العدد : ١٤٨٧٧ - الأحد ١٦ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٧ - الأحد ١٦ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الغربة والارتباط بالجذور

  لاحظت في نفسي وفي غيري، أن الإنسان يصبح أكثر تمسكا بأصوله وجذوره الثقافية والحضارية عندما يكون في بلد أجنبي، وإذا وجدت عربيا تفرنج سلوكيا في بلد غربي، فاعلم أنه ضائع، ولن «يطول» بلح العراق ولا عنب الواق واق، كالغراب الذي دهن ريشه باللون الأبيض فلا صار حمامة ولا قبلت به بقية الغربان، وهناك تفرنج إيجابي، وهو أن تأخذ من الحضارة الغربية شيئا من إيجابياتها الكثيرة، ومنها الانضباط وحب العمل واحترام المال والملكية العامة والنهل من موارد العلوم والمعارف والفنون التي تظل في حالة تجدد مستمر، وعلى المستوى الشخصي فإن زيارتي الأولى للندن قبل نحو 35 سنة، والتي حددت فيها هويتي كعربيقي (عربي-إفريقي)، لم تجعلني فقط أتمسك بتلك الهوية، بل اعتز بها، وأينما ذهبت خارج حدود بلادي فإنني أذكر نفسي بأنني لست فقط «حتة جعفر» بل سوداني كامل الدسم، بكل ما يحمله هذا الانتماء من تنوع على صُعد مختلفة، إدراكا مني بأنني كوكتيل عرقي – ثقافي ولا يمكن وصفي على نحو دقيق إلا بـ«سوداني».

وأحس بفرح طفولي كلما التقيت بسوداني أو عربي وأنا في أوروبا أو الولايات المتحدة أو شرق آسيا، ومع هذا لا أنكر أنني حتى وأنا داخل السودان وكلما التقيت بشخص ما لأول مرة، وأكتشف أنه نوبي ناطق باللغة النوبية، أطرب كثيرا، فسنوات العيش الطويل في منطقة الخليج جعلتني لا أجد الفرصة لاستخدام تلك اللغة إلا مرة أو مرتين في الشهر، وتخيل نفسك أيها العربي في السويد أو منغوليا أو الأرجنتين وسمعت شخصا يقف قريبا منك يقول: أف.. اللهم طولك يا روح!! إذا كنت شخصا سويًّا فإنك ستمد يدك إليه مصافحا: سلام يا بلدينا.. نعم فهو في الغربة «بلدياتك» حتى لو كنت أنت من تونس وهو من البحرين، فاللغة الأم هي لغة العواطف الصادقة، فالعربي الصادق في «الحب» لا يقول للمحبوب: آي لاف يو، حتى لو كان في واشنطن، وكان يحمل دكتوراه في فقه اللغة الإنجليزية، وحتى المتفرنجون منا والذين يحشرون مفردات إنجليزية أثناء التحدث مع عربي آخر من دون مناسبة، أو من دون أن يتطلب السياق ذلك، يقولون في ساعات الزنقة: يا الله، يا إلهي، وليس «ماي قد «my God.. ورغم إجادتي للغتين العربية والإنجليزية، إلا أنني وعند الملمات استغيث بـ«وو نور» وفي اللغة النوبية فإن نور أو أرتي هو الله. والشاهد: أحب النوبية لأنها لغة عائلتي الصغيرة ولكن حبي للعائلة الكبيرة (السودان) أكبر.

وزرت لندن وغيرها من المدن البريطانية مرات عديدة، بل أقمت في لندن مع عائلتي عامين متصلين، كانا من أثقل المحطات في حياتي، فهناك فرق بين أن تعيش في مدينة كبيرة مثل لندن في السبعينيات وأنت بلا زوجة أو عيال، وبين أن تأتي إليها في التسعينيات، وعندك أربعة عيال كلهم يذهبون إلى المدارس، وتظل عينك على الساعة عندما يقترب الموعد الذي ينبغي على كل منهم العودة فيه إلى البيت، لأن شوارع لندن لم تعد مأمونة كما كان عليه الحال في السبعينيات.

فور اتخاذي القرار بقبول العمل في بي بي سي اعتبرتني زوجتي معتوها: شخص عايش في الخليج ويتقاضى راتبا متلتلا وعنده سكن مجاني ولا يدفع ضرائب وحوله أقارب وجيران وحبايب، يخلي دا كله ويعيش عيشة الشحاتين في بلاد الخواجات؟ كنت مدركا أن كلام زوجتي منطقي، ولكنني كنت أدرك أيضا أن قيمتي المهنية في سوق العمل العربي سترتفع بعد أن أضيف العمل في بي بي سي إلى سيرتي الذاتية، ففي العالم العربي فإن مغني الحي لا يطرب، وكل ما هو خواجاتي/ غربي يعلو ولا يُعلى عليه.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news