العدد : ١٤٧٦٠ - الثلاثاء ٢١ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٦٠ - الثلاثاء ٢١ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الإسراء والمعراج في زمن كل مصدق

الجمعة ٠٤ مايو ٢٠١٨ - 10:09

بقلم: أ. د. أمين عبداللطيف المليجي

عندما يهل علينا شهر رجب، نتذكر الحدث الأعظم في هذا الشهر الكريم. في السنوات الماضية كتبت مقالات عن هذا الحدث، وكلها كانت تناقش دروسا وعبرا، وليس سردا للحدث وما وقع فيه من مشاهد وأحداث للرسول صلى الله عليه وسلم، ففي زمن وقوع هذا الحدث، كذبه أهل مكة إلا قليلا منهم، وقد ناقشت هذا الأمر، ربما نلتمس لهم العذر، فلو تركنا جانب الشرك وهذا أمر بديهي للتكذيب، ونظرنا إلى الجانب العقلي، فقلنا إن ما حدث كان خارج حدود العقل في ذلك الزمان، لأن وسيلة السفر كانت في البر لا تتعدى الخيل والإبل والبغال والحمير، ولا توجد وسائل نقل جوية، فلا توجد طائرات أو سيارات أو سفن فضاء أو غيرها من وسائل النقل الحديث، فالتكذيب لما سمعوه له منطقه، بالرغم من تصديق من آمن بالرسول وهذا بديهي لا جدال فيه، ويثبت قوة من آمن بالرسول، ويثبت مدى تصديقه عندهم، وخاصة سيدنا أبا بكر، أول من آمن من رجال مكة، فكما قال يصدقه في خبر السماء فكيف لا يصدقه في هذا الأمر، فسمي بالصديق، ثم تطرقت أيضا في حديثي عن الإسراء والمعراج إلى تطور العلم، وكيف أن الحدث يثبت أن ما وصلت إليه البشرية اليوم من تقدم، ما هو إلا قطرة في بحور علم الله، وصدق الحق بقوله في كتابه الكريم «وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا (الإسراء:85)»، سبحان الله هذه الآية الكريمة أتت في سورة الإسراء التي سميت باسم الإسراء لعظمة وحقيقة حدوثه، والله أعلم، لمن أراد أن يتفكر ويتدبر، وكنت أتصور أنني قد أنهيت كل ما يمكن أن أتحدث عنه حول هذا الحدث، قياسا على تطور العلم، فقد قست أيضا أن العقول قد تطورت ونضجت بحيث يمكنها التمييز بين الحق والباطل، أو حتى يمكنها أن تفكر فيما يفعله البشر من تقدم هائل، فما بالهم بخالق البشر؟! ولكن تفاجأت بأن هناك أيضا من رجع بعقله إلى الجاهلية الأولى، فوقف هناك ولم يتحرك قيد أنملة، وأصبح في زمرة من وقف في صحراء مكة يستمع إلى ما يرويه الرسول وهو غير مصدق، أو هو لا يريد أن يصدق، مهما بلغ صدق هذا الرسول الصادق الأمين فلن يصدق، فهذه العقول التي ظهرت في القرن الحادي والعشرين أو في القرن الخامس عشر الهجري، أصبحت في القرن الأول الهجري أو في القرن السادس الميلادي، ولكن إذا رأيت وسمعت اليوم من يكذب بالقرآن وبالرسول! فلا عجب أن نرى ونسمع من يكذب حدث الإسراء والمعراج، وحقا كما وصف الحق هؤلاء في كتابه الكريم، «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أو آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج:46)»، سبحان الله دعوة صريحة لكل من يريد أن يتفكر بقلب سليم ويسمع بأذن واعية ويرى بعين مبصرة، فالعين ترى ولكن هيهات هيهات بين رؤيا العين ورؤيا القلب، فالعين ترى الجمال ولكن القلب يرى خالق الجمال، والعين ترى السماوات مرفوعة بلا عمد نراها، ولكن القلب يرى من رفع السماء وخلقها، والعين ترى الأرض وما عليها من مخلوقات، ولكن القلب يرى خالق الأرض وما عليها، وعلى الإطلاق كل عين ترى ما خلق الله، ولكن ليس كل قلب يرى الله الخالق، العجيب في ذلك الأمر أن من يكذب يبحث عن مبررات ويبحث عن كلمات لكي يزين بها كذبه، ويجتهد في التفسير والتحليل واضعا نصب عينيه أنه لا بد أن يجد مبررا لكذبه، لأنه لو كان يجتهد بصدق لكي يصل إلى الحقيقة لوصل إليها، ربما يقول قائل هذا كلام من يصدق من دون أن يفكر أو كلام مسلم موحد، نقول له بالدليل إن الله نفسه لم يغلق باب التفكر الحق حتى في ذاته المقدسة، ودليلنا على ذلك تفكر سيدنا إبراهيم في الله وفي قدرة الله وفي ملكوت الله، فقد طلب من الله أن يريه كيف يحيي الموتى، «وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (البقرة: 26)» فهذا تفكر من يريد أن يصل إلى الحقيقة بصدق، فهدى الله قلبه إلى الحق، ثم تفكر في ملكوت الله، عندما ظن أن الشمس إله وظن أن القمر إله، ولكن كل ذلك اختفى أمام عينه، ولكن لم يختفِ من قلبه، فاهتدى قلبه إلى خالق الشمس والقمر، فإلى كل من يكذب بالإسراء والمعراج، باب التفكر مفتوح، ولكن لمن يريد أن يصل بقلبه إلى الحقيقة، وليس لمن يريد أن يرى بعينه ولا يرى بقلبه، فالإسراء حقيقة بالعين والقلب معا، واقرأوا لو شئتم قول الحق «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الإسراء:1)»، والمعراج حقيقة بالعين والقلب معا، واقرأوا لو شئتم قول الحق «وَالنَّجْمِ إذا هَوَى(1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى(2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى(4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى(6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الأَعْلَى(7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى(8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أو أَدْنَى(9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى(10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى(11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى(12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى(13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى(14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى(15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى(16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى(17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى(18)-النجم»، ولن يقف زمن التقدم ولكن يقف زمن التفكر عند بعض من يكذب.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news