العدد : ١٤٧٢٩ - السبت ٢١ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٩ - السبت ٢١ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

الخدمات اللوجستية.. مفهومها وأهميتها وواقعها بمملكة البحرين (1)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون

الأربعاء ١١ أبريل ٢٠١٨ - 01:20

في التاسع من يناير 2018 عقدت اللجنة التنسيقية برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد نائب القائد الأعلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء اجتماعا لمناقشة تطوير خدمات النقل والمواصلات في مملكة البحرين، وقد وجه سمو ولي العهد بضرورة التركيز على مواصلة تطوير القطاع اللوجستي باعتباره أحد القطاعات ذات الأولوية الاقتصادية. كما سبق ان وجه سموه (عام 2015) بتشكيل مجلس البحرين اللوجستي الذي يضم ممثلي جميع الجهات المعنية بالقطاع. علاوة على ذلك فإن البحرين تمتلك منطقة لوجستية حرة تقدم خدمات لوجستية خالية من الرسوم الجمركية، وتتمتع بموقع استراتيجي بالقرب من ميناء خليفة بن سلمان، فماذا نعني بالقطاع اللوجستي؟ وما أهميته الاقتصادية؟ وهل يمكن ان يكون احد القواعد الحيوية لتحقيق التنمية المستدامة في البلاد؟ هذا ما سنتناوله بالتحليل من خلال عدد من المقالات إن شاء الله، مبتدئين بالتأصيل النظري للقطاع اللوجستي، حيث تعرف اللوجستية Logistics بالعربية بأنها فَنُّ السَّوْقِيَّات، وهي فن وعلم إدارة تدفق الإمداد (السلع، الطاقة، المعلومات، الموارد البشرية وغيرها) من منطقة الإنتاج إلى السوق. 

وقد عرفها مجلس إدارة اللوجستيات في الولايات المتحدة الأمريكية (منظمة تجارية) عام 1991 بأنها «عملية التخطيط والتنفيذ والتحكم بالتدفق والتخزين للسلع والخدمات والمعلومات من المنشأ إلى منطقة الاستهلاك خدمة للمستهلك. كما عرفت بأنها تخطيط وتنظيم وتحكم في كل عمليات الترحيل والتخزين التي تسهل تدفق السلع من نقاط المواد الخام حتى المستهلك النهائي مع عمليات تدفق المعلومات المصاحبة لذلك، لأجل تأمين مستوى خدمة مناسب للمستهلك وتحقيق عوائد مناسبة للشركة تتسق مع النفقات المحتملة لمقاومة عقبات الزمان والمكان ومتطلباتهما. ومما ينبغي ذكره ان أول ظهور لمفهوم الخدمات اللوجستية كان في القطاع العسكري، لذا فقد عرفها قاموس أكسفورد بأنها فرع من العلوم العسكرية تختص بتدبير ونقل والحفاظ على الذخائر والأفراد والمواد ووسائط النقل، وقد ظهر أول استخدام للمصطلح في الجيش الفرنسي عام 1905، الذي اهتم بقطاع الخدمات اللوجستية وسعى إلى تطويرها بهدف تأمين وصول المؤن والذخائر والأسلحة في الوقت المناسب، وبأفضل الطرق الممكنة وأقصرها. وفي الحرب العالمية الثانية اهتم الحلفاء بهذا القطاع وكان احد العوامل التي أسهمت بتحقيقهم النصر. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ظهرت دراسات علمية عديدة هدفت إلى تطبيق الخدمات اللوجستية في قطاع الأعمال Business Logistics، واتضح منها ان نسبة 40% من تكاليف إنتاج سلعة ما، في الدول المتقدمة ناجم عن الأنشطة اللوجستية. ولما كانت اغلب الشركات في الدول المتقدمة تستخدم تقنيات إنتاجية متشابهة، أصبح من غير الممكن تحقيق الميزة التنافسية أو تعزيزها إلا من خلال خفض كلفة الخدمات اللوجستية والتي تتضمن الأنشطة الداعمة للعملية الإنتاجية سواء السابقة للإنتاج مثل شراء المواد الأولية، ونقلها، تخزينها، والتأمين عليها، والقيام بالعمليات البنكية اللازمة لها أو الأنشطة التي تتم أثناء عملية الإنتاج كعمليات المناولة الداخلية أو العمليات التي تتم بعد الانتهاء من الإنتاج وتتمثل في التعبئة والتغليف والترويج والتخزين والنقل والتأمين وخدمات ما بعد البيع. 

وتتميز الخدمات اللوجستية بأنها تتم على نحو تكاملي للاستفادة من اقتصاديات الحجم Economics of Scale وتتم في إطار نظم المعلومات.

أصبحت الخدمات اللوجستية تشكل أهمية كبيرة ومتزايدة بالنسبة للعديد من منظمات الأعمال والدول، باعتبارها عملية أساسية تؤدي إلى تحقيق قيمة مضافة للسلع والخدمات، وعندما أيقنت هذه الدول والمنظمات أن الطريق نحو تدعيم المركز التنافسي وتحقيق الميزة التنافسية، وزيادة الأرباح إنما يبدأ من خدمة العملاء، وخفض التكاليف، بدأت في تطبيق قواعد الإدارة اللوجستية. وعموما ينبع الاهتمام المتزايد بالخدمات اللوجستية من عوامل عديدة منها: طول خطوط الإمداد والتوزيع بفعل الانفتاح الاقتصادي والعولمة، وارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية كنسبة من أجمالي تكاليف منظمات الأعمال، واعتبارات خاصة باستراتيجيات التمايز للشركات، وتزايد رغبة العملاء في الحصول على استجابة مناسبة وسريعة في توفير طلبياتهم من السلع والمعلومات، كما ان الخدمات اللوجستية تضيف قيمة مضافة اعتبارية لدى العملاء، وغيرها. 

وعلى صعيد التجارب التنموية لعبت الخدمات اللوجستية دورا مهمًّا في تحقيق التنمية للعديد من دول العالم على الرغم من تواضع مقوماتها التنموية الأخرى، فمثلا كانت سنغافورة دولة منخفضة الدخل، ومحدودة الموارد، تفتقد العديد من أساسيات البنية التحتية والاستثمارات وفرص العمل، الا ان ذلك تغير كليا بعد ان ركزت في تنميتها على توفير أفضل متطلبات الخدمات اللوجستية في مينائها، وبعد عقود قليلة، أصبحت سنغافورة واحدة من أغنى بلدان آسيا ، نتيجة لاحتضانها أكبر ميناء للحاويات العابرة في العالم، والذي يرتبط بأكثر من (600) ميناء حول العالم. وقد تمكنت إدارة الميناء من بناء واحدة من أكثر شبكات النقل البحري كثافة في العالم، وأبرمت العديد من اتفاقيات التجارة الحرة مع أكثر من (30) شريكا تجاريا لتعزيز سبل دخولها إلى الأسواق الرئيسية، ما حفز الشركات في سائر سلسلة الخدمات اللوجستية على العمل من سنغافورة، حيث إنه من خلال شبكات الربط مع شركائها التجاريين تستطيع الوصول إلى الأسواق العالمية سريعا وبأقل كلفة ممكنة وبخدمات تنافسية عالية. ومما ساعد سنغافورة على النجاح، ريادتها في الجمع بين مجموعة عناصر هي: شبكات الربط مع اغلب موانئ العالم، البنية التحتية العالمية المستوى، وبساطة ودقة وسرعة الإجراءات، ومشاركة القطاع الخاص في القرارات الاستثمارية، وهذه العناصر تمثل منظومة متكاملة لتفوق ونجاح الخدمات والمناطق اللوجستية.

وعلى الصعيد العربي تتميز دولة الإمارات العربية باتساع قطاع الخدمات اللوجستية حيث يبلغ عدد الشركات العاملة في هذا القطاع في إمارة دبي وحدها نحو (11178) شركة، تتوزع على ثمانية أنشطة، تشمل كلا من نقل المواد العامة بالشاحنات الثقيلة، ونقل المواد العامة بالشاحنات الخفيفة وخدمات الشحن البحري للبضائع وخدمات الشحن الجوي للبضائع والتخليص الجمركي وخدمات تحميل وتفريغ البضائع وخدمات حزم البضائع والتخزين في مخازن عامة. وتحتل دولة الإمارات العربية المتحدة المرتبة 13 عالميا والأولى شرق أوسطيا في مؤشر أداء الخدمات اللوجستية التجارية لعام 2016، مقارنة بالمرتبة الـ 27 عالميا في التقرير السابق الصادر عن البنك الدولي، والذي صنف الدولة في المرتبة 19 عالميا في المتوسط خلال الفترة من 2010 حتى 2016 على المؤشر ذاته، الأمر الذي يعكس مستوى النشاط الذي تبذله الحكومة للارتقاء بالقطاع اللوجستي. وللموضوع بقية في مقال آخر إن شاء الله.

 

 ‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news