العدد : ١٤٦٧١ - الخميس ٢٤ مايو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ رمضان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٧١ - الخميس ٢٤ مايو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ رمضان ١٤٣٩هـ

الثقافي

الشاعر العماني: عوض بن محمد اللويهي: مطر يغسل الأرض بالحب!

بقلم: علي الستراوي

السبت ١٢ مايو ٢٠١٨ - 10:11

رسائل عاشق: في «بصيرة وحصى والعتمة تفر من ظلاها» مفاتيح لا تخطئ القفل! 

قبل عام توقفت في زاويتي على تجربة الشاعر الباحث العماني عوض بن محمد اللويهي، مشيرًا كومضة لتجربته، وبعد أيام قليلة فاجأني الشاعر الجميل عوض باهدائه مجموعتين جديدتين من نصوصه، وكانت محطة جميلة ارك مرساتي على شاطئها لأتناول ما رأيته من حب كبير في قلب هذا الشاعر الذي عجن جدار النص وغربل ريحه الأخرى، فكتبت ما رأيته حبًا.

الشاعر عوض اللويهي، حاصل على البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها 2001 جامعة السلطان قابوس.

وحاصل على دبلوم عال في اللغويات التطبيقية 2009م من الجامعة الوطنية الأسترالية.

وحاصل على: ماجستير في اللغويات من الجامعة الوطنية الأسترالية 2011م.

- يعمل باحثا ثقافيا بالمنتدى الأدبي منذ عام 2003م.

له من الإصدارات: ديوان شعري بعنوان «كائنات الظهيرة» 2006 وزارة التراث والثقافة.‌- المياه تخون البرك. شعر2013م. الجمعية العمانية للكتاب والأدباء بالتعاون مع دار فضاءات الأردنية.

والعتمة تفر من ظلالها ديوان شعر صادر عن دار مسعى للنشر والتوزيع 2018 وبصيرة وحصى ديوان شعر عن نفس الدار 2018 

‌- أسهم في تقديم عدد من الأوراق البحثية ضمن ندوات المنتدى الأدبي.

نشر العديد من القصص والمقالات والقصائد في الصحف والمجلات العمانية منذ 1998.

والشاعر عوض اللويهي، اديب متمكن له الكثير من الإسهامات التي عززت رسالته الثقافية محليًا وعربيًا.

جهة تتصل بالريح

بعد ان وقفت ذات يوم على مجموعته الشعرية «كائنات الظهيرة» عبر زاويتي الأسبوعية «نبض» أعود اليوم مجددًا لأكتب عن تجربتين جديدتين للشاعر العماني عوض اللويهي: واذكر يوم تناولت تجربته: «كائنات الظهيرة» قلت: جميل أن تكون أولى التجارب هي اختلاجات لا تقيدها هواجس التغير ولا تدخل عليها سفن المداهمة، لكونها هواجس ليست لها حدود أو أمكنة تقف في موانئها، اقصد بذلك مجموعته: «كائنات الظهيرة».

بعيد عن ما قرأته في تلك التجربة اقف اليوم على تجربتين جديدتين للشاعر اللويهي صادرتين مؤخرًا عن دار مسعى للنشر والتوزيع، سائلا نفسي أي الجهات اصعب في قراءة نص عوض اللويهي، لأن كل الجهات التي ادركتها في قراءتي لتجربه الأولى قد تركت داخلي شيئا من الفضول، شيئا من الألف في تلمس ما هو قريب مني جغرافيًا وأنسانيًا، لأن العلاقة الحميمية بين ظل النخل والساقية وازرق لا تغادره الفصول ولا تبتعد عن ماءه الغرانيق والنوارس، هي تلك العلاقة الإنسانية التي جمعت الإنسان البحريني بالإنسان العُماني منذ عهد الجدود والآباء، بحثًا عن لقمة العيش.

تجربتان الأولى بعنوان: «العتمة تفر من ظلالها» والثانية: «بصيرة وحصى». 

وقبل أن ادخل في لب موضوع الكتابة عن التجربتين أريد الإشارة إلى الشاعر الجميل محمد النبهان الذي صمم غلاف المجموعتين ببصيرة فنان مدرك للعبة التقمص وتحريك فواصل ومداخل اللوحة من حيث أبعادها الفنية والهندسية، وهذا البعد في تجربة النبهان كوني اعرفه شاعرًا، فليس غريبًا على الشاعر ان يتمسك بفرشات أحلامه ويفجر ما تخزنه الذاكرة بين ثنايا القصيدة واللوحة.

ومع اللويهي، تكون اللعبة داخل أو خارج النص لعبة أخرى لها مكان ولها جذور ثابتة، كلما شدت في التربة، كلما تمسكت جهات النص بارثها دون ان تشعر بمسؤولية المحاسبة، لأنه مدركة إن الأرض الخصبة تلد الورد وتجتذب إلى حضنها خلايا النحل.

مع مجموعة «بصيرة وحصى» يفتتح الشاعر عوض اللويهي مجموعته بإهداء يقول فيه: «إلى العمة ثريا بنت عبدالله، نجمة غيابك مازالت تلمع في ظلمة روحي».

وبعيد عن فلسفة الإهداء، اقف على نص «ابي - 9» من المجموعة حيث يقول: 

ردني من دمي..

لكلامي 

ردني من حصى البصيرة 

يزرق حين اخاف من الرمل 

ردني يا أبي..

من حُرقة الضوء للماء..

يبني هشاشة عظامي». 

من خلال التمعن والسفر في مداخل اعماق النص، ارى أن النص هو مربط الفرس العربي، فرس يدرك اهميته الفارس الذي تقدم لغمار السباق، مدرك أن اللعبة بين الطين وما يشكله الماء من اهمية قصوى للطين، هي بداية خلق الصورة الأولى للإدراك انني انسان.

فالحصى حينما يتربط بالبصيرة، لا يعني أن الحصى ما هو مفهوم من الحصى، بل بما هو اعمق في رسالة التكوين الروحي لدى الشاعر في دماء الجسد.

فالشاعر ربط الحصى بالماء والرمل والضوء والعظام والبصيرة، ولم يكن هذا الارتباط اعتباطيًا، بل ارى فيه رسالة فلسفية جمعت كل ما وظفه الشاعر من مفاتيح شدت عظام النص وتركت فضاء اللعب مشرعا لمن يقرأ النص.

فعندما وضع اللويهي اسم المجموعة «بصيرة وحصى» لم يكن مخطئا في ذلك، لأن الجمع بين البصير والعتمة يخالف واقع الإنسان الذي ينفر من الظلمة ويلحق الضوء، فالحصاء بجماد لا يوحي بالحرية والسكون وبالفرح، بل عكس ما طرحه البعد الآخرى في لفظة «البصيرة» فهي ضوء يداهم العتمة ويقتل الحزن في مقابلة الفرح.

 ومن قصيدة معنونة: «ريح وحصى - ص - 25» من المجموعة يرسم الشاعر لوحة جميلة عندما يقول: 

كان النخيل..

يقطع اعذاقه..

للوصول إليك 

والحصى يقطع الريح الريح..

رهوًا تمرُ على العاشقين 

علاقة النخل في وقوفه ثابتًا في المكان من القلب، هي العشيقة التي لا تغادر المكان، ولا تختار سوى ارجل ثابتة في التعاطي مع من نحب، في الوصول لمن تشدنا الريح نحوه. 

هذا التعاطي السلس والبليغ في المفردة هي مقاربة يكون الحصى في سباق الزمن يقطع الريح ويلمس جذوة العشق من جهة صلبة، فلا الريح بقساوتها قادرة على تغيير المعادلة ولا الحصى ثابت في احتضار مميت، لأن العشق سيد التعاطي وهو الثابت في جماليات أخلاقنا.

العاشقون بحبة الرمل..

تضيع خطاهم..

وفي آخر المنتهى..

يرجعون..

إلى جرحهم..

في الضباب 

الحصى..

جهة للمياه التي لا تميل عن الحب 

الحصى لعبة في كلام المحبين..

شرارٌ يطيشُ 

من الأضلع الواهنة! 

برؤية لتغادر البصيرة، يستحضر الشاعر اللويهي في هذه المجموعة ثيمة متصلة بريح وحصى وبصيرة، وفي ما اقتطفته من المجموعة ما يؤكد هذا الحب المتجذر في نياط القلب.. فالجهات التي لا تميل عن الحب هي الجهات التي بنت دواخلنا بشيء من التكوين الجسدي ذي العلاقة الحسية الممتدة منذ الولادة، حيث (الماء) سر تكوين الحصى، و(الحصى في مقابل الريح) جسد لا تنفصل حلقاته عن ما يحمله القلب من ذكريات ومن ارث ممتد منذ عهد الجدود والاباء، فمن يخرج علاقة التربة من جسد الماء لا يعرف صلب الحكاية، لأن كل حكاياتنا بذرتها الماء والطين، وبغيرهما لا تكتمل المعادلة في الحب.

وكل ما حوته المجموعة «بصيرة وحصى» هي صلب ما رأيته في التجربة الصادقة التي جمع اللويهي شتاتها المتفرقة، ليؤكد انها مع الحب تكتمل وبدون تنفصل، وهذا الحب هو الجهة التي لا تغادر من يسكنها في المكان من (الوطن).

 

العتمة تفر من ظلالها 

في المجموعة الأخرى والمعنونة «العتمة تفر من ظلالها» ارى أن الشاعر عوض اللويهي يكمل ما فتح بصيرته في «بصيرة وحصى» ليؤكد أن الجدار واحد وأن الحكاية في مسام جسده (كوة) يطل منها عبر فضاء اوسع.

ومن المجموعة تتقدم رسالة اللويهي في النص المعنون «مفتتحٌ – ص- 7- » قائلاً: 

هذا أنا..

كلامٌ يشيرُ إليَ..

ويقتلني مرتين.

يصر الشاعر اللويهي في أن يقودنا نحو جهته وأن كانت صعبة الا انها جهة يرى فيها وجوده، مقابل ارض وأن ضاقت، كما اشار لها في نص «جمر خافت - ص- 8- »: 

هذه الأرض الضيقة..

لا تريد لروحي أن تذوب في العزلة..

ولا أن أكشف الخديعة مبكرًا 

إنني الآن فقط أبصرُ الظلام..

أنا الجمر الخافت تحت الرماد.

كما اشرت لما سبق من الحكاية في دماء الشاعر، لا تتركه لعزلته، لأنها الأم التي ترى في وليدها فارس الحكاية.

رغم ما تفرزه القوانين الوضعية من مقاصل قد تذبح من يتجاسر على جروحه، لكنه في مقابل من يرى نفسه فارس يسنبك نحو تحدي العاصفة، فينثال من امام حوافرها كل الحصى ويصبح الرمل معجونا برماد رمضاء يوم قائظ، حكاية لأرض لتخرج ابنائها دون ان تغطيهم بما هو سر معنون يتجلى في حكاية لا تذوب او تتلاشى مع التقادم.

ويظل ما استشفيته من حكاية اللويهي في المجموعة: نص - «هواجس تهش على جسد الليل ص-36 –» وفي حضن ظل مقطع 15 ص- 50 من مقاطع النص الذي اشرت إليه ارى أن التجلي قد يستشف من خلال هذا المقطع:

لا تسوقي إلى المزيد من الجمر..

هذا اليوم..

فلربما ينضج اليقين باكرًا..

والذي كلما نضج..

نادى بأعلى صوته..

باحثًا عن أم مرضع..

تلبي سريعًا نداء وليدها.

تعاطي لا يهرب من نافذة مشرعة، ولا يعرف الغفلة عن من تسكن روحه، بل يحب المغامرة ويكسر المستحيل، متحديًا كل مطبات الأزمنة المرة.

هذا التعاطي هو الوليد للأرض التي لا تقتل ابناءها، بل تضع لهم في جسدها موضعا من النوم، ومن نبض لا يهدأ في متغيرات الأزمنة.

(فالثيمة) التي ممسكًا بها الشاعر العماني عوض اللويهي، هي ثيمة (الأرض) التي تنبت الحب ومن خلال علاقتها بالمتغيرات تصر على الإنجاب، مؤمنة ان ما انجبتهم هم رهان الزمن في كل مطباته.

خلاصة ما قرأته في تجربة اللويهي، الذي رأيت فيها جماليات اللغة وانتقاء دقيق للمفردة التي امتدت بطول الريح والرمل والبصيرة، فارة من العتمة مشتغلة نحو البحث عن وميض الحب والحبيبة التي لا يغفلها القلب.

كلا المجموعتين بما حوتا من نصوص هي في قراءتي مجموعة واحدة لارتباط ثيمة الحب والحياة وسر التكوين ضمن علاقة الأرض بالإنسان.

علاقة لا تنفصل كما اسلفت بالتقادم، انما هي علاقة امتدت من أول صرخة طفل خرج من بطن امه ليلتقي بالأرض وبما يحيطه من عالم مكتظ بالحب والكره والكل في سباق نحو من هو الأفضل.

بمعنى واحد في قبل الخير والشر، لكن الطريق وان ظل شائكا بما اكتظت به الأرض من مواليد مشوهين وعتاة، يظل السلام نحو الحب ونحو ساقية الماء التي تنقي النهر من شوائب التعب.

في كلتي المجموعتين اصر اللويهي على استحضار ذلك الحب ضمن علاقة الأرض بالماء والبشر وما حوته الطبيعة من موجودات مكملة للحب كان اصلبها النحل والبحر.

حكاية جمع عبرها علاقة المحب بجغرافية إنسان الخليج الذي رأيت فيه كما هو عندي، اصالة لتربة وماء.

a.astrawi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news