العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٤ - الاثنين ١٦ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

من وحي الإسلام: الفنون الإسلامية: الجداريات والفسيفساء والزخارف الجصية (3)

بقلم: يوسف الملا

الجمعة ٢٢ يونيو ٢٠١٨ - 11:17

* الجداريات والأهداف السياسية:

تعتبر فنون الجداريات وسائل تواصل مع الجمهور، ولذلك لجأ العديد من الفنانين إلى إيصال أصواتهم عبر رسومات جدارية تمثل آراءهم ونظرتهم إلى الأمور، ومحاولة إقناع الجمهور بها، وعلى سبيل المثال هناك جدارية نفذت من قبل «بوجسايد وماكلسكي» (BOGSIDE-MCALISKEY) في أيرلندا إلى جانب توثيق 2000 جدارية في أيرلندا الشمالية منذ عام 1970م. 

وجدارية سياسية تاريخ بعنوان (ليالي التاريخ) للفنان (دييغو ريفيرا) في المكسيك في القصر الوطني في مدينة مكسيكوسيتى، وفي ألمانيا عام 1961م عندما اقيم جدار برلين بين ألمانيا الشرقية والغربية رسم فنانون من الجانب الغربي رسومات كونت جدارية ضخمة ظلت قائمة حتى سقوط الجدار الفاصل عام 1989م بعد اتحاد الولايتين!

وتناول الفنان الإنجليزي روبرت بانكس برسومه العديدة القضايا السياسية والاجتماعية، وتميزت رسوم تلك الجداريات بمدينة لندن وكثير من دول العالم، كما رسم عددًا من أروع لوحاته على جدار الفصل العنصري الذي أقامته إسرائيل، كما رسم الفنانون الفلسطينيون على جدار الفصل العنصري الذي يعزل غزة عن العالم، وكانت أغلبها تعبر عن رفضهم التام لهذا الجدار بجانب رفضهم للاحتلال الإسرائيلي وقمعهم للسكان العرب أصحاب الارض المحتلة الأصليين.

وفي مصر الثورة وذكرى 25 يناير نفذت آلاف الصور من التفاعل الشعبي لمحاصرة الظلم والدعوة إلى مقدمة جديدة لحياة تشترط فيها العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية.. ورفع حينها الشعب المصري المناضل رايات النصر والدعوة إلى قمة السلمية ورقي المطالب واحترام الذات ورسمت لوحات فنية وجداريات تندد بالظلم وتدعو إلى العدالة، حيث رسم الفنان المصري «طه قرني» لوحته الشهيرة.

* أصول تقنيات فن الجداريات:

الفسيفساء وفن الجداريات تعبر في لوحات مختلفة الأحجام، وتشكل أرضيات ولوحات جدارية منحوتة في بعض البيوت والمعابد والقصور والجوامع والكنائس، وهي تتشكل من قطع صغيرة من الأحجام (من الحصم والصمي) والرخام والبللور والجرانيت والخزف والأصداف والخشب، وترصف في تناسق تام جنبًا إلى جنب لتؤلف لوحات تستخدم في تكسية واجهات المباني أو أعمال الزخرفة الداخلية والخارجية والأرضيات، وهي تتميز بثبات ألوانها واشكالها لأنها مكونة من مواد طبيعية، وتعد من أهم مواد البناء في زخرفة وتزيين المباني العمرانية.

انه نوع من التلاحم والتشابك بين قطع صغيرة من الحجارة والصخور والزجاج ذات الوان بهيجة، وهي تشكل صورًا تنبعث حية وجميلة من تراصف بسيط، فاستطاع الفنان المسلم بأدواته البسيطة وقدرته الخلاقة أن يترجم فلسفات حضارية كاملة في ألوان متعددة عبر قطع مكعبة الشكل لا يتعدى حجمها السنتميتر الواحد من الرخام أو الزجاج أو القرميد أو البللور أو الصدف أو اي مواد ثابتة اللون، وقابلة للقطع والصقل فكيف تطورت هذه التقنية والى أين ترجع أصولها الفنية؟

* أصل وبدايات فن الفسيفساء:

في احدى متاحف بغداد يوجد نقش أثري يمثل جوانب الحياة اليومية في الدولة السومرية في العراق بين عامي (2850 – 2400 قبل الميلاد) ونلاحظ اختلاط النحت ببدايات فن الفسيفساء وتجميع الحجارة الصغيرة الملونة.

وتعود أولى الأعمال المكتشفة التي يمكن اعتبارها أصل فن الفسيفساء إلى معبد (الوركاء) العراقي في مدينة بابل الاثرية، حيث كان سكان وادي الرافدين أول من استخدم الطوب (اللبن) المزجج في تزيين جدران المباني العمرانية بأشكال هندسية متعددة.

وكان لهم الفضل في تطور أساليبه من حيث المواد المستخدمة التي قاموا بتقليل أحجامها إلى اقل قدر ممكن حتى تتعدد ألوانه وتصبح الصور أكثر وضوحًا إضافة إلى مهارة التشكيل وحرفية التركيب الذي أخرج أبدع لوحاته في باب (عشتار) وجدران شارع الموكب وقاعة العرش في بابل (BABILL).

 وقد انتقل هذا الفن الرائع خلال القرون التالية إلى آسيا الصغرى في الاناضول واليونان حيث ذاع حديثه واتخذت قوالب فنية جديدة، وتطورت تقنياته، وتبلورت أساليبه خلال الحضارة اليونانية وبعدها الحضارة الرومانية.

* مراحل تولد هذا الفن العريق:

يظل علينا ان نتصور بإمعان كيف ولد هذا الفن وعبر مراحل اكثر تقدمًا تعود إلى بداية الاستقرار الاجتماعي في مدن صغيرة ونشوء أولى الممالك، وما رافق ذلك من نهضة في كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفنية والفكرية والتقنية.

وقد ساعدت التجارة بعيدة المدى في توفير المواد الأولية التي نجح الحرفيون والفنانون لاحقًا في تحويلها إلى لوحات جميلة، وإن مبادلات المواد المختلفة ومنها الحجارة الكريمة المتعددة الألوان كانت تتم مع مصر الكنانة وشمال إفريقيا وإيران وافغانستان والاناضول، حيث كانت بلاد الرافدين والشام تشكلان ممرًا طبيعيًا لتلك المبادلات التجارية ومع توافر المواد الخام إضافة إلى الصلصال لاستخدامه قد تطور وتشكل قوالب اللبن (من الطين والقش والتبن) لبناء البيوت والمعابد والقصور بدأ الحرفيون السومريون والبابليون.

وبتعشيق الحجارة الملونة في كتل الصلصال المعدة للبناء كانت أولى لوحات التزيين الفسيفسائية في التاريخ ومنها على سبيل المثال زخرفة اعمدة نفذها السومريون باسلوب شبيه بالتجميع والتشابك وجدت في منطقة (أوروك) في وادي الرافدين وترجع إلى بدايات الألف الثالث قبل الميلاد وهي محفوظة اليوم في متحف (ستاتليخ) في برلين الألمانية، وكذلك بوابة عشتار بزخرفة الطوب الأزرق في عصر الملك نبوخذ نصر الثاني (604 – 562 قبل الميلاد) ومنقوش على البوابة الوحش (مشخوشو) ويرمز إلى إله الشر (مردوك) في مدينة بابل ويدعى أحيانًا (مردوخ).

* المراحل الأولى لتطور الفسيفساء: 

عرف فن الفسيفساء منذ عهد مبكر في بلاد الرافدين القديم في المعابد التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد حيث كان يصنع لهذا الفن اقلام ومسامير من الآجر، وكانت هذه الاقلام والمسامير ذات رؤوس دائرية ملونة تغرس في جدران الطوب مؤلفة اشكالاً زخرفية وفنية، وقد قام الفرس بدورهم على اقتباس هذا الفن ودليل ذلك ما وجد في (قصر دارا الفارسي) كما استخدم الطابوق المزجج في بابل فوصلت هذه الصناعة الفنية إلى درجة عالية من الجودة والإتقان في نهاية القرن الثالث ق.م في انحاء العالم الهلنيستى فيما بعد.

أما أقدم ما وجدت الصناعة هذه في اليونان في مدينة (اولنيثوس) خلال القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، كما وجدت في أوليمبيا وسوريا ومقدونيا بعد ذلك ظهرت الفسيفساء الرومانية التي قامت بالانتشار في جميع أرجاء الامبراطورية الرومانية الغربية والى سوريا وحوض البحر الأبيض المتوسط وشمال غرب إفريقيا وفرنسا وذلك بين القرنين الأول والثالث الميلاديين. 

بينما كان أقدم نموذج للزخارف الجدارية والتي تعود إلى الفترة الرومانية فقد ظهرت في القرن الأول الميلادي كان في مدينة بومباي الهندية (Bombay) في إحدى اساسات الحدائق القديمة بعد العثور عليها.. بعد ذلك استعمل هذا الفن خصوصًا في الدولة البيزنطية، حيث تتواجد أمثلة عديدة وكثيرة على ذلك في بلاد الشام وروما والاقاليم التابعة لنفوذ الدولة البيزنطية.

 

 (الهوامش: تاريخ الفن في العصور الإسلامية: الدكتور عبدالرحيم إبراهيم أحمد، الفنون الإسلامية: الدكتورة سعاد ماهر محمد، الفنون الإسلامية في العصر الايوبي: دكتور عبدالعزيز صلاح سالم، الرسوم الجدارية: الاستاذة نجلاء الرشيد، التواصل الحضاري للفن الإسلامي: الدكتور محمد زينهم).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news