العدد : ١٤٦٩٦ - الاثنين ١٨ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٩٦ - الاثنين ١٨ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٣٩هـ

الاسلامي

مواقف وعبر (46) من أهم عوامل النصر التي لا يعرفها العَلْمانيون!!

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الاثنين ١١ يونيو ٢٠١٨ - 11:00

كلما درست المواقف المصيرية في حياة الجيل الأول من المسلمين وجدت نفسي أمام جيل عملاق في إيمانه وسلوكه، جيل يقدر الرجولة ويحترم الإنسان ويقدر المشورة والرأي، جيل كانت العلاقة فيه بين القائد وجنوده علاقة ثقة مطلقة لا شك فيها ولا ريبة، وهذا ما يجسده هذا الموقف العظيم في تاريخ المسلمين.

الموقف: 

وصل الجيش الإسلامي إلى معان بالأردن بعدما قطع ألفا ومائة كيلومتر من المدينة المنورة إلى أرض المعركة، وفي مدينة مآب من البلقاء احتشدت جيوش الحلفاء من الروم والقبائل العربية المنتصرة وكان قوامهم مائتي ألف مقاتل.

علم المسلمون بأمر جموعهم المتفوقة عليهم فواقًا ساحقًا، أقام المسلمون في معان يفكرون في أمرهم، واستشار قائدهم زيد بن حارثة (رضي الله عنه) أصحابه، فقال له بعضهم: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له.

ويذكر الوليد بن مسلم أن واحدا المسلمين من نصح زيدا بالانصراف مكتفيا بما حققه من مكاسب معنوية، قائلاً له: قد وطئت البلاد، وأخفت أهلها، فانصرف، فإنه لا يعدل العافية شيء.

وعبدالله بن رواحة ساكت، فسأله زيد عن رأيه، فقال ابن رواحة: إنا لم نسر إلى هذه البلاد ونحن نريد الغنائم، ولكننا خرجنا نريد لقاءهم، ولسنا نقاتلهم بعدد ولا عدة، فالرأي المسير إليهم.

وبهذا الرأي شجّع الناس عبدالله بن رواحة رضي الله عنه وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما تقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلاّ بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين؛ إما ظهور «أي: نصر»، وإما شهادة، قال: فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس قبل زيد رأيه وسار إليهم.

العبر:

إن تشجيع عبدالله بن رواحة المسلمين على قتال الروم وحلفائهم واستجابة المسلمين لهذا التشجيع له دلالة لا يمكن أن يختلف فيها اثنان، هي أنه كان يثق ثقة عالية برجاله، وأن رجاله وجنوده كانوا يثقون به ثقة مطلقة، والثقة المتبادلة بين القائد ورجاله من أهم مزايا القائد المتميز، ولا يمكن أن يثق الرجال بقائدهم ثقة مطلقة عفوًا وبدون أسباب، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يولي المراكز القيادية إلاّ لأشخاص لهم مؤهلات عالية، ومزايا واضحة المعالم، فقد كان عليه الصلاة والسلام يحرص أعظم الحرص على تولي الرجل المناسب للعمل المناسب تطبيقًا لتعاليم الإسلام في الولاية، وثقة النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن رواحة وثقة رجال عبدالله بن رواحة به، أسبابها وحوافزها واحدة، هي تمتع عبدالله بن رواحة، بالإضافة إلى عمق إيمانه، بمزايا قيادية أهلته لأن يكون أحد قادة النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة.

ويعتقد بعض المحللين والمنظرين العسكريين وغيرهم من المؤرخين المعاصرين أن تشجيع عبدالله بن رواحة رضي الله عنه للمسلمين واندفاعه بهم نحو العدو رغم تفوقه العددي وقرب قواعده، كان مغامرة خطرة ومجازفة مهلكة، وخطأ عسكريا فادحًا، وذلك بموجب المقاييس المادية العَلمانية [بفتح العين].

ولكن المقاييس المادية العلمانية تطبق على الذين يعتمدون المسائل المادية وحدها في حروبهم، أما الذين يحاربون حربًا عقدية، جهادًا في سبيل الله، ودفاعًا عن عقيدتهم، وعن حرية انتشارها، فلا تطبق عليهم المقاييس المادية وحدها، التي تطبق على غيرهم في حروب استعمارية أو توسعية ومن أجل أمجاد شخصية وأحقاد عنصرية أو طائفية، وعلى ذلك فلا تطبق هذه المقاييس المادية على أمثال عبدالله بن رواحة (رضي الله عنه) لأنهم كانوا يخوضون حربًا عقدية، وإلا ماذا يقال في غزوة بدر الكبرى الحاسمة بالنسبة إلى المقاييس المادية وحدها، وكان تفوق المشركين على المسلمين بنسبة ثلاثة إلى واحد في الأشخاص، وبنسبة مائة إلى واحد بالخيل، والخيل أنجح سلاح في الحروب السابقة.

لقد حرض عبدالله بن رواحة المسلمين على القتال لأغراض عقدية، فكان تحريضه خطأ بالمقاييس المادية العَلمانية [بفتح العين] ولكنه كان عين الصواب بالنسبة إلى الجهاد والحروب العادلة التي يخوضها المسلمون حينذاك. [محمود شيت خطاب، القادة والشهداء في مؤتة، نقلاً عن غزوة مؤتة والسرايا والبعوث النبوية الشمالية، دراسة نقدية، بريك بن محمد بريك أبو مايلة، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، رسالة دكتوراه منشورة، ص: 291، ص: 1. 1424هـ].

وقد أثبتت نتائج معركة مؤتة أنها كانت من أعظم المعارك الإسلامية التي أرعبت الروم ومن يحالفهم من نصارى العرب، وجعلتهم يفكرون آلاف المرات قبل قتال المسلمين، بعدما كانوا عازمين على الذهاب لغزو المسلمين في المدينة المنورة واستئصال شأفتهم، وأصبحوا بعد مؤتة في رعب من بسالة المسلمين؛ إذا كيف لثلاثة آلاف مقاتل جاؤوا من ألف ومائة كيلومتر يقاتلون مائتي ألف من الروم وأعوانهم ويقتل من المسلمين اثنا عشر رجلاً ويقتل من الروم وأعوانهم خلق كثير.

هذا موقف رائع من عبدالله بن رواحة ومن المقاتلين المسلمين في غزوة مؤتة.

ويكفينا قول الله تعالى: «فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» [البقرة: 249].

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news