العدد : ١٤٧٣٠ - الأحد ٢٢ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٣٠ - الأحد ٢٢ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

أمن الطاقة: رؤية استراتيجية

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الأربعاء ١١ أبريل ٢٠١٨ - 01:20

بغض النظر عن سعي العديد من الدول لإيجاد بدائل للنفط فإن الحقيقة الثابتة هي أنه لا يزال عصب الاقتصادات في تلك الدول وسيظل كذلك ربما لعقود قادمة، ومن ثم فإن تأمين ذلك المورد الحيوي أمر يهم المنتجين والمستهلكين على حد سواء، بل إن الدول الكبرى لطالما جعلت من تعطل إمدادات النفط لها خطًّا أحمر وهو ما تجلى في سابقتين تاريخيتين الأولى: خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات عندما قامت إيران باستهداف ناقلات النفط الخليجية، الأمر الذي حدا بتلك الناقلات برفع علم الولايات المتحدة من أجل حمايتها حيث تمكنت إدارة الرئيس ريجان من تأسيس ائتلاف لذلك الهدف وتمكنت الدول الحليفة من أسر بعض السفن الإيرانية التي كانت تقوم بزرع ألغام مضادة في مياه الخليج العربي، والثانية: في عام 1991 عندما قادت الولايات المتحدة تحالفًا دوليا لتحرير دولة الكويت وإجهاض مساعي النظام العراقي للسيطرة على نفط الكويت وتهديد الدول الخليجية الأخرى.

ومع التسليم بأن تهديد أمن الطاقة قد بلغ ذروته خلال الحربين المشار إليهما فإن التهديدات الراهنة تعد غير مسبوقة سواء بالنسبة لمنابع النفط أو طرق المرور على حد سواء من جانب الميلشيات الإرهابية المسلحة ليس أقلها إعلان الميلشيات الحوثية نيتها استهداف شركة أرامكو بالمملكة العربية السعودية، الأمر الذي يرفع درجة المخاطر بشكل كبير وخاصة أن تلك الجماعة لديها سابقة اعتداء بحري عندما قامت بإطلاق صاروخ في 9 أكتوبر 2016 استهدف مدمرة أمريكية قبالة السواحل اليمنية، الأمر الذي حدا بالمدمرة الأمريكية للرد بإطلاق صواريخ توما هوك استهدفت مواقع لرادارات تابعة للحوثيين، بما يعني أن تلك الجماعة ربما تقوم مستقبلاً باستهداف ناقلات النفط عبر باب المندب ومن ثم فإن مخاطر أمن الطاقة تطول المنابع وطرق المرور معًا، فالمنابع كانت هدفًا لتلك الجماعات ابتداءً بحادث حقل غاز أميناس في الجزائر عام 2013 عندما قامت مجموعة مسلحة بمحاولة الاستيلاء على ذلك الحقل حيث قام الجيش الجزائري باقتحام الحقل، ما أسفر عن مقتل 32 إرهابيًا وكذلك 23 رهينة، ومرورًا بقيام تنظيم داعش بتهريب النفط كمصدر رئيسي لتمويل عملياته في سوريا والعراق، وانتهاء بقيام الجماعات المسلحة في ليبيا بإغلاق بعض حقوق النفط بل وإحراق البعض الآخر، وجميعها سوابق ترفع درجة الإنذار القصوى، وفي الوقت نفسه لم تكن طرق مرور النفط ببعيدة عن التهديدات سواء من جانب الدول حيث هددت إيران أكثر من مرة بإغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط خلال مفاوضاتها النووية مع الدول الغربية، أو من خلال المليشيات الحوثية المدعومة من إيران حيث سعت تلك الجماعات للسيطرة على باب المندب إلا أن قوات التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن قد أجهضت تلك المحاولات، وعلى الرغم من الإجراءات الاحترازية التي تتخذها العديد من الدول فإن الممرات الحيوية لنقل الطاقة ربما ستكون الهدف التالي لعمل الجماعات الإرهابية وذلك لفداحة خسائرها وسهولة استهدافها.

ومن ثم لم يكن أمرًا مستغربًا أن يكون أمن الطاقة بندًا رئيسيا في استراتيجيات الأمن القومي للدول الكبرى بل والمنظمات الدفاعية أيضًا مثل حلف شمال الأطلسي «الناتو»، فقد نص المفهوم الاستراتيجي الصادر عن الحلف عام 2010 على ذلك بوضوح وجاء فيه: «في ظل تزايد اعتماد دول الحلف على الطاقة التي تنقل عبر طرق العبور الحيوية في العالم، فضلاً عن كونها ممرات للتجارة فإن ذلك يتطلب جهودًا كبيرة لضمان القدرة على التعامل مع أي هجوم أو محاولات تعطيل الإمدادات والتي تظل أمرًا محتملاً، كما أن حماية البنى التحتية وخطوط النقل والتعاون مع الشركاء جميعها أمور أساسية تتطلب وضع رؤى استراتيجية ومخططات للطوارئ».

ويعني ما سبق أن هناك مصلحة أكيدة لكل من المنتجين والمستهلكين للحفاظ على أمن الطاقة والتي تتمثل برأيي في ثلاثة أمور أولها: تشديد الحماية على آبار وشركات النفط من خلال قوات أمن ذات تأهيل عالي المستوى ليس فقط لحماية تلك الآبار بل أن يكون لديها القدرة على العمل خلال الأزمات والطوارئ والتدريب على سيناريوهات محتملة. صحيح أن حماية أنابيب النفط أمر مكلف كما يقول مسؤول سابق في حلف الناتو «إن حماية 1000 كم يتطلب وجود ما لا يقل عن جنديين كل 50 مترا أخذًا في الاعتبار أنه يتعين استخدام جنديين آخرين على الأقل للتناوب على الحراسة، وحتى في ظل ذلك الوضع فإن هجومًا ينفذه 50 مسلحًا قد يؤدي إلى دمار خط الأنابيب»، إلا أن ذلك لا ينفي أهمية اتخاذ المزيد من الإجراءات الاحترازية، وثانيها: حث الدول الكبرى على اتخاذ إجراءات حاسمة لقطع إمدادات الأسلحة الإيرانية عن المليشيات الحوثية من خلال القوات الدولية الموجودة في خليج عدن والتي لديها خبرة ممتدة بشأن طرق وأساليب التهريب المختلفة، وثالثها: الاستمرار في دعم وتطوير القوات البحرية الخليجية وخاصة فيما يتعلق بالزوارق الصغيرة المتطورة لتتمكن من رصد حركة المهربين، فضلاً عن بحث تطوير عمل القوات البحرية الخليجية عمومًا لتكون على غرار قوة المسعى النشط والتي أسسها حلف الناتو في أعقاب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتضم عشر سفن تدعمها غواصات وطائرات وتختص بتفتيش السفن التي يشتبه بقيامها في القيام بأعمال التهريب في حوض البحر الأبيض المتوسط.

وأتصور أن استمرار تلك الجماعات في تهديد أمن الطاقة لن يكون له آثاره الوخيمة على ذلك القطاع فحسب بل على معادلة الأمن الإقليمي برمتها والذي يعد جزءًا لا يتجزأ من الأمن العالمي، حيث تستهدف تلك الجماعات تقويض أسس الدول وتجد في المرافق الحيوية ضالتها بما يفرضه ذلك من حتمية اتخاذ المزيد من الإجراءات الاستباقية تفرضها سوابق الماضي وتتطلبها مستجدات الحاضر ليس فقط لحماية أمن الطاقة بل الأمن الإقليمي عمومًا.

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية بمركز

 البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news