العدد : ١٤٨٥٠ - الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٠ - الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

أخبار البحرين

سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة.. في رحاب الله

الأربعاء ٠٦ يونيو ٢٠١٨ - 01:15

فقدت مملكة البحرين يوم أمس واحدا من أبرز رجالتها الأوفياء الذين أفنوا حياتهم في خدمة بلادهم بكل إخلاص، وهو سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير العدل والشؤون الإسلامية السابق.

وقد كان سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة أحد العلامات البارزة في تاريخ البحرين المعاصر بفضل جهوده في خدمة الوطن في مجالات متنوعة تعكس شخصيته الموسوعية والثقافية الجامعة ومواهبه المتعددة، فلم يكتف بالدور الرسمي له وزيرا للعدل والشؤون الإسلامية، وإنما امتدت عطاءاته للأعمال الخيرية والإنسانية التي كان يقوم بها عن إيمان كامل بقدسية هذه الجهود الإنسانية والحضارية، بالإضافة إلى دوره مثقفا متبحرا في العلوم الإسلامية والبحوث التاريخية التي كانت موضع اهتمامه منذ وقت مبكر في مسيرته الحياتية.

وأسهم أيضًا في إصلاحات البحرين في عهد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله، حينما قام بالإشراف على صياغة أهم الوثائق الوطنية كالميثاق الوطني وإعداد دستور 2002، اللذين حققا نقلة نوعية في مسيرة البحرين وتطورها المعاصر.

وكان سمو رئيس الوزراء الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة قد أشاد بدور فقيد البحرين سمو الشيخ عبدالله بن خالد رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية لدى استقباله له في 27 مارس الماضي 2018، قائلا سموه: «إن سمو الشيخ عبدالله بن خالد من رجالات البحرين الذين أسهموا بشكل فاعل في مسيرة العمل الوطني وقدموا الكثير لهذا الوطن وبذلوا في سبيل رفعته، وستظل إنجازات سموه خالدة في الذاكرة الوطنية والحكومة تستذكر دوما بالتقدير والاعتزاز ما قدمه في سبيل تطوير العمل الحكومي، منوها سموه بدور سمو الشيخ عبدالله بن خالد الكبير من خلال رئاسته للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية». 

ولد سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة في مدينة المحرق عام 1922، وتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم في سنوات عمره المبكرة ثم التحق بمدرسة الهداية الخليفية وتخرج فيها عام 1940.

عيّن قاضيا بمحاكم البحرين على مدى خمس سنوات، حيث بدأ مسيرة حياته العملية ملتحقًا بالقضاء فعين في عام 1951م قاضيًا بمحاكم البحرين واستمر في مزاولة عمله قاضيًا حتى نهاية عام 1956م حيث تم في عام 1957م تعيينه قاضيًا بمحكمة الاستئناف العليا حتى عام 1962م.

ثم شغل عدة وظائف إدارية في الدولة، حيث عين رئيسا لبلدية الرفاع مدة خمس سنوات ورئيسا لبلدية المنامة، ورئيسا لمجلس التخطيط والتنسيق في الفترة من عام 1967حتى عام 1970، حيث تقلد كرسي وزارة الزراعة والبلديات عام 1971، ثم أصبح وزيرا للعدل والشؤون الإسلامية ثم نائبا لرئيس الوزراء، ثم شغل منصب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.

وفي عام 2009 أنعم جلالة الملك على الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة بلقب «سمو الشيخ» تقديرا لمكانته ودوره في خدمة البحرين.

وقد تولى سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة العديد من المناصب المهمة التي قدم خلالها خدمات جليلة للوطن والمواطنين، نشير منها إلى الآتي: 

- رئيس لجنة تفعيل ميثاق العمل الوطني.

- رئيس مركز الوثائق التاريخية التابع لديوان سمو ولي العهد.

 - رئاسة اللجنة العامة لأسبوع الصحة وأيضا عضوية مجلسها بين عامي 1957- 1969.

- رئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني منذ عام 1969.

- رئيس اللجنة العليا للحج. 

- الرئيس الفخري لجمعية البحرين الخيرية. 

وكما كتب عن سموه د. منصور محمد سرحان، فإن سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة يعد من ابرز الشخصيات العلمية والأدبية والثقافية التي عرفها تاريخ البحرين الثقافي. فهو المتحدث والشاعر والأديب والمؤرخ والموثق والكاتب. وقد عرف ببلاغته وحسن خطابه، كما عرف بكرم أخلاقه وتواضعه الجم مع علو شأنه ومعالجته للأمور بحكمة وروية وبعلم ودراية، الأمر الذي جعله الشخصية التي لا يختلف عليها اثنان عند أهل البحرين، فهو محل احترام وتقدير جميع أبناء البحرين قاطبة.

وقد سعى سموه إلى تثقيف ذاته بالاطلاع وقراءة الكتب الأدبية والتاريخية والدينية بشكل خاص، والكتب الثقافية المتنوعة بشكل عام، ما جعله أحد أعلام الثقافة والمتبحرين في علوم: اللغة والفقه والأدب والتاريخ.. وجميعها عوامل أدت إلى توليه العديد من المناصب الحكومية، وتأسست على يديه بعض المؤسسات والوزارات الحكومية.

وقد أسس سموه أول مكتبة عامة في البحرين سنة 1954، وهي المكتبة الخليفية، حين اجتمع مع مجموعة من شباب آل خليفة الذين كانوا يقطنون مدينة المحرق آنذاك، ممن نالوا قسطا من العلم والمعرفة، وقرروا أثناء اجتماعهم تأسيس ناد بالمحرق يجمعهم ويكون مفتوحا لجميع الأهالي، وقد تقدموا بطلب تأسيس النادي إلى صاحب العظمة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة حاكم البحرين، الذي أشار عليهم بتبني تأسيس مكتبة تقدم خدمات ثقافية لجميع سكان جزيرة المحرق، وبقية المواطنين الذين يرغبون في زيارتها من مختلف مناطق البحرين. وأبلغهم بأن هناك ناديا بالمحرق، وأن الحاجة إلى وجود مكتبة أصبح أمرا ضروريا ليقضي الأهالي أوقات فراغهم بالمكتبة، بما يعود عليهم بالنفع من خلال القراءة والاطلاع، وتصفح الجرائد المحلية أو تلك التي يتم جلبها من الخارج، وقد عهد إلى سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة رئاسة المكتبة، ونظرًا إلى كونها مكتبة فتية؛ فقد تبرع الأعضاء بالكتب، وأدى ذلك إلى ملء رفوف الغرفة المخصصة للكتب. ومنذ افتتاحها أخذ أهالي المحرق بالتردد عليها، وقد شعر الأهالي حينذاك بالامتنان وقدموا لسموه الشكر الجزيل على إدارته وتنظيمه هذه المكتبة التي وفرت لهم الفرصة للاستفادة من أوقات فراغهم بالقراءة والاطلاع.

في عام 1962 عُهد إلى سمو الشيخ عبدالله بن خالد بتأسيس بلدية الرفاع، حيث عمل على تطوير الخدمات البلدية التي منها الاعتناء بالبيئة وتجميل المناطق وشق الطرق وتسهيل المعاملات والخدمات كافة، ثم تولى رئاسة البلدية الناشئة حتى العام 1967. لينتقل بعدها إلى رئاسة بلدية المنامة ومعها رئاسة أول مجلس للتخطيط والتنسيق والذي أنشئ عام 1969، وقد اهتم سموه بالتوسع العمراني والتخطيط الطبيعي والمحافظة على الآثار.

أسندت إليه في عام 1978 مهمة تأسيس ورئاسة مركز الوثائق التاريخية، الذي ضم أكثر من 70 ألف وثيقة تاريخية عن البحرين، وقد بذل جهودًا مضنية من أجل تأسيس مكتبة بمركز الوثائق التاريخية. وقد نشطت مكتبة المركز في جمع كثير من الوثائق والمخطوطات والخرائط القديمة الخاصة بالبحرين بصورة خاصة ومنطقة الخليج العربي بصورة عامة، كما تم تزويد المكتبة بكتب وموسوعات في مجال التاريخ، إضافة إلى وجود بعض الكتب الثقافية الأخرى، وأصبح المركز اليوم جزءًا من مركز عيسى الثقافي.

وعند إعلان البحرين دولة مستقلة وتشكيل مجلس الوزراء عام 1971م التحق الشيخ عبدالله بالحكومة البحرينية الأولى إذ شغل منصب وزير الزراعة والبلديات إلى عام 1975، ثم تم تعيينه وزيرًا للعدل والشؤون الإسلامية في الحكومة البحرينية الثانية، والتي حمل فيها أيضًا حقيبة وزارة التجارة والزراعة بالوكالة، وشغل سموه منصب وزير العدل والشؤون الإسلامية في حكومتين تاليتين، ووزيرًا للشؤون الإسلامية ونائبًا لرئيس مجلس الوزراء. وترأس سموه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية والذي يعتبر الواجهة الرئيسة للمؤسسات البحرينية الإسلامية الرسمية.

كما تسلم رئاسة لجنة إعداد وصياغة الميثاق الوطني ثم رئاسة لجنة إعداد وصياغة الدستور في عام 2002.

توج الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة جهوده الثقافية المتعلقة بتأسيس المكتبات بالإشراف على تأسيس مركز عيسى الثقافي الذي يضم المكتبة الوطنية، وترأس اللجنة الوطنية العليا التي تم تشكيلها في عام 2000، وهي أضخم مكتبة في تاريخ المملكة، فقد شهدت مملكة البحرين عصر يوم الخميس 18 ديسمبر من عام 2008م أهم حدث ثقافي في تاريخها المعاصر تمثل في تفضل صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين بافتتاح مركز عيسى الثقافي ومكتبته الوطنية.

جدير بالذكر أن مشروع مركز عيسى الثقافي بدأ برسالة رفعت إلى مقام صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البلاد الراحل في عام 1998م من بعض أبناء الشعب البحريني يطلبون الإذن لهم بإنشاء مكتبة تحمل اسم الأمير. وقد حول الرسالة إلى سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة وطلب منه النظر في طلبهم. وقد تحمّل سموه مسؤولية الإشراف الكامل على بناء مركز عيسى الثقافي الذي ضم المكتبة الوطنية التي تحتوي زهاء مائة ألف كتاب تغطي جميع حقول المعرفة، وهي بهذا تقدم خدماتها الثقافية لجميع شرائح المجتمع البحريني.

ومن الجدير ذكره تأسيس سموه مكتبته الخاصة بمنزله، والتي تعد أضخم مكتبة خاصة في البلاد. فقد ضمت مكتبته هذه زهاء ثلاثة عشر ألف مجلد من الكتب والمراجع والموسوعات والدوريات، والكتب النادرة غطت الكثير من الحقول المعرفية المختلفة، كما ضمت بعض الكتب والموسوعات باللغة الانجليزية.. وقد تبرع بها سموه إلى المكتبة الوطنية بمركز عيسى الثقافي، حيث تم تخصيص حيز كبير في الطابق الأول من مبنى المكتبة الوطنية لهذه المكتبة.

إصداره المجلات الموثقة والمحكمة

استمر الشيخ عبدالله بن خالد بالمساهمة في تفعيل العمل الثقافي في المملكة وتطويره من خلال إصداره بعض المجلات والدوريات الموثقة والمحكمة. ففي فبراير من عام 1978م تمكن من إصدار العدد الأول من مجلة (الهداية) وهي مجلة شهرية إسلامية وترأس تحريرها أثناء توليه منصب وزير العدل والشؤون الإسلامية.

تضمنت افتتاحية العدد الأول التي كتبها سموه سبب اختيار عنوان المجلة مع الإشادة بالمجتمع البحريني المتحضر حيث قال: «أما بعد فيسعد وزارة العدل والشؤون الإسلامية أن تقدم إلى الأمة الإسلامية أول عدد من مجلتها الإسلامية، والتي أسمتها الهداية تيمنًا بمستقبلها ومواصلة ما عُرف عن سكان هذه الجزر منذ فجر التاريخ الإسلامي من ارتباط بهذا الدين الحنيف، حيث بادروا بالإيمان حال ما بلغتهم رسالة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، من غير إكراه أو طمع بل عرفوا الحق فاتبعوه ولم يكتفوا بذلك بل أصبحوا دعاة يهدون إلى الحق وبه يهتدون».

تمكن سموه في شهر يوليو من عام 1982م من إصدار العدد الأول من مجلة «الوثيقة» التي يصدرها مركز الوثائق التاريخية والتي تعد من بين أهم المجلات التاريخية التي تصدر في الوطن العربي في وقتنا الراهن، وهي مجلة نصف سنوية محكمة، وقد ترأس تحريرها بنفسه. 

وجاء في كلمة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد حين كان وليًا للعهد بعنوان «هذه المجلة»: «هذه المجلة إذا باب نرجو أن نطل منه على ماضينا وحاضرنا على السواء، وهي حلقة من جهد متواصل وشاق للجنة مركز الوثائق التاريخية ممثلة في رئيسها وأعضائها والعاملين فيها، وهي بعد ذلك خطوة على طريق ممتد تنطلق عليه دولتنا الحبيبة بكل قوة وعزم نحو غدها المأمول بإذن الله».

عبرت الافتتاحية التي كتبها سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة في العدد الأول عن بعض الأهداف المطلوب إنجازها من خلال إصدار هذه المجلة بقوله: «لقد أردنا بهذه المجلة وأردنا لها أن تكون ندوة مفتوحة تقام كل ستة شهور، وإن كنا نرجو في المستقبل أن نختصر هذه الفترة، وهي ندوة نرجو أن يدور فيها النقاش علميًا ومتجردًا حول ما يطرح من موضوعات حتى تتاح لكل من أراد الفرصة للإدلاء برأيه من أجل وضع مزيد من النقاط فوق بعض الحروف، ونحن نعلن ابتداء أن كل ما يصل إلينا من آراء سوف يستقبل بقلب مفتوح وعقل مفتوح».

بقيت البحرين في تاريخها المعاصر اعتبارًا من بداية القرن العشرين خالية من وجود كتب تاريخية موثقة بشكلها الأكاديمي تتحدث عن تاريخ البحرين القديم، أي منذ حضارة دلمون حتى وقتنا الحالي. وقد تصدى سموه لإكمال هذا الفراغ بإصداره مجموعة كتب تاريخية موثقة أصبحت اليوم من بين أهم المصادر التي يعتمد عليها في كتابة تاريخ البحرين قديمة وحديثة.

ففي عام 1970م تمكن من تأليف كتاب «البحرين عبر التاريخ: الجزء الأول» تناول فيه تاريخ البحرين القديم اعتبارًا من حضارة دلمون، مرورًا بالعصر الإسلامي وما رافق ذلك من ظهور حركة الخوارج، والقرامطة.

وفي عام 1991م تمكن من إصدار الجزء الثاني من كتاب «البحرين عبر التاريخ» وكان كتابًا في غاية الأهمية لأنه سلط الضوء على قرامطة البحرين بشكل أكثر تركيزًا وشرحًا من المعلومات التي ضمها الجزء الأول. كما غطى الكتاب: العيونيون، الزنكيون، السلفريون، الجبور والعصفوريون، البرتغاليون، العتوب، الشيخ أحمد الفاتح، والشيخ سلمان بن أحمد الفاتح.

شهد عام 1996م إصدار كتابه (رؤى إسلامية: من وحي القرآن) حيث وضع سموه في هذا الكتاب رؤى تفتح الباب للخروج من المأزق الحضاري لمعادلة الأصالة والمعاصرة في بعض جوانبها الفكرية والعقائدية، ليستوحي رؤى إسلامية راسخة منبعها القرآن الكريم.

كان عام 2005م عامًا مميزًا بالنسبة إلى نتاج سموه الفكري، فقد شهد ذلك العام إصدار ثلاثة كتب تكمل بعضها بعضًا. فقد صدر الجزء الأول بعنوان (مكانة البحرين في التاريخ الإسلامي) وهي مكانة ومكان حفل بالكثير من المواقف والعلاقات التي شكلت تاريخًا مهمًا لجزيرة البحرين في مختلف الأحداث التي تناوبت على الدولة الإسلامية العريقة. وصدر الجزء الثاني تحت عنوان (تاريخ آل خليفة في البحرين) والذي تناول بالشرح الموثق تاريخ العتوب والزبارة، وحكام البحرين اعتبارًا من الشيخ أحمد الفاتح وانتهاء بسمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البلاد الراحل.

صدر الجزء الثالث ليكمل هذه الموسوعة التاريخية الموثقة بعنوان (ملك وسيرة)، حيث يتحدث عن شخصية جلالة الملك واهتماماته الثقافية والرياضية والفكرية، مغطيًا مشروعه الإصلاحي الذي بدأ بميثاق العمل الوطني. كما غطى الكتاب مرافعات البحرين وقطر أمام محكمة العدل الدولية. وانتهى الكتاب بالحديث عن السلطات الثلاث: السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية.

وكما يقول الكاتب جميل العلوي، فإن سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة يبدو كخلاصة جليلة لامتزاج السياسة بالشعر والأدب والتاريخ، ترفدها كرامة المحتد والمنبت، ورفعة السجايا، والنفاذ المنقطع النظير إلى أعلى المراتب الوظيفية الرسمية.

فهو رجل استوفى ميزات العصور البحرينية المتتالية ثقافة وسياسة وشعرًا وأدبًا رفيعًا وتاريخًا... وهو إلى ذلك، عميد مخضرمي البحرين وشيخهم، وعمدة مؤرخي الخليج ورائدهم. وقد عاصر مراحل عدة من تاريخ البحرين السياسي، كما عايش جل أحداث القرن العشرين وهي تعيد تشكيل الكرة الأرضية، وعايش عهد الامبريالية الاستعمارية، ومرحلة المد القومي العربي، وما تبعها من مراحل التحرر والانعتاق من هيمنة القوى الأجنبية، ثم مرحلة تأسيس الدول والممالك العربية والخليجية، وهو من هنا لم يكن شاهدًا على التاريخ وحسب، بل هو كان تاريخا يمشي على الأرض وينبض قلبه بالمحبة وعقله بالحكمة.

وإضافة إلى هذا الاتصال الحميم بالتاريخ البحريني؛ معايشًا ومراقبًا ومساهمًا في صناعته، فإن سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة اختار أيضًا مهمة أخرى هي تدوين التاريخ، بل توثيقه وبناء صروحه المتعددة الألوان، فمن إنشاء المكتبات، إلى تأسيس دوائر التوثيق التاريخي، إلى الاشراف على صياغة أهم الوثائق الوطنية وأعلاها مقامًا، كالميثاق الوطني، والدستور، إلى بناء صروح الثقافة، وبث روح التاريخ المجيد بين أركانها، كما فعل في مركز عيسى الثقافي.

وسمو الشيخ الجليل، إلى كل ذلك، نفحة زمنية متجددة، بروح خلاقة، وعقلية منفتحة، وهمة عالية، واستعداد دائم للبذل والعطاء من أجل البحرين وشعبها وقيادتها وتاريخها وحضارتها.

انهمك في بناء أركان الثقافة وتدوين التاريخ وجمع مصادره، فحمل قصب سبق المبادرة إلى تأسيس أول مكتبة عامة في البحرين، سنة 1954. وهي المكتبة الخليفية.. لتكون التجسيد الأول لتلك العلاقة الحميمة بين الرجل والتاريخ.

التجسيد الثاني، جاء بعد نحو ربع قرن من الزمان، عندما أسندت إليه في عام 1978 مهمة تأسيس ورئاسة مركز الوثائق التاريخية، الذي أصبح بفضل جهود الشيخ ومثابرته، قلب البحرين التاريخي وسفرها المدون وذاكرتها التي تتكئ على أكثر من 70 ألف وثيقة تاريخية عن البحرين وشعبها ووعاداتها وتقاليدها وشواهدها...! 

أما التجسيد الثالث، فتمثل في الإشراف على تأسيس مركز عيسى الثقافي، ليكون هذا الصرح عمدة المراكز الثقافية البحرينية، وخلاصة لكل تجسدات تاريخها، وجامعًا لكل مأثوراتها وتراثها... في غابة منيرة من الكتب والوثائق التي يصل عددها إلى حوالي نصف مليون كتاب ووثيقة...! ومع الانتهاء من إنشاء هذا القلب التاريخي الممتد إلى شغاف الزمن والحضارة، بادر سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة بتقديم مكتبته الشخصية المترامية الأطراف والطرائف، لتكون أيقونة هذا المركز وبذرته المباركة. 

وقد عُرف عن سمو الشيخ عبدالله بن خالد مواقفه القوية في الدفاع عن الحق والذود عن صحيح الإسلام الدين الوسطي السمح، ومن ذلك ما أعلنه في احد الاحتفالات بليلة القدر قائلا: «إنه مع إطلالة القرن الجديد والألفية الجديدة تغير الكثير من الموازين، واخذ العالم شكلا جديدا، وان الإسلام كان مستهدفا دائما بحقد وبغض وكراهية تكشف عنها الأحداث، فمنذ قرون اتهم الإسلام بأنه دين العنف وأنه انتشر بالسيف، وأنه قهر الشعوب، ومرت سنوات طويلة من الحوار والدفاع قبل ان يقتنع الجميع بان الإسلام أبعد ما يكون عن العنف، وأن الإسلام انتشر بالحجة والإقناع وبإقبال الشعوب عليه لما فيه من سماحة وتكريم للإنسان وإحقاق الحقوق».

وأضاف قائلا: «واليوم يلصقون الإرهاب بالإسلام مع أن الإسلام يمنع قتل طفل أو شيخ أو امرأة ويحظر على الجيش المحارب أن يتلف حقلا أو يقطع شجرة». 

وقال: «إن الحقيقة ستظل ناصعة مهما حاطها من غيوم الشك والكره وسيدرك العالم الحاقد في يوم ما أنه سلك الطريق الخاطئ». 

رحم الله فقيد البحرين الراحل الكبير سمو الشيخ عبدالله بن خالد وأسكنه فسيح جناته، فقد عمل بكل إخلاص وتفانٍ في سبيل خدمة وطنه البحرين ورفعة شأن أمته العربية والإسلامية، ودافع دوما عن سماحة الإسلام في وجه حملات التشويه المغرضة مؤمنا بأن الحق سوف ينتصر في نهاية المطاف.

 

المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية:

عبدالله بن خالد شخصيةإسلامية شامخة ورمز وطني كبير

أعرب المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية عن حزنه وألمه الكبيرين لوفاة رئيسه المغفور له بإذن الله تعالى سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة رحمه الله، الذي وافاه الأجل المحتوم أمس ليرتحل سموه إلى بارئه الرؤوف الرحيم في شهر رمضان خير الشهور، ومع دخول العشر الأواخر منه.

ورفع المجلس أحر التعازي والمواساة إلى صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد نائب القائد الأعلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، وإلى أنجال الفقيد الشيخ الدكتور محمد، والشيخ خالد، والشيخ إبراهيم، وأحفاده وذويه، وإلى الأسرة المالكة الكريمة، وإلى أهل البحرين جميعًا، والأمة العربية والإسلامية عامةً.

واستذكر المجلس في بيان أصدره امس بكل إجلال وتقدير الدور الكبير والرائد والمخلص الذي اضطلع به سموه على مدى عقودٍ من الزمن قدّم فيها الفقيد الكبير وقته وجهده بإخلاص ومسؤولية ليخلِّف يرحمه الله سيرة نموذجية حافلة وناصعة بالخير والعطاء والعمل الحسن والأيادي البيضاء، ترك فيها بصمات تاريخية مشهودة، ومآثر طيبة محمودة بكل جد وإخلاص في مجالات كثيرة منها القضاء والإدارة والعمل الخيري والدعوة إلى الخير ليحظى سموه بمكانة دينية ووطنية واجتماعية كبيرة أكسبته حب الجميع وتقديرهم واحترامهم.

وأكد المجلس أن سموه كان شخصيةً إسلاميةً شامخةً، ورمزًا وطنيًّا كبيرًا، ومفكرًا حكيمًا ومؤرخًا معروفًا، مشيرًا إلى أنه كان لسموه الدور الأهم والأبرز في تأسيس وبلورة عدد من القطاعات الدينية؛ بدءًا بإنشاء إدارة الشؤون الإسلامية ومراكز تحفيظ القرآن الكريم في العام 1976م مرورًا بتأسيس شؤون القرآن الكريم والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، إلى جانب دوره البارز في تطوير العمل والتشريعات في المحاكم الشرعية والمدنية وفي شؤون الأوقاف الإسلامية وأموال القاصرين وبكل ما يتعلق بالبحث والدعوة والإرشاد. سائلاً المولى جلَّت قدرته أن يتغمد سموه بواسع رحمته، ويسكنه الفردوس الأعلى من جنته، وأن يلهم الجميع الصبر والسلوان. 

 

الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية:

الراحل سيبقى في ذاكرة البحرين والخليج والعالمين العربي والإسلامي

أصدر مجلس إدارة الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية بيانا صحفيا تضمن تقديمه خالص العزاء إلى صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين وأفراد الأسرة المالكة وشعب البحرين ودول مجلس التعاون الخليجي والعالمين العربي والإسلامي في وفاة سمو الشيخ الوالد عبدالله بن خالد آل خليفة رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – الراعي الفخري لجائزة العمل الإنساني لدول مجلس التعاون الخليجي في دوراتها الخمسة والتي تنظمها وتشرف عليها الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية، كما يضيف مجلس إدارة الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية في بيانه قائلا: «إن المصاب جلل في فقد رجل العطاء والتسامح والخلق الرفيع. رجل حمل هم القرآن وخدمته في كل محفل- وحمل رعاية الأوقاف والتوصية عليها وتنميتها- كما حمل هم توحيد القلوب وجمع الشتات على محبة الله – فكان نعم الاختيار بتبوئه منصب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. 

فقد كان الراعي الفخري لجائزة العمل الإنساني لدول مجلس التعاون الخليجي في دوراتها الخمسة السابقة، وشهدت الجائزة بتوجيهاته ورعايته لها تطورا كبيرا وتقديرا من كبار المسؤولين في دول مجلس التعاون الخليجي، ولذلك كانت الاستجابة لدعوات سموه يرحمه الله لحضور دورات الجائزة الخمسة كبيرة تقديرا لشخص سموه من قبل قادة وحكام وكبار المسؤولين في دول مجلس التعاون الخليجي. وكان حريصا على استقبال كبار الشخصيات الخليجية من المكرمين بالجائزة بشخصه في مطار البحرين الدولي ورعايتهم ودعوتهم والاحتفاء بهم. 

واختتم البيان: سمو الشيخ الوالد عبدالله بن خالد آل خليفة رجل سيبقى في ذاكرة البحرين والخليج ودول العالمين العربية والإسلامية.

 

«مركز عيسى الثقافي»:

لقد فقد الوسط الثقافي والاجتماعي البحرينيوالخليجي والعربي هرما كبيرا شامخا

أصدر مركز عيسى الثقافي بيانا صحفيا، نعى فيه رحيل سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة رئيس مجلس الأمناء، الذي وافاه الأجل والتحق بالرفيق الأعلى بعد حياة زاخرة بالعلم والعطاء الفكري المستنير، وأشاد المركز بشخصيته العلمية وخصاله الحميدة وماضيه الزاخر والمشع في العمل الإنساني والفكري على المستوى الرسمي والأهلي محليا وإقليميا ودوليا.

وتقدم الدكتور الشيخ خالد بن خليفة آل خليفة نائب رئيس مجلس الأمناء المدير التنفيذي لمركز عيسى الثقافي، بالنيابة عن كل منتسبي المركز، في يان له بأحر التعازي والمواساة إلى ذوي الفقيد الراحل وكل أفراد العائلة المالكة الكريمة وعلى رأسهم صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى وحكومته الرشيدة وشعب مملكة البحرين الوفي بأحر التعازي القلبية وأصدق مشاعر المواساة. وجاء في البيان النص الآتي:

«ببالغ من الحزن والأسى، تلقينا نبأ رحيل شيخنا الكبير ومؤرخنا مؤسس ورئيس مجلس أمناء مركز عيسى الثقافي المغفور له بإذن الله تعالى سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة.

لقد فقد الوسط الثقافي والاجتماعي البحريني والخليجي والعربي هرما كبيرا شامخا، عُرف بمواقفه الإنسانية ومبادراته لفعل الخير وبذل جهود جبارة لإعلاء ورفعة اسم وطنه الغالي.

فقد كان الراحل رمزا وطنيا يمتاز بفكره الناصع وتحليله العميق واطلاعه الواسع بقضايا المنطقة، وكان خطيبا وشاعرا فصيحا، وكاتبا ماهرا ومؤرخا أمينا على إرث وتاريخ وتراث بلاده وأمته العربية والإسلامية، حيث دوّن العشرات من الكتب والمؤلفات المفيدة والقيمة التي تعكس إلمامه في المسائل الدينية السمحاء من جهة، واهتمامه الواسع في التاريخ والثقافة والفكر من جهة أخرى، والتي كانت ثمرة عمره المديد والمبارك.

لقد تميز الفقيد الراحل بماضٍ وضاء في مجال العمل الرسمي، بذل فيه جهدًا عظيما في تأسيس وتسيير ومتابعة وتنفيذ مشاريع مميزة، أضحت، مع مرور السنوات، من أعظم إنجازات مملكة البحرين الحضارية وأبرزها على مستوى إقليمي وعالمي، كما كانت له مساهماته الجليلة في شتى فروع العمل الإنساني والتطوعي الخيري والاجتماعي في البحرين وخارجها، والتي كشفت عما يمتاز به هذا الرجل من حكمة وتواضع وأخوة وأبوة، نابعة من أصالة وسماحة في القيم التي ورثها عن آبائه وأجداده. فجسدت هذه الصفات والخصال النبيلة، وغيرها الكثير، من خصوصيات هذه الشخصية البحرينية الفذة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news