العدد : ١٤٨١٩ - الجمعة ١٩ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٩ - الجمعة ١٩ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الدر المنثور في الكتاب المكنون (17) القلب والعقل

الجمعة ١٣ أبريل ٢٠١٨ - 11:38

بأيماننا نوران ذكر وسنة فما بالنا في حالك الظلمات نستهل حديثنا بهذا البيت الشعري الذي ينضح أسى ويتعمق الوجع بتوالي الأيام وتعاقب السنين بسبب استقالة العقل العربي الإسلامي والنوران بين أيدينا، مولين ظهورنا لهما مستكينين لجهود من سبقونا في النور الأول «القرآن» الذي لا تُرجى منه فائدة من دون الإنسان الذي تفرد بنفخ الروح من لدن الحكيم العليم وصار بذلك النفخ إنسانًا بعد أن كان بشرًا يشكل أُمة كبقية الأُمم التي خلقها الله، والتكريم الرباني بالنفخ أعقبه مباشرة الاستخلاف وعمارة الكون وإحياء الأرض بتفعيل ميزة الإنسان العظمى التي لا تعدلها ميزة.

بالاعتماد على قاعدة: أن قراءة النصوص بعين لا يغطيها القذى وبعقل لا تعتقله الخرافة والسطحية لهو الكفيل بإحياء الحرف القرآني الميت وسيظل ميتًا وخارج الحياة من دون عقول ورثة القرآن، من تلك القاعدة نحاول -أقول نحاول- قراءة وتعقل معنى العقل والقلب في محكم التنزيل الحكيم، ذلك النور الذي اشتُق منه النور الثاني «سنة المصطفى الهادي» عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وجُل الاهتمام مُنصب على مفردة القلب التي حُرفت عن مسارها الطبيعي وبالتالي ستأتي مفردة العقل كتحصيل حاصل. كخطوة أُولى لا محيص عنها التعرض لأصل الكلمة اللغوي، فهي في اللسان العربي ذات أصلين صحيحين، الأول جاء من الجذر الثلاثي «ق ل ب» وتعني أشرف وأخلص ما في الشيء، والأصل الثاني رد الشيء من جهة إلى أُخرى، وبالنظر إلى المعنى الأول مدار ومحور البحث نلحظ أنّ قلب الإنسان سُمي قلبًا لأنه أنبل ما في الإنسان وأرفعه قدرًا، هكذا تفضل السادة فقهاء اللغة بتعريف مفهوم القلب، وحتى تكتمل الفكرة التي نصبو إليها فلننظر إلى استعمالات الكتاب الحكيم لهذه المفردة ثم نخلص إلى ما نميل إليه بتوفيق من الله.

من سورة الحج والآية 46 ندلف إلى صُلب الموضوع حيث يقول الله وقوله الحق: «أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور»، هنا لا حيلة لنا إلا أن نطرح السؤال الآتي: إذا كان الارتباط بين العين والبصر بديهي وكذلك بين الأُذن والسمع فهل الارتباط طبيعي بين القلب الوارد في الآية والمضخة الدموية أم منسجم مع معنى العقل والتفكير؟ وبالبحث وقفنا على الآية 179 من الأعراف: «ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أُولئك كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلا»، في هذه الآية الكريمة مع القلب استخدم الفقه الذي يعني إدراك الشيء والعلم به، بينما في الآية التي سبقتها قرن مع القلب العقل بمعنى تمنعهم عن ذميم الفعل «الكفر والنكران بدل الإيمان».

وحين يقول الحق في آية سورة الحج آنفة الذكر «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» فالصدر بحسب اللسان العربي لا يعني ما ذهب إليه الناس من أنه القفص الصدري الذي يحوي ويحمي القلب، بل الصدر هو أبرز ما في الإنسان، وهل يوجد أبرز وأظهر من مقدمة الرأس التي تضم جوهرة الإنسان ومصدر إنسانيته «العقل»، وللصدر معنى آخر في اللسان العربي «ضد الوِرد» كقوله سبحانه «يومئذ يصدر الناس أشتاتا» (الزلزلة: 6)، وكذلك في قوله تعالى «قالتا لا نسقي حتى يُصدر الرعاء» (القصص: 23)، ومن معاني الصدر أيضًا «صدر الإنسان» المتضمن القفص الصدري وبهذا المعنى قال تعالى: «ومن يُرد الله أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصَّعد في السماء»، فالعلاقة علمية ومباشرة بين الصعود وضيق النفس، فلا يمكن إلا أن يُحمل المعنى على انه القلب تلك المضخة المسؤولة عن توزيع الدم، والسياق هو حاكم مستبد هنا لكل ذي حِجر، وأيضًا السياق الآتي حاكم لا يقبل إلا بإعمال العقل كخطوة سابقة على التسليم المُطلق وهو من سورة العنكبوت 49: «بل هو آيات بينات في صدور الذين أُوتوا العلم». يا تُرى أين يكون مستودع العلم؟ في الدماغ «العقل» أم الصمامات والشرايين التي تعمل بصورة قدرية لا يد للإنسان بها «لا إرادية» ضمن القوانين التي أودعها الحق سبحانه وتعالى في الوجود.

وقد يعِن على قلب البعض الآية «الذي يوسوس في صدور الناس» صدور الناس هم علية القوم من خلال انسجام السياق مع المعنى اللغوي، وقبل فض الاشتباك أرى من الضرورة بمكان المرور والتوقف للنظر في قوله سبحانه «بلى ولكن ليطمئن قلبي»، ولا املك إلا التساؤل حول الطمأنينة من جانب، أي تأتي مِن جانب العقل والتفكير أم من جانب القلب؟ فالطمأنينة هي نتيجة لسبب هو التفكير الذي أكسب سيدنا إبراهيم الإمامة مِصداقًا لقوله «إني جاعلك للناس إمامًا» (البقرة 124)، والخليل لم يكن إمامًا بالتكوين بل أصبح إمامًا اكتسابًا بدليل استعمال الحق للفعل «جعل» الذي يعني التغير من حالة إلى حالة، ففطنته عليه السلام وقلبه السليم «عقله السليم» التفكير المنطقي هو الذي أهلَه لأن يكون إمامًا، والشواهد على تعزيز هذا الرأي يمكن الرجوع إليها في مواقع مختلفة في القرآن الكريم تحدثت عن حكمة خليل الله، ما جعله بهذه المكانة المرموقة للناس وليس للمسلمين ولا للمؤمنين من دون غيرهم.

الشواهد القرآنية أكبر من أن تحتملها جغرافية المقال، ومع ذلك نستميح القارئ عُذرًا بإيراد الآية الكريمة رقم 4 من سورة (الحشر): «تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى»، هذه الآية تصف حالة بني إسرائيل تنازعتهم الخلافات الفكرية وتجاذبتهم الآراء حتى وقعوا في فخ الاستقطاب فتفرقوا شيعًا وأشتات نتيجة تلك الخلافات وما يعاضد هذا قوله سبحانه «فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم»، وكذلك الآية «ثم قست قلوبكم» تكلست عقولهم وتصلبت ولم تتصلب شرايينهم. ومما يجدر التوقف عنده لحسم الموقف بحسب ما نرى وليس بالضرورة أنه الصواب الكامل ولا هو القول الفصل في هذه الجزئية القرآنية نورد الآية 24 من سورة محمد: «أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها»، وقفتنا هنا مُكثفة غاية التكثيف في السؤال: أين يكون التدبر؟ 

على حدود النص: العضو الذي يحدد شخصية الإنسان هو الدماغ مركز التفكير على ما يصف شيخنا الزمخشري رحمه الله بأن: «القلوب مراكز العقول»، لذا ما سمعنا يومًا أن شخصًا يحمل دماغين وإلاّ تجاذبته شخصيتان فلا نعلم مع مَن نتعامل ولكن سمعنا بتشوهات خَلقية كثيرة في كل الأعضاء بما فيها مضخة الدم «القلب»، أفلا يرجح هذا أنّ معنى «قلبين» في قول الله تعالى في الآية 4 من سورة الأحزاب «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه» هو الدماغ الذي به عرفنا عجائب قدرة الله التي طأطأت لها أدمغة العلماء من شتى الملل والنِحل.

عاطف الصبيحي 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news