العدد : ١٤٦٣٩ - الأحد ٢٢ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٣٩ - الأحد ٢٢ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٣٩هـ

الثقافي

القصة في الخليج

بقلم: د. فهد حسين

السبت ٠٧ أبريل ٢٠١٨ - 01:30

(هذه الورقة المقدمة من الناقد الدكتور فهد حسين، دراسة طويلة قمنا باختصارها بحسب ما يناسب مساحة النشر). 

    إن موقع منطقة الخليج العربي جغرافيًا جعلها ملتقى لعدد من الحضارات والأقوام والثقافات، كالحضارة الهندية والفارسية واليونانية، بالإضافة إلى حضارات المنطقة مثل: حضارة بابل وبلاد الرافدين بالعراق، والحضارة الفينيقية في بلاد الشام، والحضارة الفرعونية في مصر، بل فرض الموقع الجغرافي على إحداث موانئ بحرية وبرية للتبادل التجاري والتعامل الاقتصادي، مع حدوث مواقع وأمكنة للتعاطي الثقافي، وبحصول المنطقة على هذه الحظوة الإستراتيجية التي أسهمت في استقبال تلك الحضارات المتعددة، والثقافات المتنوعة، واللغات المختلفة، أعطى أفراد مجتمع المنطقة رغبة التواصل والتلاقي من دون التلكؤ أو التراجع أو الوقوف؛ لأن بعض مناطق الخليج والجزيرة ذات قسوة في طبيعتها المناخية والتضاريسية، فإن هؤلاء الأفراد الذين يشكلون المجتمع الخليجي بكل فئاته وطوائفه وأعراقه ودياناته، كانوا مصرين على معرفة طبائع الشعوب القادمة إليه، والوقوف على ثقافاتهم وحضاراتهم، بل امتد ذلك إلى بناء علاقات اقتصادية وتجارية، ومع تطور هذه العلاقات ذات الطابع الثقافي باتت المنطقة محطة ثقافية زارها العديد من المثقفين العرب وغير العرب. 

   القصة في منطقة الخليج العربية فن من الفنون الحديثة ذات حالة إبداعية وخيالية، وذات ارتباط بالواقع المعيش في إطار إنساني، بل هو ضمن الفنون الإنسانية الأخرى التي تعبر عن تاريخ الإنسان والمكان والزمان، ويسعى إلى البحث عن جماليات فنية، وهي: توظف التقنيات القصصية لتحفر لنفسها (القصة الخليجية) بصمة في المشهدين الأدبي والثقافي بالمنطقة كما فعلت ذلك من قبل كل من القصة المصرية، والقصة العراقية، والقصة السورية، بالإضافة إلى دول المغرب العربي، وفي الوقت نفسه فإن هذا الفن لم يكن سهل التناول، وإنما هناك مخاطرة الولوج إليه لحداثته وتعقيد بنائه ومعرفة نماذجه المتعددة بين القصة الطويلة، والقصيرة، والقصيرة جدًا التي بدأت في الانتشار حديثًا. 

ظهرت القصة القصيرة قبل الرواية في عموم المشهد الأدبي الخليجي، ويعود هذا إلى معطيات اجتماعية وتطورية في بناء المجتمع مدينيًا ومدنيًا، وحالة الوعي الثقافي المتسيدة آنذاك، وكذلك القدرات الفنية والتقنية لدى الكاتب وهو ينسج كتاباته السردية التي لا تتعدى الحديث عن بعض المشكلات الاجتماعية المحصورة في العلاقات بين المرأة والرجل كالزواج والطلاق والتعليم والعادات والتقاليد، إذ كانت القصص في عالم الحكاية البسيطة والمسطحة بعد تأثر أصحابها بما كان يكتب وينشر من قصص ومقالات وخواطر في المجلات والدوريات التي تصل إلى المنطقة، أو من خلال التواصل مع البعثات التعليمية التي تمثلت في المعلمين والمعلمات الذين حطوا رحالهم لتعليم أبناء المنطقة، بالإضافة إلى الصحافة ودورها في نشر المحاولات المتأثرة بما هو موجود في مصر والعراق وبلاد الشام، إضافة إلى ما يصل مترجمًا وإن كان متأخرًا.

    ومن الطبيعي إذا كان المجتمع يؤمن بالتلاقي والتحاور والتواصل مع الثقافات الأخرى، فإن القصة إحدى ملامح هذا التلاقي لذلك ظهور القصة القصيرة في المنطقة لم يكن محض صدفة أو تبعًا لأهواء كاتب هنا أو كاتب هناك، وإنما نشأت في الخليج والجزيرة العربية «تجاوبًا مع المرحلة الحديثة التي بدأ يتعرف عليها المجتمع بكل ما رافقها من عوامل التغيير الاجتماعي والاقتصادي، وبكل ما اقترنت به من نوازع في تمزيق جدار العزلة، لذلك نشأتها تعبير مؤثر ومهم في التجربة الثقافية والفكرية في الخليج العربي» (1).

المصطلح:

    غالبًا في كل عمل بحثي، أو دراسة أكاديمية، أو حتى محاولة لقراءة أعمال فنية وإبداعية لمكان ما، أو منطقة ما، فإن البحث يقتضي طرح بعض الأسئلة لربما تكون مدخلا للدرس والتحليل والنقد، ولأننا في حضرة القصة القصيرة المكتوبة في منطقة الخليج العربية، فعلينا أن نطرح التساؤل الذي قد يكون عبارة عن إشكاليات فنية، والتي تتعلق بالمكان وفن القص، حيث كثيرًا ما نتفوه ببعض المفاهيم والمصطلحات لنجعلها حالة مطلقة ما قد يتسبب لنا ببعض من الإشكاليات المفاهيمية والنقدية.

    وقبل هذا وفي سياق الحديث عن القصة في المنطقة الخليجية، فإننا نعني جغرافيًا دول مجلس التعاون الخليجي، أي الدول الست المنضوية تحت مظلة مجلس التعاون، وهنا نقول أن الكتابات النقدية والأدبية عادة ما تشير إلى ما نطلق عليه بالأدب الخليجي – الشعر الخليجي – الرواية الخليجية – القصة الخليجية – المسرح الخليجي – الدراما الخليجية – السينما الخليجية... أو نبتعد عن هذه المساءلة الفنية والمصطلحية فنذهب إلى ما يمكن أن نطلق عليه الأدب في الخليج – الشعر في الخليج – الرواية في الخليج – القصة في الخليج – المسرح في الخليج – الدراما في الخليج – السينما في الخليج، وهذا ليس بغريب في الثقافة العربية بل حتى العالمية، فهناك توزيع وتقسيم لتاريخ الأدب والإبداع والإنسان التصق بالحالة السياسية للمكان أو الظرف الموضوعي والتاريخي والثقافي لهذه الدول دخل فيه أيضًا، لذلك ظهرت لنا الدراسات التي تؤكد أن هناك آدابا تسمى: الأدب الجاهلي – الأدب الأموي – الأدب العباسي بعصريه – عصر النهضة – عصر الانحطاط – عصر الإحياء. 

وبين هذه الحقب التاريخية والتقسيمات والتوزيعات ذات العلاقة بالشأن السياسي وتأسيس الدول، وبحكم ظروف المجتمع آنذاك الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، وتلاقي الثقافة العربية بالثقافات الأجنبية الأخرى ظهرت لنا ما أطلق عليه (النقائض) أبان الدولة الأموية، و(المقامات) في الدولة العباسية، بالإضافة إلى فرق المتكلمين والنحاة واللغويين، ولكن لا يمكن لنا إلصاق هذا التطور والتحديث في الفكر والثقافة والإبداع بالدولة السياسية، وإن كان لها دور المحرك للمناخ ثقافيًا وإبداعيًا، وبالأخص أيام الدولة العباسية التي ازدهر فيها النشاط الأدبي والثقافي وفعل الترجمة. بل حتى عصر الانحطاط التي دب ينخر في جسد الثقافة العربية والمنجز الإبداعي كان نتيجة السيطرة العثمانية على مقدرات العالم العربي طيلة أربعة قرون بين القرن السادس عشر حتى الحرب العالمية الأولى.

وهناك فرق كبير بين المصطلحين أو بين المفهومين، بين القصة الخليجية، والقصة في الخليج، وهو ما ينطبق على الأدب بشكل عام، فالأول يعني إلصاق الفعل الإبداعي إلى المكان وهويته هي الفاعل الأساس، بمعنى كل هذا الإبداع من صنع الفرد الخليجي، أي الأدب والفعل الإبداعي وحالة الكتابة خليجية بحتة، أما الثاني فيشير إلى أن ما نتج من إبداع في المنطقة هو منتج لكل كاتب في المنطقة سواء أكان خليجيًا أم عربيًا أم أجنبيًا، وهنا إبعاد هوية المكان ونسبته إلى هوية النص لا غير. وهذا يعني أننا لا يمكن أن نتجاهل الكاتب غير الخليجي ودوره في المنجز الإبداعي والثقافي بالمنطقة، لذلك هل سألنا أنفسنا أيهما نأخذ من هذين المفهومين تجاه ما ينجز بالمنطقة؟، فضلا عن أن بعض المنجزات الكتابية، وبالأخص النقدية هي دراسات لنقاد وكتاب عرب اشتغلوا على منجز أبناء المنطقة كما هو واضح وجلي في الكتابات النقدية التي كتبت عن الأدب في الإمارات العربية المتحدة، حيث كرس عدد من الأكاديميين والباحثين والنقاد جل عملهم في دراسة أعمال أنتجها كتاب إماراتيون.

    وهذا يجعلنا عدم تجاهل هذا الدور الفاعل -حضورًا وتواصلا ونقدًا- الذي يقومون به هؤلاء وغيرهم، فضلا عما يقدم من منجز إبداعي أيضًا في القصة والرواية والشعر، لذلك نحن نستعمل هذه المصطلحات التي ربما ليست دقيقة نقديًا وعلميًا، وإنما توافق عليها المشتغلون بالدرس الأدبي والنقدي من أجل الوصول إلى صيغ الكتابة النقدية المحصورة في مكان جغرافي معين، بل ذهبنا أكثر من تعميم المنجز الأدبي إبداعًا ونقدًا من كونه خليجيًا إلى الحدود الجغرافية الأكثر حصرًا، فنقول: القصة العمانية – القصة السعودية – القصة الكويتية – القصة القطرية – القصة الإماراتية – القصة البحرينية، وربما أخذنا هذه التسميات من العالم العربي الذي يؤكد وجود القصة المصرية – القصة السورية – القصة العراقية – القصة المغربية كما تعلمنا في مدارسنا وجامعاتنا.

     وإن كانت هذه المصطلحات يجانبها بعض الغموض فنيًا، إنما حضرت في المشهد الأدبي عامة والنقدي على وجه الخصوص بغية الدرس بعد ما اتفق عليها المشتغلون للوقوف على حالة الإبداع والكتابة وخصوصية هذا المكان ومنجزه الذي قد يتباين مع الآخر، ثم دخلنا في تجزئة هذا الفن أو ذاك عبر بعض المكونات السردية، والتقنيات الجمالية، فذهبنا إلى عناوين نطيعها للدرس والتحليل، مثل: البحر في القصة العمانية – المكان في القصة السعودية – الزمن في القصة الكويتية – الهوية في القصة الإماراتية، أدب الصحراء، العلاقة بين الريف والمدينة، وهكذا نسير إلى جزئيات العمل، وزد على ذلك حين نقوم بدراسة هذه الجزئية كأن ندرس خصوصية القصة في منطقة معينة من هذه الدولة أو تلك، مثل الشخصية عند كتاب الداخل، أو كتاب الأطراف، أو علاقة القصة بالذاكرة الثقافية عند سكان الجبال.

وهذا الأمر الذي يعطينا مساحة في التعاطي النقدي، على الرغم من حضور هذه المفاهيم والمصطلحات فإن دراسة المنجز تفصيلا له أهمية قصوى تجاه المعطيات والدلالات، وبخاصة لتلك الدول الخليجية ذات الاتساع الجغرافي، مثل: سلطنة عمان التي تتصف جغرافيتها بالتضاريس المتنوعة كالجبال والوديان والسواحل ومناطق الريف ومناطق المدن، وغيرها، فضلا عن حدودها الدولية وقربها من اليمن والإمارات والسعودية التي لها تقريبًا الحدود الجغرافية نفسها وحدودها شمالا مع الشام، وشرقًا مع بعض دول الخليج، وغربًا مع مصر والسودان، والجنوب مع اليمن، كل هذا يؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في الكتابة الإبداعية والاتصال بين الثقافات والأمكنة البدوية والريفية والحضرية.

    وحين القول وهو عادة ما تتخذه الدراسات النقدية (القصة الخليجية) لتشمل الدول الست، التي ما تؤكد عليها كلما اتجهنا إلى الدول الأجنبية حيث نعرف أنفسنا بالمكان الأكبر وليس بالحدود المكانية الضيقة، ومن دون الانتباه إلى صاحب هذا الإنجاز الإبداعي وجنسيته، بقدر التعريف بأنه خليجي، وهذا يعني الوقوف على هوية هذا الفن الذي ينتمي إلى منطقة الخليج العربية، والبحث عن رؤيته تجاه الواقع المعيش، عن علاقته بهذا الواقع، عن تطلعاته، عن قضاياه، ثم عن خصائصه الفنية التي تميزه عن غيره، وتجعل له مميزات تختلف على الأقل بعض الشيء عن بقية الدول العربية الأخرى.

ملاحظة: هذا جزء 

1- إبراهيم غلوم، القصة القصيرة في الخليج العربي – الكويت والبحرين، ص27-28. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news