العدد : ١٤٨٧٧ - الأحد ١٦ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٧ - الأحد ١٦ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الجبر والاختيار في الثقافة الشعبية

بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل

الجمعة ١٣ أبريل ٢٠١٨ - 11:44

نؤكد مرة أخرى على الهدف من هذه اللقطات وهو قياس المسافة الفاصلة بين الفهم الصحيح لأحكام القرآن وبين فهم العامة وثقافتهم في هذا المجال. 

يغلب على فهم العامة لمسألة الجبر والاختيار وهي مسألة دقيقة وفلسفية جانب واحد من هذه المسألة وهو التسليم المطلق بكل ما يحدث على أساس أنه قضاء وقدر ومن مقتضيات الإيمان التسليم الكامل به، واستمر هذا المفهوم من تطوير مفهوم القدرية في كل شيء فكل شيء بقدر، ومادام الله هو مسير كل أمر فلا دخل للإنسان فيه، وهكذا غلبت نظرية الجبر في هذه المسألة. وقد وجد رجال الدين والحكام ضالتهم في تكريس هذا المفهوم لأنه في صالحهم ويكرس الخضوع الكامل من جانب العامة للحاكم مادام الله هو الذي اختاره بتفسير معين للآية الكريمة «... تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء». كذلك استند رجال الدين في حمل العامة على طاعة ولي الأمر في كل شيء حتى فيما يضرهم وأبدعوا في تخريج ذلك كلما أجزل الحاكم العطاء لرجال الدين طيلة التاريخ الإسلامي بأكمله. فالتسليم لله ولقدره يقتضي التسليم للحاكم، وما أصاب الناس فمن أنفسهم، وأما الخير فمن الله والحاكم. وتحفل آيات القرآن ونصوصه بهذه الأحكام التي فسرت للعامة تفسيرات مغرضة، من ناحية حفاظًا على رضا الحاكم وتوقي سخطه وطمعًا في عطائه، ومن ناحية أخرى لأن المفهوم يدق على أفهام العامة، فلا سبيل إلى مناقشة المفهوم خاصة وأنه عند رجال الدين يدخل في باب الفلسفة وهو باب الشيطان، فلا يحسن الإبحار فيه. 

تلك هي الخلفية الدينية والظروف التي أحاطت بفهم العامة لمسألة الجبر، ولا يوجد لديهم اختيار تأسيسا على تفسير مغرض أيضًا للأحكام التي تؤكد أنه ما كان لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له الخيرة من أمرهم. والصحيح أنه أمام النص القرآني أو السنة الواضحة فلا اجتهاد وإنما تسليم.

أما الفهم الصحيح لمسألة الجبر والاختيار وهي بالفعل من مسائل الفلسفة الإسلامية التي اجتهد فلاسفة الإسلام ومفكروه في صددها فيما حفلت به المجلدات، فهو أن الله سبحانه وتعالى بما اختص نفسه به من علم كل شيء، ما من ورقة تسقط من شجرة وما تحمل كل أنثي وما تغيض الأرحام ويعلم سرنا ونجوانا ويعلم ما توسوس به أنفسنا، فإن هذا العلم ينقسم إلى قسمين: قسم مفروض لا سبيل إلى دفعه لأنه قضاء وقدر وإن عرفت أسبابه الظاهرة، وقسم آخر هو ما يأتيه الإنسان نفسه من تصرفات في مسيرة حياته وهو أيضا في علم الله لكنه ليس قدرا مقدورا.

ويختلط القسمان عند العامة في قوله تعالى: وفي السماء رزقكم وما توعدون، كما يختلط بأحكام القرآن المؤكدة بأن «من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا». فأفعال العباد كلها سواء الاختيارية أو الإجبارية يعلمها الله، فالهداية إلى الحق وتجنب الباطل قرار من الله أيضا، ولكن يسبقه قرار الإنسان. فالله سبحانه الخالق الرزاق المتصرف، ومع ذلك يحترم إرادة الإنسان حتى في مسألة الإيمان والكفر: «... من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، ولذلك وهبه العقل للتمييز كما ألهم النفس الفجور والتقوى، والإنسان هو الذي يتعامل معها بالتماشي أو الصد. ويحب الله أن يأتيه الإنسان طائعا واعيا مختارا وأن يعبده ويؤمن به عن بصيرة؛ لأنه سبحانه ليس بحاجة إلى عباده ونحن الفقراء إليه.

في هذه الزاوية نسجل أربع ملاحظات: الملاحظة الأولى هي أن الإنسان إذا اختار الكفر أو الإيمان وأصر على اختياره ختم الله على قلبه فلا يدخل الإيمان إذا اختار الكفر ولا يدخل الكفر إذا اختار الإيمان. الملاحظة الثانية أن باب التوبة مفتوح في كل وقت إذا قرر الإنسان أن يؤوب إلى الله فيهديه الطريق والوسيلة، والهداية في كل حال.

الملاحظة الثالثة: هي أن الأعمال بخواتيمها، فقد يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، والعكس، المهم اللحظة التي يغادر فيها الدنيا، ولذلك حثنا القرآن على أن نطلب من الله أن يميتنا على الإيمان والهدى، وأوصانا بألا نموت وإلا ونحن مسلمون، فالأعمال بخواتيمها.

الملاحظة الرابعة: هي أن الهداية من الله ولكن للإنسان دخل في هداية الإنسان إليها «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير». 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news