العدد : ١٤٨٧٨ - الاثنين ١٧ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٨ - الاثنين ١٧ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

اليابان وقوة المشاة البحرية.. أي دلالات للأمن الإقليمي الخليجي؟

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الثلاثاء ١٧ أبريل ٢٠١٨ - 01:20

في السابع من أبريل الجاري أعلن الجيش الياباني تشكيل أول وحدة من مشاة البحرية «المارينز» وذلك للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، وتضم تلك الوحدة 2100 عنصر وتم تفويضها من جانب الجيش الياباني للدفاع عن الجزر البعيدة واستعادتها في حالة الغزو، ووفقًا لمصادر يابانية فإنه يتوقع أن تزداد تلك القوة إلى 3 آلاف فرد مستقبلاً، وواقع الأمر أن ذلك القرار بالرغم من كونه تطورًا نوعيا في السياسة الدفاعية اليابانية وخاصة على صعيد عمل القوات العسكرية خارج الأراضي اليابانية فإنه لم يكن المؤشر الأول على توجه اليابان لإحداث تغيير شامل على عقيدتها العسكرية ابتداءً بموافقة البرلمان الياباني في عام 2015 على قوانين من شأنها إضفاء تفسير جديد للمواد الخاصة بسلمية اليابان والتي تحظر استخدام الوسائل العسكرية في تسوية خلافات دولية، حيث أملت التطورات الدولية الراهنة حتمية ذلك التحول وهو ما أشار إليه وزير الدفاع الياباني بالقول «اليابان يجب أن تكون قادرة على التعامل مع بيئة أمنية تزداد تعقيدًا»، ومرورًا بإرسال اليابان مدمرة في مايو 2017 لمرافقة سفن حربية أمريكية قبالة طوكيو في ظل تصاعد الصراع في شبه الجزيرة الكورية وانتهاء بزيادة ميزانية الدفاع ضمن موازنة السنة المالية 2018 - 2019 حيث بلغت قيمة الإنفاق الدفاعي 5190 مليار ين «39 مليار يورو».

وعلى الرغم من أن قرار اليابان تأسيس قوة المشاة البحرية يأتي في سياق النزاع بين اليابان والصين على بعض الجزر غير المأهولة في بحر الصين الشرقي، فضلاً عن التهديدات المباشرة التي تواجه الأمن القومي الياباني ومنها أزمة كوريا الشمالية فإنه من منظور استراتيجي يأتي ذلك التغير ضمن توجه ياباني شامل لا يقتصر على البعد الجغرافي وإنما يتخطى ذلك لحماية المصالح الحيوية لليابان وإدراكها ضرورة التواجد في مفاصل الأمن الإقليمي والأمن العالمي من خلال جنود يابانيين وعدم الاعتماد على قوى أخرى لحماية تلك المصالح وهو ما عكسه مؤشران، الأول: الوجود الياباني في جيبوتي من خلال قاعدة عسكرية تم تأسيسها عام 2010، حيث تسعى اليابان لأن تكون جزءًا من الجهود الدولية لتأمين الممرات البحرية الحيوية مثل باب المندب في ظل حقيقة مؤداها اعتماد اليابان على 80% من وارداتها من النفط من منطقة الشرق الأوسط، بل إن استراتيجيات الأمن القومي اليابانية قد جعلت من تأمين تلك الممرات أولوية قصوى، والثاني: أنه في ظل تحدي الإرهاب والذي أضحى خطرًا يطول الدول كافة، فقد سادت لدى اليابان قناعة مفادها أن تكون جزءًا من الجهود الدولية لمواجهة ذلك الخطر، وكان ذلك منذ وقت بعيد حيث أيدت اليابان الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب منذ أحداث سبتمبر عام 2001 إلا أن التحول الأكبر في الرؤية اليابانية كان عام 2015 عندما قام تنظيم داعش بإعدام رهينتين يابانيتين بعدما طالب الحكومة اليابانية بفدية قدرها 200 مليون دولار.

ومع أهمية تلك الرؤية اليابانية فإن التساؤل المهم هو ما هي دلالات ذلك بالنسبة للأمن الإقليمي عمومًا وأمن الخليج على نحو خاص؟ وتمتد الإجابة عن ذلك التساؤل إلى عام 1991 حيث لم تكن اليابان بعيدة عن الأزمات الإقليمية، فقد كانت جزءًا من التحالف الدولي لتحرير دولة الكويت من خلال مساهمات مالية بلغت ثلاثة عشر مليار دولار، كما أرسلت اليابان مئات العربات البرية، فضلاً عن عدد كبير من الفرق الطبية، والمستشفيات الميدانية المتنقلة، بل إنه في أعقاب تحرير الكويت أرسلت اليابان فرقًا متخصصة في مجال البيئة لإزالة ما لحق بها من تلوث جراء الغزو، وفي الوقت الراهن لليابان دور مهم تجاه الأزمة السورية، ففي كلمته أمام مؤتمر حوار المنامة الذي عقد في ديسمبر 2017 قال تارو كونو وزير الخارجية الياباني والذي شارك للمرة الأولى في ذلك الحوار: إن «اليابان وفرت مساعدات إنسانية لسوريا بقيمة 21 مليون دولار وسوف تتجاوز 100 مليون دولار، بإجمالي 300 مليون موزعة بين سوريا والعراق والنازحين في البلدين، كما أشار إلى الدعم الذي ستقدمه اليابان إلى العراق في مجال الأسلحة وإيجاد فرص العمل والتدريب ودعم المشروعات الناشئة».

وبرأيي أن هذا التوجه الجديد لليابان يعد أمرًا مهمًّا بالنسبة إلى أمن الخليج والأمن الإقليمي في ظل أهمية تضافر منتجي ومستهلكي النفط في تأمين طرق المرور البحرية التي لا تقتصر على نقل النفط فحسب إذ لم يكن مستغربًا مشاركة اليابان في الجهود الدولية لمكافحة القرصنة في خليج عدن، حيث أرسلت غواصات وقطعا بحرية لهذا الغرض في عام 2008 انطلاقًا من وضع الحكومة اليابانية تأمين الممرات المائية على سلم أولوياتها خلال السنوات الأخيرة وخاصة أن اليابان تعد من أكبر دول العالم استيرادًا للنفط من خلال مضيق هرمز وخاصة أنه سبق أن تعرضت ناقلة نفط يابانية والتي كانت تحمل 270 ألف طن من النفط الخام لاعتداء في عام 2010 في ذلك المضيق لهجوم من تنظيم القاعدة بيد أن الحادث لم يسفر عن خسائر بشرية أو تسرب من ناقلة النفط، ولا تقتصر أهمية المضائق البحرية على النفط فحسب، فدول الخليج على سبيل المثال تعتمد على الصادرات اليابانية في قطاعات السيارات ومعدات النقل والأجهزة الإلكترونية بنسبة 75%.

ومجمل ما سبق أنه في ظل التحديات الأمنية المزمنة التي تواجه الأمن الإقليمي عمومًا وأمن الخليج على نحو خاص فإن الشراكات الدولية تبقى مهمة للحفاظ على هذا الأمن بوجه عام وأمن الممرات البحرية على نحو خاص، وأتصور أن اليابان كقوة صاعدة بإمكانها الإسهام بالكثير من الجهود في هذا الشأن في ظل وجود تحديات أمنية مشتركة تملي تضافر الجهود كافة لمواجهتها. 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية بمركز

 البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news