العدد : ١٤٧٠٠ - الجمعة ٢٢ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٠٠ - الجمعة ٢٢ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٣٩هـ

الثقافي

من ينصف المثقف في ظل مخلب أرزاء الزمن المضني؟

بقلم: أحمد المؤذن

السبت ٠٢ يونيو ٢٠١٨ - 01:20

على أكثر من جبهـة يقاتل المثقف البحريني وهو في كدحه اليومي كي يرفد ساحته الثقافية المحلية بنتاجه الأدبي، ومن الطبيعي أن يتواصل مع أشقائه العرب فيرسل إصداراته هنا وهناك في أرجاء الوطن العربي لكن من يدعم المثقف البحريني؟ ومن هذه الجهة التي تؤمن أصلا بالمثقف وتنصفه وتعطيه مكانته الاعتبارية والإنسانية وسط مجتمعـه؟ 

عمليا تنفيذ هذه الخطوة أو أي عمل آخر يتطلب استنزاف محفظته المهلوكة مسبقاً, ومما يعقد المشهد أكثر هذا الغلاء المتوحش لا يستثني شيئا, مؤشرات جنون الأسعار تستمر في اشتعال دائم! المثقف والكاتب لا ينظر إليه مجتمعنا على أنه سفير ثقافي لبلاده, وهي للأسف ذات النظرة التي يسقطها المشرع القانوني لدينا, فطوال السنوات العشر الماضية طرح مجلس النواب ومجلس الشورى الكثير من مشروعات القوانين, وبحسب علمي ليس هناك قانون واحد يتجه لنصرة المثقف البحريني أو ينصفه في معيشته أو يوفر له أي امتياز يسعى لحمايته بمظلة قانونية تحفظ كرامته الإنسانية.

هناك مشروع لبطاقة تخفيض لمنتسبي سلك التربية والتعليم والمتقاعدين وذوي الإعاقة.. إلخ, ما عـدا المثقف يبقى وحيدا لا يكترث به أحد وكأنه جسمٌ غريب في وسط مجتمعه !!

إن لمّ تخنّي الذاكرة, في واحدة من زياراتي لدمشق قبل نهاية عقد التسعينيات من القرن المنصرم، حينما كان د. علي عقلة عرسان أميناً عاماً لاتحاد الكتاب العرب, وجدنا أرملة كبيرة في السن استقبلها سعادة الأمين بحفاوة, اتضح فيما بعد أنها جاءت لصرف معاش زوجها التقاعدي باعتباره أحد الكتاب الأعضاء في الاتحاد. الجميل في هذا الموقف أن للكاتب كرامة اعتبارية مؤطرة بحماية قانونية تحترم الجهد المعنوي والأدبي للكاتب وتضعه في مرتبة العامل الكادح, حيث تؤمنه في شبابه وشيخوخته ثم تقاعده وتحفظ عزة أهله من بعده, لتقيهم صروف الدهر.

لسنا هنا في وارد المقارنة.. ماذا لدينا بموازاة الآخرين؟! إن رؤية فاحصة لطبيعة مشهدنا تخبرنا الكثير إذا ما أردنا تنقيب ما هو أسفل هياكلنا الثقافية كجهات معنية ترفع شعار الثقافة, حيث لا نجد جهة واحدة تسأل عن كاتب أو شاعر سقط مريضاً وهو على شفير الموت, يُـترك لمصيره حتى يأخذ الله أمانته. لو تخلت عنه الجريدة المحلية التي يكتب فيها بدافعٍ ما, هكذا بفصل تعسفي مسبق أو أي ظرف حياتي آخر, فلا أحد يؤمن لقمة عيشه أو يحمي أولاده من الجوع أو السكن في الشارع!

الكثير من الجهات الرسمية ذات العلاقة, وزارة التربية والتعليم, هيئة شؤون الإعلام, هيئة الثقافة, الصحف المحلية, في طبيعة تعاطيها مع المثقف دائما ما تمارس لغتها الفوقية, فإن كان لك عندها حاجة عليك أن تلتزم بـ.. برتوكولات التسول وتخضع للوائح, بدلا من أن يـُـتعامل معك بصفتك الاعتبارية أحد وجوه الثقافة في البلد وخير سفيرٍ لها.

إن معطيات هذا العصر في طبيعة تحولاتها السريعة الإيقاع والمهتزة المتغيرة، صحيح أنها لم تعد تـُعطي المثقف ذاك التقدير والاحترام الذي كان يلقاه في القرن الماضي, من حيث التحام المثقف مع الجماهير وتأثيره في أوساطهم الشعبية وتلك الهالة التي يتمتع بها كلما أطلق تصريحا هنا أو كتب مقالة هناك, يُحدث تفاعلا ما تتحقق من خلاله تلك المكانة المعنوية المؤثرة والموجهة لفعل التغيير .

في حاضرنا.. يلملم المثقف الحقيقي خيباته وأوجاعه, يقاسي غربة الدروب وكأني بلسان حاله يهتف في وحشة الحلم (احترموا وجودي قبل أن تفقدوني)! لكن ما من أحد يكترث حيث يقع المثقف ضحية الإهمال. هيئة الثقافة التي تنهض بتحريك الساحة الثقافية في البحرين لا تعطي اهتمامها الكافي ولو بتكريم مثقف بحريني واحد, مغمور ولكنه حاضر بجهوده وتسطع نجوميته خارج البلد, أما على صعيد الداخل فكأنما هو رقم ليس إلا؟!

وأنا أكتب هذه السطور تحضرني الكثير من الأسماء التي حفرت طريقها وتحدت العقبات والصعوبات، لكنها ثبتت في قسوة الظروف وأوجدت لنفسها مكانا متألقا تحت الشمس, فقط أتحفظ على ذكر هذه الأسماء كي لا أتهم بأنني متحيز لها أو يجيء حبري كترويج مسبق لفلان من الناس وفق مصلحة خفية ضمن تفاهم بيني وبينه مرتب لا سمح الله.

دعم المثقف البحريني على أكثر من صعيد -وهنا لب الموضوع كمحصلة لما انطلقنا فيه- هو الهاجس الذي ينبغي أن يؤرقنا, كأفراد ومؤسسات مجتمع مدني وجهات حكومية ذات علاقة بالثقافة, وزير الدعاية النازية «غوبلز» كما ينقل عنه, قال: كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي! نحن لا نتمنى أن ينحصر تعاملنا مع المثقف ضمن هذه الزاوية الحرجة والمستريبة بحيث نقلق من مشاغبات هذا المثقف لو أعطيناه الامتيازات التي تحفظ له مكانته المعنوية والإنسانية, نريد لهكذا علاقة أن تكون سوية يؤطرها الحب والاحترام المتبادل. 

هيئة الثقافة بإمكانها عمل الكثير.. أجدها مقصرة في دعم المثقف البحريني ككاتب وشاعر وروائي وقاص وباحث, فمن خلال الإطار الرسمي الذي تتحرك ضمنه الهيئة, أليس بمقدورها «لو أرادت» أن تقنع رئاسة مجلس الوزراء في الحكومة بوجوب توفير خصم خاص على تذاكر السفر لدى ناقلتنا الجوية الوطنية, يستفيد منه الكاتب البحريني في التواصل مع الفعاليات والأعراس الثقافية العربية؟ أليس بمقدور الهيئة تكريم المثقف المحلي وإعطاؤه الأولوية في برامجها الثقافية بدل حماسة استقدام وجوه الثقافة الأخرى والنأي عن الساحة الداخلية؟ 

أليس بمقدور الهيئة -وهي تستثمر في الثقافة مع الشركات والبنوك الكبرى- أن تقنع هذه الجهات بأن تخصص جزءا من أرباحها السنوية لتأسيس صندوق ضمان اجتماعي يحمي المثقف البحريني من العوز والحاجة؟ في الحقيقة توجد كثير من التساؤلات التي يطرحها الواقع الراهن, واقعنا الثقافي الذي تهيمن عليه عشوائية تكاد تتخبط بلا تخطيط أو منهجيـة تذكر, فهناك الكثير من الجهود الضائعة نتيجة الهدر وعدم التخطيط, فما الذي يمنع «مثلا» الهيئة من أن تستغل مركباتها في وضع إعلانات ترويج للكتب المحلية التي تصدرها, كي تبث الوعي للناس بأهمية ثقافة القراءة والتحصيل المعرفي؟ ما الذي يمنع «مثلا» من أن تبادر الهيئة بإصدار جواز سفر رمزي خاص بالمثقف البحريني, يـُعرف به على نطاق المطارات العربية على أقل تقدير, حفاظا على مكانته الاعتبارية والثقافية والإنسانية؟

هناك الكثير من الأفكار التي يمكن أن تتحول لمبادرات واقعية على الأرض, تؤسس لحراك حضاري فاعل يغير من الصور النمطية المكررة والمألوفة في ساحتنا الثقافية العربية, كأن نقرأ خبر مثقف عربي يطلق بوست عبر صفحته في أحد مواقع التواصل الاجتماعي يطلب إغاثته من مرض خبيث يوشك على الفتك به, أو فنان تشكيلي يقوم بحرق لوحاته الفنية احتجاجا على تردّي ظروفه المعيشية وعدم اكتراث وزارة الثقافة به.. حقيقة الكثير من هذه الأمثلة صارت متواترة الحدوث تعكس مدى رثاثة وضعنا الثقافي, والأفدح من كل هذا أن المثقف (فلان) الذي وجد نفسه فريسة المرض تنهال عليه أطنان من (لاياكات) الإعجاب وعبارات المواساة والاستنكارات, لكنها تبقى في دائرة العالم الافتراضي ولا تنجح في حشد دعم حقيقي ينقذ الموقف! 

بينما أي مواطن أوروبي عادي ينشر صورة (كلب) سائب بترت قدمه, ويطلق حملة عبر الشبكة العنكبوتية لجمع إعانة عاجلة لإنقاذ مستقبل الكلب المسكين, تجد نصف العالم يستنفر كل جهوده, فيا عجبي من هذا العالم! شتان ما بين المثالين السابقين في طبيعة التعامل, حيث ترسخت النظرة نحو المثقف في بلداننا العربية بأنه ذاك الكائن الكاريكاتوري ذو النظارة السميكة العدسات, صاحب الحروب النظرية الحامية الوطيس, «الغلبان/ الحافي/ المنتف/ المجنون» وإلى ما هناك من أوصاف تلصق به, تضعه في دائرة الشك، قلة الاحترام ولا تقدر وجوده، وبقدرة قادر ترتفع أسهمه في بورصة النفاق الثقافي حينما يموت, حيث تُـسبغ عليه أفـخم الألقاب الثقافية الرفيعة! أليس هذا الواقع مدعاة للبؤس والكارثية؟ وعليه.. نحتاج إلى بصيرة واعية تحسن قراءة واقعنا الثقافي كيما ترفع من قدر المثقف المحلي أو العربي على حــدٍّ سواء, تعيد له مكانته الاعتبارية وتؤسس لعلاقة صحية معه فلا يـُكرر إلقاؤه في محرقة الخراب.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news