العدد : ١٤٧٥٥ - الخميس ١٦ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٥ - الخميس ١٦ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

هذه هي.. أمة الهداية الربانية!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٠ يونيو ٢٠١٨ - 01:20

هذا المقال يأتي في عقب المقال الذي يصف أحوال الأمة الإسلامية، وما اتصفت به من صحة نفسية سوية تميزت بها عن باقي الأمم، فإنها حين تصدر هذه الأمة في أقوالها وأفعالها عن هذه الحالة النفسية السوية، فإن كل ما يصدر عنها يكون مباركًا مبرورا، ويأتي كل ذلك من واقع المهمة التي أخرجت هذه الأمة من أجلها، وهي هداية البشرية إلى صراط الله المستقيم، وحين نستعرض كلمة الهداية في القرآن الكريم نجد أن هناك هدايتين، الأولى: هداية الدلالة، والثانية: هداية المعونة والتمكين، أما هداية الدلالة، فهذه يستطيعها كل إنسان، أما هداية المعونة والتمكين فهذه خارج قدرة البشر، قال تعالى للتفريق بين هاتين الهدايتين: «وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم» الشورى/52، وقال تعالى:

«إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين»  القصص/56.

إذن، فقد أثبت الحق سبحانه وتعالى لرسوله (صلى الله عليه وسلم) الهداية في موضع، ونفى عنه الهداية في موضع آخر، وقد يظن القارئ لهاتين الآيتين أن هناك تعارضًا لا يليق بكلام الله تعالى المنزه عن الخطأ والنسيان، وهذا حق، فإننا حين نفهم الهداية على أنها هدايتان لا هداية واحدة ندرك أن الهداية الأولى التي جاءت في صيغة الإثبات هي هداية الدلالة، فالرسول (صلى الله عليه وسلم) هدى الناس جميعًا هداية الدلالة، وأما الهداية في الآية (56) من سورة القصص، فهي هداية المعونة والتمكين وهذه من عمل الحق سبحانه وتعالى ولا يستطيعها بشر مهما أوتي من علم وتوفيق.

إذن فالمهمة الجليلة التي أخرج الله تعالى الأمة الإسلامية لها هي هداية الدلالة لا هداية التمكين، وهي سوف تحاسب على تقصيرها في هداية الدلالة، وأما هداية التمكين، فهي خارجة عن إمكاناتها وقدراتها، قال تعالى: «فذكر إنما أنت مذكر(21) لست عليهم بمصيطر(22)»  الغاشية، ثم يرفع الحق سبحانه وتعالى الحرج والضيق عن رسوله (صلى الله عليه وسلم) حين لا يستجيب القوم له، فيقول سبحانه: «فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا» الكهف/6.

إذن، فقد حررنا مفردة الهداية من شبهة التعارض، وبات الأمر واضحًا لكل ذي عقل راشد، وقلب واعٍ، والآن وقد تبين لنا أن هناك هدايتين، الأولى: هداية الدلالة وهذه يستطيعها كل إنسان بحسب علمه وفقهه، والثانية: هداية التمكين وهذه خارجة عن إرادة الإنسان وقدراته، وإن الأمة سوف تُسأل عن تقصيرها في القيام بفريضة هداية الدلالة، ولن تحاسب على إخفاقها في هداية التمكين، وحين تدرك الأمة حدود مسؤوليتها في هذا المجال تتضح الصورة، ولا تشعر الأمة بأي تناقض بين قدراتها وما ينبغي عليها القيام به.

ولقد أثبت القرآن الكريم للإنسان حرية الإرادة في أن يؤمن أو لا يؤمن، وأنه سوف يحاسب بمقتضى هذه الحرية على أقواله وأفعاله وما يعتقد من دون إكراه أو أي تأثير على اختياراته، قال تعالى: «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» الكهف/29.

ونعلم أنه منذ بداية نزول القرآن الكريم على قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حدد الحق سبحانه وتعالى المهمة الجليلة والعظيمة التي جاء القرآن العظيم ليعززها، قال تعالى في بداية سورة البقرة: «ألم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين(2)»، وهذه هي هداية التمكين للمتقين الذين أقبلوا على هداية الدلالة، فقبلوها فأقبل الله تعالى عليهم بهداية التمكين، هذا في بداية سورة البقرة، أما حديث السورة عن هداية الدلالة، فذلك في قوله سبحانه: «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان..» البقرة/185. 

إذن، فالقرآن حين يخاطب جميع الناس، لأن لفظ «الناس» من ألفاظ العموم، فهو هنا يخاطبهم بهداية الدلالة لا هداية التمكين، فمن قبل بهداية الدلالة واستقبلها استقبالاً حسنًا زاده الله تعالى هدى وآتاه تقواه، وانتقل من معسكر الكفر والجحود إلى معسكر الإيمان واليقين. 

إذن، فالحق سبحانه وتعالى حدد للأمة الإسلامية مجال عملها الدعوي، ورفع عنها الحرج فيما لا دخل لها فيه، ولا قدرة لها عليه، وحدد مسؤوليتها أمامه سبحانه يوم القيامة، فلا تشغل نفسك أيها الداعية بعدد من يستجيب لك، فإن نبي الله نوح (عليه الصلاة والسلام) ظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ولم يستجب له إلا قليل، قال تعالى: «ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا فأخذهم الطوفان وهم ظالمون» العنكبوت/14، وقال سبحانه وتعالى في موضع آخر: «حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل» هود/40. 

هذه الأمة السوية في صحتها النفسية حين تتصدر ركب الدعاة إلى الله تعالى في ضوء مفاهيم الإسلام العظيمة التي تحض المسلمين على أن يحبوا لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم، فهذا مبدأ تتقاصر دونه المبادئ مهما عظمت، إنه قمة الإيثار النابع من كمال الدين، ومن تمام النعمة على المؤمنين الذين يَرَوْن فيما أنعم الله تعالى عليهم سعة للجميع، فهم يسألون الله تعالى لإخوانهم الخير كما يسألونه لأنفسهم، وحين تنطلق الدعوة إلى الله تعالى من هذا المطلق، فإن الناس يقبلون على دين الله أفواجًا، وهذا ما يحصل الآن حتى أن الراصدين لنمو أعداد المسلمين في العالم، وظهور تعاليم الإسلام على غيرها من التعاليم ليعجبون أشد العجب من قدرة الإسلام على تجاوز الصعاب، وتذليل العقبات وليس له جيوش من الدعاة كما تفعل الكنائس في العالم وما ترصده من ميزانيات ضخمة، بل هو يحارب، ويطارد، ويستكثرون على أتباعه أن يظهروا التزامهم بأوامره ونواهيه، ويغيظهم ويغضبهم التزام المرأة المسلمة بلباسها الشرعي.

وها هو بطل من أبطال الإسلام، وتلميذ نجيب من تلاميذ مدرسة النبوة، إنه الصحابي الجليل ربعي بن عامر (رضي الله تعالى عنه) الذي ألقى على مسمع رستم قائد الفرس (المنتصر) كلمات زلزلت الأرض من تحت أقدامه، قال له حين سأله: ما الذي جاء بكم إلينا؟! قال له: «إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة».

كلمات قلائل خرجت من فم تلميذ نجيب من تلاميذ مدرسة النبوة النجباء، تضمنت هذه الكلمات أعظم مبادئ الإسلام وأعلاها قدرًا، فالرسالة التي أخرج الله تعالى أمة الإسلام من أجل تحمل أعبائها هي إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وهذه رسالة جميع الأنبياء والرسل الكرام من لدن آدم إلى رسول الإسلام العظيم صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا، إذن فالمهمة صعبة، والرسالة عظيمة، والمسؤولية تنبئ عن أن الأمة أهل لتحمل مثل هذه المسؤولية، والقيام بأعبائها من دون غيرها من الأمم، لذا قال الله تعالى عنها «كُنتُم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..» آل عمران/ 110، وقال عنها أيضًا: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا..» البقرة/143، وقال عنها كذلك: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» الأنبياء/92.

إنها حقًّا.. أمة الهداية الربانية، التي ابتعثها مولاها سبحانه وتعالى لقيادة ركب البشرية إلى صراطه المستقيم، بعد أن هيأ لها جميع أسباب النصر والتأييد.

 

www.aalbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news