلفته حقبة استعمارية بغيضة اسهمت في قذف الكيانات العربية أميالا إلى ما وراء الانطلاقة البشرية في العصر الحديث، كان البعض، إن لم يكن الكثير من النخب العربية على يقين وقناعة بأن الانطلاقة العربية لن تتوقف وأن هياكل الدول الحديثة القادرة على تجاوز المطبات التي خلفتها الحقبة الاستعمارية، سوف تتشكل وتخدم مستقبل الشعوب العربية، بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك بالإيمان بأن يوم الوحدة العربية ليس ببعيد.

كل هذه الأحلام الوردية تحولت إلى أدخنة داكنة في سماء الوطن العربي من بحره الغربي إلى مياهه الشرقية، فهذا الوطن العربي تحولت بقاعه إلى مسالخ بشرية، وتحطمت أركان دول كانت في حقبة من الحقب الحديثة تمثل بوصلة تحقيق هذه الأحلام، في خضم كل هذه الشرذمة والفوضى السياسية والاجتماعية والاقتصادية يبحث المرء عن المسؤول الحقيقي عن كل ما حدث ويجري في عالمنا العربي وبين شعوبنا العربية، هل الخلل والسبب يكمن في الأساس، أم أن العوامل الخارجية هي الفاعل الأول والأساسي لكل ما يجري ونشاهده أمام أعيننا، هل العوامل الخارجية هي التي نبشت الروث الطائفي بين شعوبنا، وهل هذه العوامل هي التي تسبب في الشقاق والاقتتال بين الأِشقاء، لدرجة وضع اليد في يد الخصم للنيل من الشقيق؟

نعم، هناك عوامل خارجية اسهمت ولعبت أدوار كبيرة وحاسمة في العديد من المصائب والكوارث العربية، الكبيرة منها بالدرجة الأولى، ولكن، هل كان لهذه العوامل أن تحدث وتسهم في كل ذلك لو لم تكن هناك ظروف مهيأة وحاضنة لهذا التأثير؟ لو لم تكن هناك أجواء ومناخات جاهزة ومهيأة لاحتضان الأفكار المتطرفة وتأجيج التناحر والنزاعات الطائفية، وهل كانت القوى الخارجية ستتمكن من تطويع ما سمي موجات «الربيع العربي» من أجل خدمة أهداف ومصالح خارجية والإضرار بهياكل الدولة الوطنية وتدميرها لو لم تكن هناك ظروف داخلية مساعدة على ذلك؟

لم تكن الحروب التي شهدتها المنطقة العربية وتحديدا منطقة الخليج العربي، حيث كانت موطنا للحرب العراقية الإيرانية ومن ثم غزو العراق لدولة الكويت والذي تبعه حرب تحريرها، وأخيرا، وربما ليس آخرا، غزو العراق واحتلاله من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، لم تكن هذه الحروب هي نهاية الفصول المأساوية التي اجتاحت المنطقة العربية، بل جاءت أحداث ما سمي «الربيع العربي» لتزيد طين الفواجع بلة كبيرة، حيث تسببت هذه الأحداث في إدخال دول عربية كبيرة في دوامة من العنف والاقتتال وعدم الاستقرار، الأمر الذي أدى إلى تعريض سيادتها الوطنية ووحدتها الديموغرافية لخطر التفكك والتدمير.

تداعيات هذه الأحداث لم تصل بعد إلى نهاية مشوارها، فحالة عدم الاستقرار لم تتحقق في جميع الدول التي ابتليت بهذه الأحداث. وبغض النظر عن تفاوت درجة الخطورة التي تعاني منها هذه الدول، فإن استقرارا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا فعليا لم يتحقق في أي من هذه الدول، فتونس على سبيل المثال التي كانت بداية ومنطلق هذه الموجة الخطيرة في تاريخ الدول العربية الحديث، هذه الدولة لا تزال تعاني من حالة عدم استقرار بل وصعود خطاب التطرف الديني والسياسي وأمن واستقرار الدولة التونسية محل تهديد مستمر، سواء من جانب العناصر المتطرفة «النائمة» حاليا، أو من جانب دول الجوار، وخاصة ليبيا التي دخلت نفس الدوامة بفعل التدخلات الخارجية الصريحة من جانب الدول الأوروبية التي أطاحت بنظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي تحت حجة «القضاء على الدكتاتورية».

من الصعب جدا، بل من المستحيل في مثل هذه الأجواء المعتمة التي تلف المحيط العربي، من الصعب رؤية أي بارقة أمل للخروج من هذا المطب الخطير الذي دخلته الكثير من الدول العربية، وحالة الوهن والتشظي التي تعيشها جبهاتها الداخلية إلى جانب ضعف ومرض بنيتها السياسية ومؤسساتها الرسمية، أي بمعنى أن هذه الحالة الخطيرة والمهددة لمستقبل الكيانات الجغرافية والسكانية للدول العربية، سوف تستمر ويطول أمدها، وخاصة انها، أي هذه الأوضاع، تصب في خانة مصالح دول طالما سعت وعملت بوسائل وطرائق مختلفة، من أجل تسهيل طريق النفاذ إلى الجسد العربي وتطويعه بما يخدم، ليس مصالحها فحسب، وإنما في نفس الوقت يضر بمصالح الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، وهذا ما يتحقق الآن على أرض الواقع.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news