العدد : ١٤٧٠٠ - الجمعة ٢٢ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٠٠ - الجمعة ٢٢ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٣٩هـ

الاسلامي

آيات في الآيات (27) «إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون»

الثلاثاء ١٢ يونيو ٢٠١٨ - 10:53

المقال السابق كان محاولة استعراض لحال اللغة العربية إلى ما قبل نزول القرآن الحكيم على قلب محمد عليه الصلاة والسلام، واليوم حديثنا منصب على أثر القرآن في هذه اللغة، مستفتحين كلامنا بالقول: ما من لغة قادرة على أن تُطاول اللغة العربية في شرفها، وهذا ليس مديحًا اعتباطيا ولا تحيزًا للغة التي أتكلم بها، بل هذا القول لأن اللغة العربية حملت رسالة رب العالمين إلى الناس كافة ولا رسالات بعدها، واستطاعت أن تحمل المعاني والدلالات التي جاء بها النص القرآني.

«بلسان عربي مُبين» انصب جُل الجُهد عند من تصدى لدراسة اللغة العربية على الكلمة الواردة في الآية السابقة، فأجادوا وأبدعوا في شرح كلمة «المُبين»، وحبروا المجلدات الطوال في ذلك، وإبداعهم انحصر في الجانب البلاغي والبياني وأساليب اللغة التي أسهم القرآن في إضافتها إلى اللغة العربية، والارتقاء بها إلى مستوى أرفع مما كانت عليه، وهذا من غير ريب صحيح، ولكنه غير كافٍ، ففي مجال إسهام القرآن في عملية التطوير والارتقاء تلك جوانب أُخرى على درجة كبيرة من الأهمية، وخارج نطاق البلاغة والأساليب، لم تحظ بتلك الدرجة من البحث والعناية والتركيز.

وقبل الانتقال إلى النقطة التي نريد، لا بد من تأكيد نهوض القرآن بتلك اللغة من الناحية اللغوية، حيث جاء القرآن بحسب الآية بلسانك -الخطاب لسيدنا محمد- الفصيح الكامل المكتمل الذي لا يعتوره النقص والشامل المحيط بجوانب الحياة إحاطة كلية، مُقيم الحُجة على السامعين، وقاطعًا للأعذار الممكن إبداؤها، فبعد نزول القرآن أصبحت سعة اللغة واضحة، وهي تتمايز عن بقية اللغات بهذه الخصيصة، فبحسب المتخصصين في هذا المجال أن من يتتبع اللغات الأخرى لا يجد لغة تضارعها سعةً ورحابةً، وبالرغم من تلك السِعة فهي أخصر (أكثر اختصارًا) اللغات في إيصال المعاني، وتلك من أبرز سمات القرآن المكي، ومع تعاقب السنوات كثير من اللغات انحصرت بين جدران دور العبادة، وهذا لم يتأت للغة العربية، وتمردت على هذا المصير الذي آلت إليه لغات كثيرة.

ومن المُستحسن لإثبات أن القرآن قد أرفد اللغة العربية بمعارف جديدة كل الجدة على العرب وغيرهم، ولم يقتصر دوره النهضوي على الجوانب اللغوية، يستحسن تشريح الآية «بلسان عربي مبين» قبل التدليل على الأثر المعرفي والعلمي الذي أحدثه الكتاب الكريم على اللغة العربية، لنقف على أرضية صلبة فيما نقول.. كلمة اللسان الواردة في مطلع الآية تعني في لسان العرب من «لسن» وتعني طولا لطيفا غير بائن. واللسن هو اللغة، ويقال لكل قوم لسن أي لغة خاصة بهم، وكلمة عربي جاءت من الجذر «عرب» بمعنى الإبانة والفصاحة والكلمة الثالثة «مبين» جذرها «بَين» بمعنى الاتضاح والانكشاف، وتتعاضد المعاني الثلاث لتعطي وتؤكد معنى واحدا هو الكلام الفصيح، والذي لا بد منه هنا هو الاستشهاد القرآني «ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم» الألسنة هنا هي اللغات.

الثابت الآن لنا أن اللغة وصلت إلى مستوى مُتقدم قبيل نزول الوحي، وأضاف عليها حُسنًا على حُسنها، والثابت الثاني هو نفي أن يكون القرآن قد جاء ليطور اللغة العربية بلاغيا وبيانيا فقط، أي جاء ليحسن لغة عنترة وامرئ القيس، لكن جاء القرآن بالأهم من ذلك وهو الارتقاء باللغة معرفيا وعلميا، بما لم يكن معروفًا لدى الناطقين بها وقتئذٍ، أو مُصادِمًا لما كان سائدًا ومألوفًا لديهم من حقائق ومعارف وقوانين اجتماعية وعسكرية وحتى نفسية، وهذا أمر قد أدركه الفقهاء منهم وسبروا غور هذا الجديد ولو بالخطوط العريضة، وما قصة الوليد بن المغيرة بخافية على أحد عندما طلبوا منه أن يذم القرآن بعد أن سمعه من محمد صلى الله عليه وسلم وكاد يرِق له ويلين، فقال: ماذا أقول فيه؟ فو الله ما منكم رجل أعلم مني بالشعر ولا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من هذا. والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى عليه... إلى آخر القصة المعروفة، تأثر الوليد حين سمِع القرآن مع ضلوعه في البيان، فكان مما قاله: «أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله ومواليه»، وعى الوليد مضمون القوانين الاجتماعية التي جاء بها القرآن والتي تُغاير السائد المعمول به وسوف ينقض العُرف الاجتماعي الذي تواطؤوا عليه، حتى استحال قانونًا اجتماعيا عصيا على الاختراق فضلاً عن المخالفة.

هذه المضامين المعرفية الجديدة التي بشّر بها الهادي الأمين عليه الصلاة والسلام كان لا بد لها من حامل لغوي يحملها ويتشرف بها وينقلها ويدعو لها، وهذا ما استلزم أن تكون الرافعة «اللغة» أرقى وأرفع مما هو سائد، هنا يتلخص الهدف الأسمى للقرآن وعلاقته باللغة العربية، رفعها إلى مستواه اللغوي العجيب لتحمل المعارف الجديدة التي وعاها الوليد بن المغيرة والذي حال بينه وبين القادم الجديد ليؤمن به ويتبناه هو العِزة والكبرياء والمكانة التي كان يتبوأها ذلك الزعيم وليس القناعة، فولى ظهره للحق وقال بالقرآن ما قال بهتانًا وإفكًا، فأنزل الله فيه قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة.

البعث والجزاء والحساب تلك من بين الحمولات المعرفية التي صدمت فكر أهل الجزيرة، والمفردات الإنسانية التي زلزلت أرضيتهم المعرفية فيما يتعلق بعلاقة الإنسان بالإنسان، من العبودية والرق إلى الحرية بأوسع معانيها، حتى بعبادة الله تلك مقذوفات فكرية لا طاقة لهم بها ولا للعربية مقدرة عليها لولا القرآن الكريم، فالثراء اللغوي كان تبعًا للثراء المعرفي الذي صبه الوحي في أرض الجزيرة صبًا.

هل من المعقول ان بدويا أو أعرابيا يجوب الصحراء باحثًا عن الكلأ والماء يملك القدرة الفكرية على التفكر بـ«وإذا الشمس كورت» لولا القرآن الكريم، وأنى له أن يتفتق ذهنه وهو صاحب الغزو والمغازي محصور الثقافة بالسيف والقتال أن ينفتح عقله على «مرج البحرين يلتقيان* بينهما برزخ لا يبغيان».. هذا فيض من غيض من الأمثلة على الصدمات المعرفية التي أتى بها القرآن الكريم، إذن فمن الظلم أن نقصر دور القرآن على الناحية اللغوية بيانيا وبلاغيا، فالله أجل وأرفع من أن ينزل قرآنًا ليبارز به أصحاب المُعلقات السبع، حاشا لله، الموضوع أكبر من شخص للإحاطة به والقبض على جوانبه الجوهرية، ولكن حسبي أنها لفتة ولا أكثر من ذلك من خلال البحث في كتب اللغة واللغويين، وآراء بعض المُفكرين جزاهم الله خيرًا. ولعل من المناسب أن نختم بهذا الاقتباس للمستشرق الفرنسي رينان الذي يقول حرفيا ما يأتي: «من أغرب المُدهشات أن تنبت تلك اللغة القومية وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحارى عند أُمة من الرُّحل، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها بحسب نظام مبانيها، ولم يعرَف لها في كل أطوار حياتها طفولة ولا شيخوخة ولا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تُبارى، ولا نعرف شبيهًا بهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرج وبقيت حافظة لكيانها من كل شائبة». لم يضع رينان إصبعه على سر الدهشة التي امتلكت عليه نفسه، إنه القرآن المجيد.. الكريم.. المكنون.. يا رينان.

عاطف الصبيحي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news