العدد : ١٤٦٩٦ - الاثنين ١٨ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٩٦ - الاثنين ١٨ يونيو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ شوّال ١٤٣٩هـ

الثقافي

قصة قصيرة: جمل السلطان

بقلم: إبراهيم راشد الدوسري

السبت ٢٦ مايو ٢٠١٨ - 10:07

كان لأحد السلاطين جمل مدلل، بهي الطلعة، رشيق القوام، عيناه عسليتان كحيلتان، ذو وبر ناعم غزير، ومن شدة تعلق السلطان بجمله المدلل كلف الرسامين والنحاتين برسم لوحات عديدة وصنع تماثيل كثيرة له وهو في أوضاع مختلفة، وأمر بأن تعلق وتوضع اللوحات والتماثيل في ممرات وقاعات وغرف القصر، وخص مجلسه بصورة كبيرة لجملة المدلل، وأمر بوضعها بجوار صورته، كما أمر بأن تصنع قلادة ذهبية لتزين عنق جمله المدلل، وأمر بأن يطلق العنان لجمله المدلل وأن تكون له الحرية المطلقة في التجوال والتنزه في أي مكان يحلو له، فكان يشاهد الجمل في أروقة القصر وممراته وهو يتهادى دون أن يعترضه أحد أو يشاهد في حديقة القصر يلتهم ما طاب له من أصناف الفواكه وهي تتدلى على غصون الأشجار.

وكان السلطان حين يتناهى إلى سمعه رغاء جمله المدلل وهو يتنقل من مكان إلى آخر في حديقة القصر يقطع اجتماعه مع وزرائه فيهب واقفا والبهجة والسرور يرتسمان على وجهه فيتجه إلى النافذة المطلة على الحديقة ويدعو الوزراء ليشاهدوا معه جمله وهو يتمختر وحوله أربعة من الخدم يهشون الذباب عن جسده الجميل. 

وكان يشاهد الجمل في أحيان كثيرة يسير على مهل في الممر المؤدي إلي مجلس السلطان، وحين يصل عند باب المجلس يستقبله الحاجب مبتسماً فيفتح له باب المجلس ليدخل، فيقف له السلطان منشرح الصدر وكذلك من معه من الوزراء إجلالاً واحتراماً فيسير الجمل حتى يصل إلى السلطان فيلثم وجهه بشفتيه الورديتين ثم يبرك بجوار مقعد السلطان ويغط في النوم.

ظلّ جمل السلطان المدلل فترة من الزمن وهو على تلك الحال من الرفاهية والنعيم الذي يحيط به في أي مكان يحل فيه في القصر، إلى أن شوهد ذات صباح وهو يخرج من بوابة القصر وأخذ يسير باتجاه المزارع القريبة، فأسرع رئيس حرس بوابة القصر بإبلاغ وزير السلطان بخروج الجمل من القصر، فدهش الوزير عند سماعه للخبر وعلى الفور قام بإبلاغ السلطان بما حدث، فاستقبل السلطان الخبر بابتسامة عريضة وقال للوزير: 

- ولم لا... دعوا جملنا المدلل يخرج من القصر، فهو يرغب في التعرف على مظاهر الحياة خارج القصر فهذا من حقه. ثم أردف السلطان قائلاً: ولقد أمرنا أن يخرج خلف جملنا ستة من الحرس الأشداء وهم متنكرون بلباس الفلاحين وأن يراقبوا جملنا وهم متخفون، وذلك من أجل حمايته وسلامته من حسد الحاسدين وحقد الحاقدين وضغينة المارقين.

شعر جمل السلطان بالانتعاش والحيوية يسريان في بدنه المترهل من أثر الدعة والراحة والاسترخاء ونعيم العيش، وكلما استنشق نسائم الصباح الندية المشبعة برائحة الأشجار والنخيل والعشب والثمار المنبعثة من المزارع القريبة الممتدة أمام عينيه حتى الأفق الذي يعانق السماء الزرقاء الصافية امتلأ قلبه بالسرور والحبور، وحين وصل عند أول مزرعة في طريقه شعر بسعادة غامرة وراح يطلق صيحات الفرح والابتهاج وعبر بوابة احدى المزارع وهو يجري ويقفز ويسحج تحت قدميه ورجليه شتلات النباتات ويحطم ما يعترضه من أسوار وحواجز ويدوس في أحواض الخضراوات والزهور ويلتهم الثمار وأوراق الأشجار ويتبول ويتغوط في أي مكان يشاء، من بعدها خرج جمل السلطان إلى مزرعة أخرى وفعل فيها ما فعله في المزرعة السابقة من تخريب وفوضى وكان الفلاحون يفرّون من أمامه وينكمشون في أطراف المزارع ويظل جمل السلطان على هذا الحال حتى يتعب وفي آخر النهار يعود إلى القصر وهو مبتهج سعيد. 

ويبدأ في اليوم التالي جولة جديدة في اقتحام مزارع أخرى فيعيث فيها الفوضى والخراب كسابقاتها، وكل ذلك تحت مراقبة حرس القصر المتخفين خلف أسوار المزارع. 

وذات مساء اجتمع الفلاحون كعادتهم بالقرب من أكواخهم متحلقين حول النار التي تخفق ألسنتها المتوهجة تحت إبريق الشاي والقمر من فوقهم يطل شاحباً من خلف نتف الغيوم المتفرغة.

قال أحدهم:

- ماذا نفعل أيها الرفاق مع جمل السلطان، هل نبقى مكتوفي الأيدي ونحن نشاهده كل يوم يعيث في مزارعنا الخراب والفوضى؟

قال آخر:

- لم تسلم منه مزرعة.

- قال آخر: لا بد من ردعه.

- قال آخر: كيف نستطيع وهو جمل السلطان المدلل؟

قال آخر: ما رأيكم أن نضع له سمّا، فيموت ونتخلص من أذاه؟ 

قال آخر: لماذا لا نحفر له حفرة عميقة ونستدرجه إليها حتى يقع فيها فيدقّ عنقه؟ 

قال آخر: لماذا لا نهجم عليه بالمناجل هجمة رجل واحد فنمزق جسده حتى يخرّ جثة هامدة فيضيع دمه بين الفلاحين.

كان فلاح عجوز يجلس صامتاً وهو يرتشف الشاي في هدوء يتابع حنق وتذمر رفاقه الفلاحين من أفعال جمل السلطان وما نتج عنه من فوضى وخراب وتدمير في المزارع التي يعملون بها، وحين وجد العجوزان آراء الفلاحين كلها تنصب في التخلص من الجمل إما بالسم وإما بالقتل، عندها تنحنح ثم قال: 

- انتم تعلمون أن هذا الجمل له منزلة رفيعة لدى السلطان، لذلك فهو مطلق الحرية يفعل ما يشاء، وأرى أنكم لو قتلتموه بأي وسيلة ستكون لمقتله نتائج وخيمة.

صاح أحد الفلاحين بغضب: 

- ما الذي تهذي به أيها العجوز؟ هذا الجمل مجرد بهيمة، حيوان أخرق لا يعي ما يفعل. 

قال العجوز:

- لو قتلتم هذا الجمل سيغضب السلطان غضباً شديداً ولا أستبعد أن يأمر بإعدامنا جميعاً... انتقاماً لجمله المدلل.

قال أحد الفلاحين:

- وما الحل إذاً مع هذا الجمل اللعين؟

قال العجوز؟

- بإمكاننا أن نبعده عن المزارع ونتّقي شره من دون أن نعرض أنفسنا للمشاكل مع ملاك المزارع والسلطان. 

قال آخر: 

- وكيف لنا ذلك؟ 

قال العجوز: 

- هذا الجمل يحتاج إلي رفيق يؤنس وحدته، ألم تلاحظوا أنه يهيم وحيداً؟

قال أحد الفلاحين:

- ماذا تقصد؟

قال العجوز:

- أعني أنه يحتاج إلى ناقة، ينشغل معها عنا.

قال أحد الفلاحين مداعباً وقد أدرك ما يرمي إليه الفلاح العجوز:

- تقصد أن تكون له زوجة، تزيح عنه الضجر والملل، فيركن بجوارها ويرتوي من حنانها، فينشغل بها عنا أليس كذلك أيها العجوز الماكر؟ 

ابتسم العجوز وقال:

- هذا ما عنيته بالضبط؟

انفجر الفلاحون ضاحكين وقد انشرحت صدورهم وراحوا جميعاً يرتشفون الشاي وهم مبتهجين، ثم قال أحدهم:

- وكيف ننفذ ما توصلت إليه أيها العجوز من حل؟ 

قال العجوز:

- سوف أبلغ ملاك المزارع بهذا الحل ليبلغوه بدورهم إلى السلطان.

وفي مساء اليوم التالي زار الفلاح العجوز مجلس كبير ملاك المزارع وكان عنده ملاك المزارع مجتمعين فقام بإبلاغهم بما توصل إليه من حل مع رفاقه الفلاحين، فوافق كبير الملاك مع رفاقه وقرروا أن يختاروا وفدا من بينهم لزيارة السلطان ليطلعوه على الحل الذي اقترحه الفلاح العجوز. 

وبعد أيام ذهب وفد ملاك المزارع وعلى رأسه كبيرهم محملين بالهدايا الثمينة إلى السلطان فاستقبلهم السلطان في مجلسه وبعد تقديم الهدايا التي أثنى عليها السلطان وحين فرغ المجلس من الوزراء والوجهاء دنا كبير ملاك المزارع بالقرب من مقعد السلطان وقال:

- يا مولاي أعزكم الله وأبقاكم، لقد اتفقت أنا وإخواني ملاك المزارع الواقعة بجوار قصركم العامر أن نهديكم ناقة جميلة تم انتقاؤها بعناية من بين مئات النوق العذارى في السلطنة لتكون زوجة لجملكم الوسيم، حتى تؤنس وحدته وتروي ظمأه وتضيء لياليه وينجب منها الذرية الصالحة، وما هذه الهدية إلا خير تعبير عن مدى ولائنا وإخلاصنا لكم يا مولاي. 

كان السلطان مبتهجاً وهو يستمع إلى كبير ملاك المزارع، وبعد أن أنهى كبير الملاك كلامه ربّت السلطان على كتفه وقال والسرور يملأ قلبه:

- لقد قبلنا الهدية، وقد جاءت في وقتها، فجملنا العزيز يحتاج حقاً لمن يؤنس وحدته بعد أن صار شاباً، وما دمتم وجدتم الناقة المناسبة فسوف يفرح بها، لذا قررنا أن نزوج جملنا العزيز هذه الناقة الجميلة. 

وفي يوم زواج جمل السلطان المدلل، أقام السلطان حفلا باهرا استمر ثلاثة أيام بلياليها، اشتمل على تقديم الولائم الشهية، وازدانت السلطنة بأعلام السلطنة وبصور السلطان وجمله المدلل وعروسه الجميلة، وأقيمت حفلات الغناء والرقص في القصر وفي الميادين والأحياء، وقدمت الهدايا للعروسين من الوزراء والوجهاء والأعيان وملاك المزارع ومن زوجاتهم، وكان جمل السلطان وناقته العروس الجميلة يرفلان بأجمل وأزهى الملابس، وقد علقت في رقابهما العقود المرصعة بالجواهر، ونثرت عليهما الزهور والورد والنقود والحلوى، وبعد حفلات العرس اعتكف جمل السلطان المدلل وعروسه الجميلة في جناحهما الخاص في القصر ثلاثة أشهر وهما ينعمان في عسل الأفراح والمسرات تحت رعاية الخدم والجواري والوصيفات الساهرين على راحتهما وهما منغمسان في الترف والنعيم.

وبعد انقضاء الأشهر الثلاثة فوجئ الفلاحون بقدوم جمل السلطان وناقته الجميلة إلى المزارع وهما يتنزهان ويتسابقان ويتضاحكان ويسحقان تحت أرجلهما وأيديهما النباتات والزهور والخضراوات ويحدثان الفوضى والخراب والتدمير في المزارع، كل ذلك كان يحدث أمام مرأى الفلاحين الذين ظنوا أن جمل السلطان انشغل عنهم بعروسه وابتعد بانشغاله معها عن مداهمته للمزارع، وها هم يرونه الآن ومعه عروسه يعيد الكرة من جديد فيما بذلوه من جهد وعرق.

استمر جمل السلطان وناقته في مداهمتهما اليومية للمزارع من دون أن يستطيع الفلاحون ردعهما، فقام الفلاح العجوز بإبلاغ كبير ملاك المزارع أكثر من مرة عن تصرفات جمل السلطان وناقته، فكان كبير الملاك يبتسم للعجوز ويربت على ظهره المحني ويقول: لا تقلق أيها العجوز الطيب، إنه جمل السلطان المدلل.. ولا بد أنه في يوم ما سيكف عن ذلك، وبعد مرور ثلاثة أعوام شوهد جمل السلطان وزوجته وعياله «يلهون» في المزارع بل تعدوها إلى تخريب وتدمير بيوت القرى والدكاكين، وراحوا يبولون ويتغوطون في كل مكان من دون أن يستطيع أحد أن يمنعهم.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news