العدد : ١٤٨٤٨ - السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٨ - السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

رسائل

ندوة نظمها مجلس تعزيز التفاهم العربي – البريطاني «كابو» تناقش:

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية 

الثلاثاء ١٩ يونيو ٢٠١٨ - 01:00

«100 عـام عـلى الـصراع الـفـلسطـيني- الإسـرائيلي»


 

نظم مجلس «تعزيز التفاهم العربي- البريطاني»، «كابو»، ومقره لندن،مؤخرا، ندوة في البرلمان البريطاني، تحت عنوان «100 عام على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي»، سعى من خلالها لإبراز المعاناة التي عانى منها الشعب الفلسطيني؛ نتيجة تعثر التسوية، وبين المساعي الفلسطينية من أجل تحقيق ذلك، واضعا آفاقا جديدة لإنهاء معاناته. ترأست الندوة، النائبة «جولي إليوت»، عن حزب العمال، وشارك فيها عدد من البرلمانيين واللوردات وأكاديميين ودبلوماسيين وإعلاميين عربا وأجانب. 

وبالنظر إلى كونه باحثا في شؤون الشرق الأوسط، ومؤلف كتاب بعنوان «أعداء وجيران: العرب واليهود في فلسطين وإسرائيل 1917-2017»؛ استطاع «إيان بلاك»، الباحث في مركز الشرق الأوسط التابع لكلية لندن للاقتصاد، تقديم نهج في هذا الصراع، مكّنه من بناء صورة واضحة لطبيعته، وما يحمله من مآلات مستقبلية، حيث استعرض سلسلة من الأحداث التاريخية التي مر بها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حتى الوقت الحالي، والتي يفسر من خلالها لماذا يبدو في الوقت الحاضر أنه لا تلوح في الأفق نهاية سعيدة لهذا الصراع. 

في البداية، أشار إلى البيان الذي أصدرته الحكومة البريطانيّة خلال الحرب العالميّة الأولى عام 1917 لإعلان دعم تأسيس «وطن قوميّ للشعب اليهوديّ» في فلسطين، «وعد بلفور»، والذي كان بمثابة الشرارة الأولى التي توالت على آثرها العديد من المآسي والنكبات. وبعد ذلك، جاء قرار الأمم المتحدة عام 1947. الذي يقضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، وهو ما كان بمثابة تقطيع لأوصال الشعب الفلسطينيّ، حيث جعل نحو نصف مليون من أفراده أقلّيّة في الدولة اليهوديّة. لذا، لم يكن من الغريب أن يقابّل هذا القرار بمعارضة الفلسطينيين خاصة، والعرب عامة، ولكنه على الجانب الآخر قد لقي ترحيبا واسعا من جانب اليهود؛ لأنّه سمح لهم بإقامة دولة على أنقاض وطن الفلسطينيين وخراب بيوتهم.

وتكملة على ذلك، جاءت حرب عام 1967، التي انتهت باحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة. وهنا يشير «بلاك»، إلى أنه بعد عام 1967 ساءت العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بعد أن نفّذ الجيش الإسرائيلي مجموعة من الحصارات المُهلكة على غزة، واستمرت مشاريع الاستيطان في الضفة الغربية؛ ما جعل من إسرائيل قوة مُهيمنة، ودفعها إلى ممارسة احتلالها من دون هوادة.

بينما تجدر الإشارة إلى أن المقاومة الفلسطينية قد ظهرت متمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، التي ظلت تعمل طوال العقود الثلاثة اللاحقة. وبالرغم من نجاح الانتفاضة الفلسطينية الأولى في لفت انتباه المجتمع الدولي إلى معاناة الشعب الفلسطيني، فإنه سرعان ما أبطلت اتفاقيات «أوسلو» التي وُقعت عام 1993 كل ذلك. 

ويذكر «بلاك» أن إسرائيل في تلك المرحلة اعترفت بشرعية منظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني، التي اعترفت في المقابل بوجود إسرائيل. وقد أضاف أن فشل عملية التفاوض بشأن اعتراف إسرائيل بقيام دولة فلسطينية، وهو ما سمح للحكومات اللاحقة بمواصلة الادعاء بإحراز تقدم نحو توقيع اتفاقية سلام مع الاستمرار في استيلائهم على الضفة الغربية وقطاع غزة؛ وهو ما دفع الفلسطينيين في نهاية المطاف إلى السقوط في «فخ» حتمي لا مفر منه.

وجاء عام 2017 بقرار الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ليمثل لحظة صادمة لاحتمالية إقامة دولة فلسطينية. فإلى جانب أن القرار يضيع حقوق الشعب الفلسطيني المهدرة سواء داخل إسرائيل أو الأراضي المحتلة، فإنه يحمل العديد من التأثيرات على السياسة العامة. فرمزيًا، يدمر مفهوم مدينة القدس كملتقى لجميع الأديان السماوية، وعلى الصعيد العملي، يضعف الموقف التفاوضي الفلسطيني، ويقوي موقف إسرائيل في أي عملية تسوية مستقبلية، كما أنه يلغي الموقف التقليدي للولايات المتحدة بوصفها وسيطا نزيها في الإشراف على محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وبالرغم من أن «بلاك» وصف القرار الأمريكي بأنه يمثل نقطة تحول مهمة في القضية الفلسطينية، فإنه يشير إلى أنه كان من المستحيل قيام دولة فلسطينية حتى قبل عام 2017. نظرًا إلى فشل عملية التسوية التي انتهت عام 2014؛ نتيجة لعدم فعالية السلطة الفلسطينية، تزامنًا مع التحول اليميني في السياسة الإسرائيلية الداخلية، وهيمنتها على القوة التفاوضية كاملة. ومن ثم، استنتج، أنه في ظل هذه الظروف، تعد احتمالية موافقة إسرائيل على حل قائم على دولتين، تكاد تكون منعدمة. فضلاً عن كون مفهوم الحل القائم على دولة واحدة غير مقبول بالنسبة إلى كلا الطرفين، وخاصة إسرائيل.

 وفى هذا الصدد، فإن العائق الرئيسي أمام الحل القائم على دولة واحدة، هو قوة الخطابات المحلية المتضاربة التي يفرضها الإسرائيليون والفلسطينيون على حد سواء، والتي عُززت بعنف نظرًا إلى الأحداث التاريخية المذكورة أعلاه. فضلا عن طبيعة اختلافهم حول الفكرة الأساسية القائلة بأن الأراضي التي تشكل اليوم كلٍ من إسرائيل وفلسطين، هي الوطن التاريخي لمجتمعاتهما. فبالنسبة للفلسطينيين، كان بقاء الجذور العربية منذ آلاف السنين تأكيدا لمبدأ أن هذه الأراضي الفلسطينية هي موطنهم المستحق، وبالتالي هذا يدحض المزاعم الصهيونية بأنها الوطن التاريخي لليهود الذين تم إبعادهم بالقوة منها، وبالتالي هم يستحقون العودة إليها.

ومن الواضح أن طبيعة هذه الرؤى المتعارضة بشكل مباشر والأساسيات التي بُنيت عليها هذه المعتقدات يجعلها متنافرة تمامًا. وفي نهاية المطاف، توّج التوسع المستمر لهذه الخطابات المعادية والمتضاربة في اعتبار الحل القائم على دولة واحدة بمثابة «مغالطة» لن يقبلها أي من الجانبين، ذلك في الوقت الذي صعدت فيه إسرائيل إلى موضع قوة، من خلال عمليات الاستيطان المستمرة، والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، ما جعلها ليست بحاجة إلى التفاوض للتوصل إلى سلام مع الفلسطينيين. 

غير أن «بلاك»، وإن استطاع بناء صورة واضحة للصراع، من خلال تتبع السياق التاريخي للأحداث، ما يفسر لماذا يبدو في الوقت الحاضر أنه «لا تلوّح في الأفق نهاية سعيدة»؛ إلا أنه وقع فيما يقع فيه كثير من المحللين الذين يركزون على التاريخ فحسب، حيث ركز هنا على بُعد واحد فقط في إدراكه للنزاع، والذي ربما جعل استنتاجه سوداويًا، فيما يخص مستقبل القضية الفلسطينية.. فهو لم يعترف، على سبيل المثال، بالتنامي المتزايد في السنوات الأخيرة في المشاعر والنشاط المؤيد للفلسطينيين في الغرب. فلا تزال أوروبا على وجه الخصوص، على الصعيدين الحكومي والمدني، تقدم العون والمساندة للفلسطينيين، بينما تبتعد عن تقديم دعمها لإسرائيل. 

ففي أعقاب إعلان «ترامب» نقل السفارة الأمريكية للقدس، رفض عدد من الدول بما فيها ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة هذه الخطوة بوصفها خلافية وغير مبررة. في حين تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم مساعدات مالية إضافية بقيمة 42.5 مليون يورو للأراضي المحتلة بعد توقف الولايات المتحدة عن تقديم مساعدتها للسلطة مع بدء عام 2018. ولعل الأهم من ذلك، التحول في الرأي العام الأمريكي والمجتمع المدني في السنوات الأخيرة، حيث حدث تحول إيجابيا بشكل واسع تجاه القضية الفلسطينية. فقبيل انتخاب «ترامب»، أظهر الأمريكيون من جميع الأعمار، زيادة في دعم القضية من «2014-2016». وقد أظهر الشباب على وجه الخصوص، أو الذين وُلدوا بعد عام 1980 زيادة بنسبة 7% في تفضيل دعمهم للقضية الفلسطينية، خلال ذات الفترة. في حين واصل الدعم الذي يحظى به الفلسطينيون في الزيادة حتى بعد انتخاب «ترامب» في عام 2016، غير أنه قد حدث استقطاب في الآراء بشكل كبير تماشيًا مع الاستقطاب العام السائد في السياسة الأمريكية في العامين الماضيين. 

وإذا كان «بلاك»، قد أشار إلى أنه من غير المرجح تقديم دعم للقضية الفلسطينية في ظل سياسة «ترامب»؛ نظرًا إلى إعطاء جُل اهتمامه للسياسة الإقليمية، وتفضيل واضح لعلاقات أوثق مع إسرائيل؛ فإنه ليس من الحكمة رفض تلك التحولات الهيكلية الأوسع نطاقا في المجتمع الغربي نحو تكون رأي أكثر إيجابية تجاه الفلسطينيين، في ظل إمكانية حدوث تغيير في قيادة الولايات المتحدة، أو في الحكومات التي تتعرض لضغوط متزايدة في أوروبا من المجتمع المدني وصانعي السياسات، والتي تجعل من الممكن تصور دفع مستقبلي نحو إقامة حوار سلام فعال يشمل حل الدولتين.

وحينما سُئل عن التوقعات المحتملة لحملة «حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات»، والتي تشجع على مقاطعة السلع المُنتجة في إسرائيل، وفعاليتها في الحد من قمع إسرائيل للفلسطينيين؛ شكك في قدرتها على خلق تغيير حقيقي، وعلى تحقيق نجاح يُذكر، نظرًا إلى ما تعانيه من تناقضات وتضارب في تحديد أهدافها المعلنة. 

ومع ذلك، يبدو «بلاك» قد غاب عنه بعض الدلائل الأوسع نطاقًا التي برهنت بحق على مدى التأثير القوي لـ«حركة المقاطعة» على الكيان الصهيوني. ففي تقرير لمؤسسة «راند» الأمريكية عام 2015. تشير التقديرات إلى أنه على مدى عقد كامل، كبدت الحركة إسرائيل حوالي 47 مليار دولار من العائدات. علاوة على ذلك، كانت هناك ردود فعل هائلة من الجانب الإسرائيلي تجاه الحركة، حيث نشر الموساد بعضا من عملائه للتسلل إلى داخل جماعات محلية مختلفة في جميع أنحاء العالم من أجل تقويض فعالية الحركة، الأمر الذي أثار تعاطفا دوليا أكثر حيال القضية الفلسطينية.

ومن ناحية أخرى، كانت هناك تطورات معاصرة أخرى تجاهلها «بلاك»؛ منها احتمالات تغير ملامح الحياة السياسية الإسرائيلية بعد «نتانياهو»، الذي يتورط حاليًا في قضايا فساد جديرة بإنهاء رئاسته، الأمر الذي سيلحق الضرر، ليس فقط بمصداقية حزب الليكود، ولكن أيضًا بالتيار اليميني الشعبوي برمته. في الوقت الذي ظهرت أحزاب سياسية معتدلة، ربما تعيد تنشيط عملية السلام، وبالتالي دعم القضية الفلسطينية وإقامة الدولة في النهاية. 

وإجمالاً، إذا كان إعلان «ترامب» بأن القدس عاصمة لإسرائيل قد أحدث سلسلة من الإخفاقات التي تنضم الى الأحداث التي وقعت بالعقد الماضي وما بعده، وجعلت احتمالات إعادة عملية السلام تعد آفاقًا بعيدة المنال. وعلى الرغم من أن السياق الحالي للحوار الرامي الى السلام يبدو عصيًا على أن يحرز تقدمًا من أي نوع؛ فإن هذا السياق ومساره ليس حتميُا إذا ما نظرنا إلى تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وخاصة في ظل زيادة التعاطف والإيمان بالقضية الفلسطينية داخل أوساط السياسة الغربية والمجتمع الدولي. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news