العدد : ١٤٧٩٣ - الأحد ٢٣ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٩٣ - الأحد ٢٣ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٠هـ

مقالات

مصادر التمويل ونزاهة الأبحاث العلمية

بقلم: جاسم حاجي

الثلاثاء ١٠ يوليو ٢٠١٨ - 01:15

كان ومازال الإنسان يجري الأبحاث والدراسات العلمية والطبية من أجل تطوير الوضع البشري وتحسين المعيشة ونوعية الحياة. عندما تكون هذه الأسباب السامية هي العامل الأساسي للأبحاث العلمية، نستطيع أن نثق بنتائج هذه الأبحاث من دون القلق على نزاهتها ومصداقيتها. ولكن الأمر ليس بهذه البساطة. 

إن إجراء الأبحاث العلمية والطبية يتطلب الكثير من الأموال والتمويل. قد لا يستطيع العلماء والجامعات تمويل هذه الأبحاث من تلقاء أنفسهم، لذلك يبحثون عن ممولين لهذه الأبحاث، ومن هنا تتكون مشكلة تضارب المصالح والتشكيك في نزاهة البحوث. عندما يمول أي قطاع أو مؤسسة أو شركة هذه الأبحاث، يكون ذلك مقابل مردود معين. 

فهذا التمويل ليس صدقة أو إحسانا من دون مقابل. فعادة ما تمول الشركات المصنعة هذه الأبحاث والدراسات من أجل أن تثبت فعالية منتجاتها أو خلوها من الآثار الجانبية أو كم هي آمنة وغير مضرة بالصحة. ودائماً يكون هذا التمويل مصحوباً باتفاقية سرية، حيث يمتلك الطرف الممول كامل الحقوق في النتائج وله الصلاحية أن ينشر أو يخفي هذه النتائج. ما يلي بعض نتائج هذا التمويل والأثر السلبي على نزاهة الأبحاث والمجتمع ككل.

إن شركات التبغ كانت أول من استغل تمويل الأبحاث منذ أكثر من نصف قرن لحماية مصالحهم الخاصة. تمول شركات التبغ الأبحاث من خلال الجمعيات التجارية التي تؤسسها (مثل معهد التبغ المنحل حالياً)، أو قد تكون هذه الأبحاث داخل الشركة نفسها أو من قبل مستشارين أو منظمات أخرى.

ويقوم المديرون التنفيذيون والمحامون في شركات التبغ باختيار الأبحاث للتمويل إذا كانت النتائج المتوقعة ستساعد على حماية مصالح تلك الشركات، وغالباً لا تخضع هذه الأبحاث لأي من المراجعة أو التدقيق العلمي. 

وكشفت الوثائق التي سُربت أن شركات التبغ كانت على علم بمدى خطورة التدخين ومدى إدمانها لكنها تكتمت ولم تنشر أي شيء. كما مولت شركات التبغ دراسات من أجل العثور على أسباب أخرى لسرطان الرئة من أجل تحويل اللوم من التبغ إلى أماكن أخرى. فهدف التمويل هنا واضح، ليس العثور على علاج أو طرق للوقاية من سرطان الرئة ولكن من أجل إرباك العامة.

إن شركات الأدوية ليست بريئة أيضاً. مثال على ذلك شركة جلاكسو-سميث-كلاين (GlaxoSmithKline) عندما أعلنت في عام 2006 أن عقار أفانديا (Avandia) ناجح وفعال في علاج داء السكري بحسب الدراسات طبية. 

ولكن ما لم يتم إعلانه أن تلك الدراسات تم تمويلها من قبل الشركة نفسها، وتلقى جميع الكتاب الأربعة عشر المشاركين في الدراسة أموالاً من الشركة. وأربعة منهم كانوا موظفين في الشركة ويملكون أسهمها، والسبع الآخرون تلقوا منحا أو أتعابا استشارية من الشركة ذاتها. ما حدث أنه تم تجاهل بعض النتائج التي توحي بأن هذا العقار يزيد من خطورة النوبات القلبية. بعد أربع سنوات تم سحب هذا العقار من السوق بعد أن خلف حوالي 83 ألفاً من النوبات القلبية والوفيات.

إن أثر تمويل الدراسات الطبية من قبل شركات الأدوية منتشر ومتأصل. على سبيل المثال، مجلة نيو إنغلاند الطبية (New England Journal of Medicine) التي تعتبر من أكثر المجلات الطبية المرموقة والموثوقة في العالم، عندما تم التدقيق في الدراسات المنشورة في هذه المجلة ومصادر تمويلها تم اكتشاف أن من أصل 73 دراسة منشورة في عام معين، 60 دراسة منها تم تمويلها من قبل شركة الأدوية المصنعة للعقار، و50 منها مؤلفة من قبل موظفي الشركة المصنعة، و37 منها تشمل مؤلفين قد تلقوا منحا أو رسوما استشارية من الشركة المصنعة.

ومثال آخر هو شركة إيستمان (Eastman) وهي شركة متخصصة في المواد الكيميائية (مقرها ولاية تينيسي في الولايات المتحدة الأمريكية) عندما قامت في عام 2012 بتصنيع مادة تريتان كبديل لمادة BPA المضرة التي تستخدم في تصنيع الأواني البلاستيكية (كعلب وقنينات). وأعلنت شركة إيستمان أنها طلبت من شركات أخرى مستقلة التأكد من أمانة هذه المادة، وتم نشر هذه الدراسة في إحدى الدوريات المشهورة في علم السموم الغذائية والكيميائية. وعندما سُئلت أيستمان عما إذا مولت تلك الدراسات كان الجواب بالنفي القاطع. 

ولكن عندما صرحت عدة شركات أخرى بأنه من المحتمل أن تكون هناك أضرار لمادة تريتان، تم الكشف أن المختبرات التي أكدت أمانة هذه المادة تسلمت تمويلا من إيستمان، وأن المؤلف الأساسي للدراسة التي تم نشرها كان يتسلم مالا مقابل عمله على تلك الدراسة.

إذن، كيف يمكن لنا أن نحمي نزاهة الأبحاث والدراسات العلمية والطبية؟ أهو بسن القوانين أو التدقيق في نتائج الأبحاث؟ مهما نفعل في هذا المجال فلن يأتي بالنتائج المرغوبة عندما ترتبط نتائج الدراسات بمكافآت مالية. يجب أن تمنع أي شركة يمكنها أن تنتفع بشكل مالي أو مادي من نتائج الدراسة أن تمول تلك الدراسة. هنا قد نستطيع التأكد من نزاهة الأبحاث ونتائجها.

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news