العدد : ١٤٦٣٨ - السبت ٢١ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٣٨ - السبت ٢١ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ شعبان ١٤٣٩هـ

الاسلامي

(تأملات في آيات القرآن الكريم) التوجيهات العقلية غير المباشرة في القرآن الكريم (13)

بقلم: د. محمد عطا مدني

الجمعة ٣٠ مارس ٢٠١٨ - 11:23

تحدثنا في المقالات السابقة عن التوجيهات الربانية المباشرة بخصوص استخدام الإنسان المسلم عقله لتسيير أمور دينه ودنياه، كما جاء في آيات القرآن الكريم التي ركزت على استخدام معان كثيرة للعقل شملت القلب واللب والفؤاد والحلم والنهي والحجر. ومع أن هذه الألفاظ تعتبر لغويا مرادفة للفظ العقل إلا أن المتمعن في معانيها سيكتشف أن كلا منها يحمل توجيها عقليا قد يختلف من لفظ إلى آخر، أو يضيف معنى جديدا أو صفة أخرى توضح ما يمكن التعبير عنه بأنه رؤية بانورامية لاستخدام العقل، وذلك للتركيز على توجيهاته الربانية لصالح بني البشر. والمتمعن في آيات القرآن الكريم في هذا المجال التوجيهي المتعلق بأهم جهاز خلقه الله سبحانه وتعالى للإنسان، سيجدها لم تقتصر على الأساليب المباشرة التي ذكرناها في المقالات السابقة، وسيجد أن هنالك أساليب توجيهية غير مباشرة لم يرد فيها لفظ (العقل) ومرادفاته المعروفة بصورة مباشرة، وسوف تتعرض المقالات التالية لهذه الأساليب موضحة مدلولاتها التربوية والتوجيهية. فبينما اختصت الأساليب المباشرة بإعمال العقل والتفكير المبدئي في أساسيات العبادة والحياة وإعمار الأرض، نجد الأساليب غير المباشرة قد دعت إلى التفكر المتمعن، والحوار المتعمق، وإثارة الخيال، ليحلق العقل في سماوات علا تمنحه القوة والقدرة على الإبداع في التفكير، واكتساب المعلومة تلو المعلومة، والخبرة تلو الخبرة، عن طريق النظر في خلق الكون والإنسان والتي تمكنه من الوصول إلى حقائق الكون العميقة، أو تصورها التصور الصحيح، والقرآن الكريم بهذا يخاطب كلا من العقل والخيال والشعور ليعطي صورا تقرب للعقل الحقائق والمفاهيم الصعبة، التي ليس بالإمكان إدراك كنهها عن طريق التفكير المجرد، ولكن عن طريق لمس ما فيها من حركة وحياة.

وبالنظر إلى أساليب التربية العقلية غير المباشرة في القرآن الكريم، فإننا نجدها قد اتجهت إلى وجهتين:

الوجهة الأولى تتفق مع الأساليب المباشرة من حيث الدعوة إلى استخدام العقل والمنطق في التفكير والتأمل للوصول إلى الحقائق، ولكنها تستخدم أساليب مغايرة تعتمد على البرهان وتسلسل الحقائق والحوار الطويل أو القصير الذي يصل في النهاية إلى لب الحقيقة ويثبت دعائمها في عقل الانسان وقلبه، وهذه الوجهة تشتمل على أساليب البرهان العقلي والحوار والاستجواب والمحاكمة العقلية والتكرار.

أما الوجهة الثانية فتستخدم أحيانا الرمز، لتقريب الحقائق إلى ذهن الانسان، ومنها الأساليب الرمزية والصورية والقصصية. 

أسلوب البرهان العقلي:

وهو من الأساليب إلى ترمي إلى الإقناع عن طريق العقل والمنطق، ويوجد في مواضع كثيرة في القرآن الكريم، ولعل أوضحها ما يتعلق بإثبات وجود الله سبحانه وتعالى ووحدانيته وقدرته الغالبة، وأيضا فيما يتعلق بالآيات التي تدل على أن القرآن الكريم من عند الله. لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وهو يعلم أنه لا بد أن يدور سؤال في ذهنه منذ نشأته الأولى، هل هنالك وجود للإله؟ وأين مكانه؟ ومن خلقه؟ ولقد ثبت أن النفس البشرية تتوق إلى معرفة الإجابة، حيث يدور السؤال في ذهن الطفل، كما يسيطر على ذهن الشاب الحائر، بل يشمل فكر كل إنسان. ولم يترك المولى جل وعلا الإنسان في حيرته تلك، بل جعل البحث عن الله غريزة وفطرة تمتد جذورها في أعماق النفس البشرية، فأعطاه الفطرة وترك الباقي لعقله وتفكيره، وجاءت الفطرة في قوله تعالى: 

(وَإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنا كنا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (الأعراف 172).

ولهذا وضعت جينات البحث عن الإله في قلب كل كائن بشري، فمن صلح منهجه العقلي في التفكير، توصل بسهولة إلى الإيمان بوجود الخالق المبدع القادر.  وبدأ التدريب الإلهي المبدئي لعقل الانسان بتوجيه نظره إلى بعض الحقائق الكونية:

(قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) (يونس 101)

(قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت 20)

بل إن مجرد نظرة الإنسان إلى نفسه والتمعن في إبداع خلقه، تكفي لكي يدرك وجود الخالق سبحانه وتعالى:

 (يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) (الانفطار6-8 )

(وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (الذاريات 21-23)

ففي الإنسان والكون تكمن الأدلة الدامغة على وجود الخالق، قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت 53)

ويقدم القرآن الكريم الدلائل دليلا تلو الآخر على وجود الله سبحانه وتعالى وعلى قدرته، ويطالب الذين أشركوا به أن يقدموا أدلتهم وبراهينهم: (أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (النمل 64).

(وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) (المؤمنون117).

وهذا يعنى أن القول بوجود إله آخر يستلزم تقديم البرهان والدليل: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) (الأنبياء 24).

وتبدأ الأدلة والبراهين على وجود الله سبحانه وتعالى وقدرته تتوالى وتثبت عجز الآلهة التي يدعونها من دون الله أن تخلق شيئا، كما أن هذه الآلهة لا تملك النفع ولا الضر، ولا الموت ولا الحياة، ولا البعث ولا النشور:

(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (الحج 73).

(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا) (الفرقان3).

ويستمر إثبات عجز الآلهة التي يدعونها من دون الله في أسلوب به تحد واضح وصريح:

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أم لَهُمْ شِرْكٌ فِي السماوات) (فاطر40).

(هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (لقمان 11).

وبعد البرهنة على وجود الخالق جل وعلا، وإثبات عجز الآلهة المدعاة، يمضي أسلوب البرهان العقلي في القرآن الكريم ليقدم الأدلة على وحدانية الله سبحانه وتعالى، بادئا بالتعجب من دعاوى المشركين (القدامى والجدد) والذين ينكرون وحدانيته:

(أَنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنعام 101).

ومنتهيا إلى ذكر الأسباب التي تجعل العقل يقر بالوحدانية، وينفر من فكرة الشرك:

(مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (المؤمنون 91).

(قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إذا لابْتَغَوْا إلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا) (الإسراء42).

(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) (الأنبياء22).

وكل هذه البراهين عقلية، ولكن قد لا يدركها كل الناس، إلا من كان يمتلك المنهج القويم في التفكير المنطقي، ولهذا نجد القرآن الكريم يضرب مثلا آخر كبرهان مستقى من حياة البشر، حتى يكون مفهوما لديهم وقريبا إلى أذهانهم، يقول المولى جل وعلا:

(ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الروم 28).

في هذه الآية الكريمة يوضح لنا المولى جل وعلا أن المخلوق لا يرضى أن يكون له مملوك شريكا له في ملكه، فكيف يقبل هؤلاء الجاحدون أن يكون هنالك مخلوق لله ويدعى ويعبد كما يدعى الله سبحانه وتعالى ويعبد؟

بهذه الطريقة الدامغة في براهينها وأدلتها، يقدم القرآن الكريم البرهان تلو البرهان، ليثبت وجود المولى جل وعلا وقدرته ووحدانيته. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news