العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٨٢٢ - الاثنين ٢٢ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٣٩هـ

الثقافي

وهج الكتابة: بول وفرجيني والمنفلوطي

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ٢٦ مايو ٢٠١٨ - 10:02

كاتب رقيق المشاعر، شديد الحساسية، عصبي المزاج، مفرط في الخيال إلى حد الفانتازيا، إلى درجة أنه أنشأ جمهورية للمهمّشين والبائسين ووضع لهم التشريعات التي تنظم حياتهم وتضمن لهم السعادة، كنظام جديد يقاوم عذابات الحياة القاسية، وكان ذلك عندما كان صغيرًا بلا حيلة تكفي. اصطحبه أحد أعمامه، وكان قبطانًا لسفينة تجارية، إلى جزر المارتينيك، ولكنه عاد منها مثقلاً بالحزن، كارهًا حياته. كان يشعر بوحدة قاتلة، وعندم نما عوده عاودته الفكرة الفانتازية بسبب ما كان يسمعه من أحاديث المبشّرين عن رحلاتهم إلى البلاد الموحشة، وتمنى أن يكون مثلهم ويهدي البهجة إلى الاشقياء. انه برناردين دي سان بيير الذي ولد في عام 1737م في فرنسا وأصبح روائيا شهيرًا يشار إليه بالبنان على الرغم من أنه تخصص في علم النبات. وفي عام 1852م أقامت له الجمهورية الفرنسية تمثالا من البرونز في أحد ميادين لو هافر، مكان مولده، يصوره ممسكًا بإحدى يديه ورقة وبالأخرى قلمًا، وعند قدميه صبي وصبية عاريان يتصافحان تحت ظل شجرة من أشجار المناطق الحارة.

ومن بين روايات برناردين المعروفة رواية «الكوخ الهندي»، ولكن الرواية التي جعلت نجمه يبزغ بقوة هي رواية «بول وفرجيني» التي صدرت للمرة الأولى عام 1787م. هذه الرواية، التي تعتبر قمة في الرومانسية، تُرجمت إلى لغات عالمية عديدة. وتتلخص الرواية في فكرة رومانسية جميلة هي أنّه عندما كان يؤدي الخدمة العسكرية في الجيش طاف بكوخين مهدمين، فإذا بشيخ عجوز يخرج إليه ويقص عليه حكاية الكوخين وأنهما كانا لامرأتين فرنسيتين هما مرغريت وهيلين. والأولى كانت عشيقة احد نبلاء فرنسا وهجرها بعد عام فهاجرت إلى جزيرة موريس لتختفي عن الأنظار وتستر عارها وولدت طفلا أسمته بول. أما هيلين، التي كانت من طبقة النبلاء، فقد تزوجت رجلا فقيرًا ضد رغبة أهلها وهربت لتعيش معه في تلك الجزيرة البعيدة، لكن سرعان ما توفي عنها زوجها بعد أن أنجبت منه طفلة فاتنة اسمتها فرجيني. واستمرا معا في العيش في المزرعة. وبسبب وجودهما في مكان منعزل توطدت علاقة بول بفرجيني في الطفولة، إلى درجة أنهما كانا ينامان في مهد واحد. 

يقول بول لفرجيني: أنتِ وردة من بين الورود، أنتِ كلّ شيء لي، أنتٍ حياتي التي لا أستطيع أن أعيشَ بدونها... تعالي إلى جانبي، خذي هذا الغصن الأخضر الذي قطعته لك السّاعة من شجرة الليمون، وضعيه حين تنامين تحت سريرك، فإنّه يملأ لك فضاء الكوخ عطرًا. 

وقالت له فرجيني يومًا: إنّك تتساءل في نفسك لم تحبني أكثر من كلّ شيء في العالم، أمّا أنا فإنني أحبكَ هذا الحب نفسه، ولكنني لا أسألُ نفسي عن سبب ذلك، لأننا نشأنا في منشأ واحد.

أهدى بول القلادة التي كان يحتفظ بها منذ الصغر إلى فرجيني بحسب طلبها، ووعدته بأن تظل في عنقها حتى الساعات الأخيرة من حياتها. تتسلم هيلين رسالة من عمتها الغنية العجوز تحثها على العودة إلى فرنسا مع ابنتها لأنها قررت أن توصي بجميع ثروتها لحفيدتها فرجيني. حاولت هيلين اقناع ابنتها فرجيني بالسفر لكنها رفضت بإصرار بسبب تعلقها ببول، وقرر بول السفر معها لكن الأم رفضت، فقال لها بول: «أيتها المرأة القاسية، لا متّعكِ الله برؤية ابنتكِ بعد اليوم، ولا أعادها البحرُ إليكِ إلا جثةً باردة طائفة على أمواجه»، ثمّ سقط مغشيا عليه. استطاع حاكم الجزيرة بالتواطؤ مع كاهنها أن يضغطا على الأم ويرغما الفتاة على السفر بعد ثلاثة أيام على متن أول سفينة متجهة نحو فرنسا من دون أن تتمكن من أن تودّع بول. ومرّت ثلاث سنوات انقطعت خلالها أخبار فرجيني، وفجأة تسلم رسالة وحقيبة فيها أنواع كثيرة من البذور من فرجيني وطلبتْ من بول أن يزرعها، لكن البذور لم تكن مناسبة لهذه الجزيرة. وتقرر فرجيني العودة إلى الجزيرة بعد أن طردتها عمتها من قصرها عندما رفضت الزواج بأحد كبار الأشراف. وفي الوقت المحدد اقتربت السفينة من جزيرة موريس الإفريقية، لكن عاصفة عاتية هبت على السفينة وجنحت إلى منطقة صخرية بعد أن تمزّقت أشرعتها فتهشمت قرب الشاطئ على مرأى من أبناء الجزيرة، وكان بول من أشدّ المتحمّسين لإنقاذ السفينة التي تحمل حبيبته العائدة إليه. لكنّ الأمواج القوية دفعته إلى الشاطئ بعد أن انكسرت ساقه. كانت فرجيني في مؤخرة السفينة، وحاول أحد البحارة أن ينقذها قبل لحظات معدودة من غرق السفينة، لكن موجة ضخمة ضربت السفينة فأوقعت البحّار في الماء، فأغمض الناس عيونهم ثم نظروا إلى السفينة من جديد فإذا كل شيء قد انقض، بعد أن رمى البحر بفرجيني جثة هامدة. وشوهدت وهي واضعة يدها على قلبها وأناملها ممسكة بقلادة بول. وبعد ثمانية أيام من تلك الكارثة توجّه بول إلى قبر فرجيني فودّع حياته هناك ليلحق بها في الحياة الأخرى. ثم ما لبثت المرأتان وخادميهما أن لحقوا بهم بعد أقل من شهر وخلا الكوخان من سكانهما إلى الأبد.

انتشرت هذه الرواية في عالمنا العربي تحت اسم «الفضيلة»، أو «بول وفرجيني» من صياغة الأديب والشاعر المصري المعروف مصطفى لطفي المنفلوطي (1876م-1924م) بعد أن ترجمها له عن اللغة الفرنسية أحد أصدقائه. بمعنى أن المنفلوطي قد قام بصياغة هذه الرواية اعتمادًا على ترجمة صديقه، وهنا ينبثق سؤال مهم: هل كانت الترجمة دقيقة؟ وهل كان المنفلوطي، الذي من المرجح أنه لم يكن يتقن اللغة الفرنسية، أمينًا وتمسك بدقة بترجمة صديقه أم أنه أخذ الترجمة كمادة خام لإعادة كتابة الرواية بوصفه كاتبًا وشاعرًا لديه خياله الخاص وربما الطائش؟ وكنت أيام صباي قد قرأت هذه الرواية وتأثرت بها كثيرًا، ما دفعني إلى قراءة كل كتب المنفلوطي ذات اللغة الرصينة والصعبة (مثل النظرات والعبرات ومجدولين) على فتى غرٍّ في مثل عمري في ذلك الزمان العتيد.

Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news