العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٢ - الأربعاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

لغز سياسي في باريـس

في الأسبوع الماضي، سافرت إلى فرنسا لحضور المؤتمر السنوي لمنظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية. في الطريق الى حضور المؤتمر، مرّت أمام عيني فصول القصة الكاملة لحكم الملالي لإيران عبر 39 عاما كاملة، كما لو كنت أشاهد فيلما سينمائيا وثائقيا كئيبا ومقبضا.

حين أسقط رجال الدين هؤلاء نظام حكم أسرة بهلوي وتولوا الحكم، اتهموا النظام الملكي بأنه نظام ضيق الأفق ومتخلف ورجعي. لكن، ما الذي فعله هؤلاء الذين اعتبروا أنفسهم ثوريين لإيران وللشعب الإيراني عبر عقود؟.. ما الذي قدموه للشعب الايراني؟ لم يقدموا لإيران والشعب الايراني شيئا الا الموت والدمار والخراب. في عهدهم حدث الانهيار الاقتصادي المريع، وانخفضت العملة الإيرانية بمعدلات رهيبة متسارعة لا تستطيع حتى الآلات الحاسبة ملاحقتها.

لقد أعدم نظام الملالي مئات الآلاف من الإيرانيين. وبحسب المصادر الموثوقة لحقوق الانسان، فقد بلغ عدد المعتقلين السياسيين أكثر من 240 ألف سجين، ومازال الكثيرون منهم ينتظرون دورهم في طابور الإعدام.

على ضوء هذا كله، وغيره كثير من أبعاد الأوضاع المأساوية في ايران في ظل حكم الملالي، كان من الطبيعي أنني حين ذهبت لحضور مؤتمر «مجاهدي خلق» كان في ذهني ان أسعى الى معرفة رؤية هؤلاء الذي نصبوا أنفسهم حكاما قادمين لإيران، وأن أحصل منهم على أجوبة لأسئلة كثيرة مثارة في ذهني.

لقد عقد المؤتمر في مركز اكسبو في باريس بالقرب من مطار شارل ديجول، لأسباب أمنية كما قيل لنا.

عليّ أن اعترف بداية بأن مفاجأتي كانت كبيرة جدا من حجم الحضور في المؤتمر. لقد شارك فيه المئات من الشخصيات العامة، كثير منهم شخصيات شهيرة من أوروبا الغربية، وأمريكا، من بينهم رؤساء بلديات، ونواب سابقون، وأعضاء في الكونجرس الأمريكي متقاعدون.. وهكذا.

نعلم جميعا أن كل هؤلاء الحضور من الشخصيات العامة لا يدفعون بنسا واحدا من جيوبهم، فهم مدعوّون، وتتم استضافتهم بالكامل على نفقة منظمي المؤتمر الذين يتحملون كل تكاليف تذاكر السفر والإقامة.

وكل كلمة نطق بها هؤلاء في المؤتمر هي مدفوعة الثمن مقدما. بالنسبة لهؤلاء، تعدّ هذه المناسبة بمثابة نزهة لطيفة في فترة تقاعدهم.

الكلمات التي تم إلقاؤها كانت نارية، لكن من دون أي معنى أو مضمون. هذه الكلمات حفلت بالتهديدات والتحذيرات الانشائية الفارغة من دون تقديم أي رؤى أو حلول عملية محددة.

حقيقة الأمر ان الخطب والكلمات التي ألقاها هؤلاء كانت توحي بأنهم مقتنعون بأن النظام الإيراني سوف يسقط حتما في فترة انعقاد المؤتمر. 

 من الواضح ان قادة «مجاهدي خلق» على درجة من الغفلة وعدم الادراك بحيث إنهم لا يعلمون ان الشعب الإيراني، رغم انه يتظاهر ضد النظام رفضا له، فإنه لم يعتبر في مرة واحدة أن «مجاهدي خلق» تمثله او تعبر عنه.

بالطبع، كلّف مؤتمر باريس عدة ملايين من الدولارات. السؤال هو: من موّل هؤلاء ودفع هذه الأموال؟ كل من حضر المؤتمر كان يسأل هذا السؤال!

لقد سمعت أحد المشاركين الغربيين يصف المؤتمر بالقول: يا له من سيرك بهلواني سياسي!

غادرت قاعة المؤتمر غاضبا بعد ثلاث ساعات من الاستماع الى الخطب الفارغة بلا أيّ مضمون. ولاحظ اثنان من القياديين في المنظمة مغادرتي، واتصلا بي هاتفيا في اليوم التالي لترتيب موعد كي يشرحا لي رؤيتهم وأفكارهم. وقد التقيتهم بالفعل في الفندق الذي أقيم فيه، واستمر اللقاء أكثر من ساعتين ونصف الساعة.

في بداية اللقاء، وجهت إليهما سؤالا واحدا مهما محددا هو: أين مسعود رجوي (مؤسس مجاهدي خلق)؟ هل هو ميت أم على قيد الحياة؟ 

تعمدت ان أسألهما هذا السؤال كي أختبر مدى نزاهتم وصدقهم؟

ردهما على السؤال كان ردّا صادما. قالا إنه على قيد الحياة، لكنه لا يستطيع الظهور علنا خوفا من التهديدات باغتياله.

نعلم جميعا أنه بعد غزو بغداد، اختفى مسعود رجوي، ومنذ ذلك الوقت، لم يره أو يسمع عنه أحد أي شيء.

نعرف ما حدث أثناء عقد المؤتمر السنوي للمنظمة في 22 يوليو عام 2016. في ذلك المؤتمر، أشادت مريم رجوي بزوجها مسعود باعتباره قائد المنظمة، لكنّ سياسيا عربيا كبيرا وشهيرا جدا ذكر في كلمته في المؤتمر اسم مسعود رجوي مرتين باعتباره القائد الراحل لمجاهدي خلق، واستخدم تحديدا كلمة «المرحوم» في الإشارة اليه.

عندما سمعت مريم رجوي هذه الكلمة، انقبض وجهها، لكنها لم تعلق بكلمة واحدة لأن كلمة «مرحوم» تعني في العربية تعبيرا عن التعزية. ومن اللافت ان المترجم تجاهل بدوره هذه الكلمة تماما.

أروي هذه الواقعة كي ألفت النظر الى أن تعمد قادة المنظمة إخفاء مثل هذه الحقائق لا يمكن أن يخدم هدفهم او مصداقيتهم.

والحقيقة أنني عندما سمعت ما قاله الزائران لي عن مسعود رجوي، أدركت فورا ان النقاش معهما هو بلا هدف ولا معنى.

في اليوم التالي، زارني صديق قديم لم أقابله منذ 38 عاما، وهو معروف جدا في ايران، وأستاذ للاقتصاد في عدة جامعات. اسمه الدكتور شاهين فاطمي، وهو ابن أخ الدكتور حسين فاطمي، وزير الخارجية في حكومة الدكتور محمد مصدق بين عامي 1951 و1953. وفي أعقاب الانقلاب العسكري عام 1953، تم اعدام هذا الرجل الفاضل في 1954.

الدكتور شاهين فاطمي رجل هادئ رصين عاقل. وحين التقيته، حكيت له تجربتي مع المؤتمر وملاحظاتي عليه، وعبر عن سعادته بأنني عرفت الحقيقة بنفسي عن قرب.

سألت الدكتور فاطمي: كيف ترى الوضع في ايران اليوم وكيف تقيّمه، وكيف ترى المستقبل؟

أجاب: لن يكون هناك أي مستقبل لإيران في ظل حكم الملالي والثيوقراطية الدينية. لكن يجب ان تدرك أن الملالي لن يختفوا هكذا فجأة وببساطة. ان الملالي يدركون جيدا ان حكمهم فاشل ومرفوض شعبيا، لكن مثلهم مثل كل الحكام المستبدين يعيشون في حالة من الأوهام. واليوم، هم يعتقدون ان الطريق الوحيد لإنقاذهم من كل هذه الكوارث التي خلقوها هم بأنفسهم هو الدخول في حرب جديدة. هم يعتقدون ان مثل هذه الحرب سوف تنقذهم وسوف تصرف انتباه الشعب.. بالضبط مثلما حدث حين اندلعت الحرب بين العراق وايران قبل 38 عاما.

وواصل الدكتور فاطمي حديثه قائلا: لقد أنقذت الحرب مع العراق الكثيرين من الملالي باسم الوطن والدفاع عن الوطن. وهم يحلمون بتكرار تجربة الحرب مرة أخرى. مثل هذه الحروب هي الأدوات الأساسية لبقاء الملالي، لكنهم يغفلون عن حقيقة أن الشعب الإيراني اليوم في 2018 مختلف اختلافا كبيرا جدا عنه في عام 1980.

لا أحد ينكر ان الملالي لديهم جيش قوامه أكثر من مليون جندي، تم تجنيدهم عن طريق غسل المخ.

وقال الدكتور فاطمي في النهاية: على ضوء هذا، فإن خلاص ايران يتطلب الحكمة، لا مجرد العواطف فقط. ان الشعب الإيراني -على الرغم من انه يتظاهر يوميا- ينتظر اندلاع انتفاضة شعبية عارمة شاملة تعم كل أرجاء البلاد. لكن حتى الآن، لا يوجد زعيم واحد يمكن أن يجمع عليه الشعب ويقود مثل هذه الانتفاضة.

في طريق مغادرتي باريس، فكرت مليّا فيما قاله الدكتور فاطمي. فكرت خصوصا في أن علاج إيران من أمراضها المستعصية لا يمكن ان يكون على يد أطباء أجانب من الخارج يضعون هم وصفة العلاج. العلاج يأتي من داخل ايران نفسها.

 

 

 

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news