العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢٠ - السبت ٢٠ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

اغتنام الفرص (4)

الجمعة ٠٤ مايو ٢٠١٨ - 10:08

بقلم: د. علي أبوهاشم

يتقلب الإنسان في حياته بين الضعف والقوة، وبين الصحة والمرض، وبين الغنى والفقر. ويرشدنا ديننا الحنيف لاغتنام الفرص وعدم ضياعها، فيكسب خيرا، ويؤدي شكر النعم التي أنعمها الله عليه وهي لا تُعد ولا تُحصى. يقول تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تُحصوها إن الإنسان لظلوم كفار. إبراهيم: 34. وشكر النعم استعمالها فيما وُضعت له، وعدم الانحراف بها أو الإفساد فيها، كما أن شُكر النعمة يزيد خيرها وبركتها، وجحود النعمة يمحق خيرها ويؤدي إلى زوالها. يقول تعالى: «وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد». إبراهيم:7. وقد شاءت إرادة الله تعالى أن يتفاوت الناس في الأرزاق، فهذا ضيق الله عليه في الرزق، وذاك وسع عليه، لحكمة يعلمها سبحانه، والكل مُبتلى في أمره أيصبر ويشكر أم يجزع وينكر ويتكبر؟ يقول تعالى: «والله فضل بعضكم على بعض في الرزق. فما الذين فُضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء». النحل: 71. ويقول تعالى: «قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء». آل عمران: 26. والمسلم في حالة يسره وغناه يشكر ربه، وينفق من مال الله الذي آتاه في كل وجوه الخير، فإن المال عارية مُستردة، وبهذا وعظ الرسول أصحابه وجميع أُمته فقال في حديثه اغتنم خمسا قبل خمس: وغناك قبل فقرك. أي واغتنم وقت غناك بالصدقات والإنفاق في كل وجوه الخير، ولا تخش من ذي العرش إقلالا، ولأن الأحوال متقلبة ومتغيرة، فاحرص على اغتنام هذه الفرصة. إن شُكر نعمة المال يكون بالتصدق والإنفاق في سبيل الله وفي كل وجوه الخير، ويكون بعدم الإسراف والتبذير المفسدين للأموال، والمسلم العاقل إذا أقبلت عليه الدنيا فإنه يجود بها على الناس، ويعلم أن الأحوال متقلبة ومتغيرة، فإذا أنفق العبد وتصدق بارك الله له في ماله وولده ورزقه من حيث لا يحتسب، وإن بخل فإنما يبخل عن نفسه، فتدبر أيها القارئ الكريم يحفظك الله ويرعاك ما قال حكيم: 

قدم لنفسك شيئا وأنت مالك مالك... من قبل أن تُصبح فردا ويكون لونك حالك. 

ولا تدري في أي المسالك سالك... إما لجنة عدن أو في المهالك هالك. 

ويقول آخر:

 إذا أقبلت عليك الدنيا فجد بها... على الناس واعلم أنها تتقلب. 

فلا الجود يفنيها إن أقبلت كلا... ولا البخل يبقيها إن تُدبر. 

ويقول تعالى: «ها أنتم هؤلاء تُدعون لتُنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخلُ ومن يبخل فإنما يبخلُ عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم». محمد:38. ويقول تعالى: «وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين». سبأ: 39. ويقول تعالى: «وما تُقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا». المزمل: 20. إن الصدقة برهان على صدق الإيمان، وبرهان على قوة اليقين بأن ما عند الله خير مما عند العبد، والمسلم يعلم أن المال مال الله، يؤتيه من يشاء، والعبد مُستخلف فيه، فهو يأخذ من مال الله وينفقه في سبيل الله، فإن فعل فاز وسعد وربح، وإن بخل خسر الدنيا والآخرة، فاغتنم أيها المسلم غناك بالصدقة والإنفاق في وجوه الخير، قبل أن يفنى المال ويأتيك الفقر والحاجة، ومن قبل أن يداهمك الموت فتتمنى أن يمهلك ملك الموت سويعات قليلة لتتصدق وتعمل من الصالحات، ولكن هيهات هيهات؟ كما قال تعالى: «وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين. ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون». المنافقون: 10-11. فاغتنم أيها المسلم فرصة غناك وفرصة حياتك، وتدبر ما جاء في الحديث القدسي الذي رواه البخاري ومسلم عَنْ أبي هُرَيرَةَ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْفِقْ، أُنْفِقْ عَلَيكَ، وَقَالَ: يدُ اللهِ مَلأَى لاَ تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يغِضْ مَا فِي يدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيدِهِ الْمِيزَانُ يخْفِضُ وَيرْفَعُ. ومعنى سحاء: خيره متواصل وكثير لا نهاية له، ومعنى لا يغيضها: لا ينقصها. واعلم أيها القارئ أن الدنيا هينة عند الله تعالى ولا تُساوي جناح بعوضة، وأن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أعطاه بحظ وافر. أخرج الحاكم في المستدرك بسنده عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيفَةِ فَرَأَى شَاةً شَائِلَةً بِرِجْلِهَا فَقَالَ: أَتَرَوْنَ هَذِهِ الشَّاةَ هَينَةً عَلَى صَاحِبِهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيدِهِ، لَلدُّنْيا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ. فاغتنم أيها المسلم غناك قبل فقرك، فلا تجمع المال وتتركه لورثتك من بعدك يتمتعون به وتُحاسب أنت عليه، فإن أديت حق الله فيه وتصدقت منه كان خيرا لك في الدنيا والآخرة، وبركة لورثتك يصلون به الرحم، وينفقونه في وجوه الخير، فكان خيرا لكم جميعا، وكان نعم المال الصالح للرجل الصالح. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news