العدد : ١٤٨٧٧ - الأحد ١٦ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٧ - الأحد ١٦ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

الثقافي

ســـرديــــات: في السيرة الذاتية العربية الحديثة هل نجرؤ فعلا على سرد الذات؟!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ

السبت ١٠ مارس ٢٠١٨ - 01:30

«كل ما يوجد في هذه الرواية من شخوص هو محض تخيل ولو وُجِدَ تطابق بينها وبين أشخاص حقيقيين فإن ذلك بسبب المصادفة لا أكثر». في كل مرة أقرأ فيها مثل هذه الجملة الرتيبة العتيقة وهي تتصدَّر الصفحة الأولى من رواية عربية ما أكتم ضحكتي لأني أعلم أنَّ هذه الجملة هي على النقيض من ذلك، هي مجرد قناع تتوارى فيه الذات الساردة بحياء وخجل خوفًا من مطابقة تلصصية صارمة يقوم بها آخرون وتوازن هذه المطابقة التلصصية بين حياتها الشخصية وإبداعاتها الروائيّة. إنَّ هذه الجملة العتيقة الرتيبة بمثابة انهمام الذات في مراقبة نفسها لو استعرنا عبارات المفكر الفرنسيّ ميشيل فوكو، الذات الإبداعية الساردة تريد هنا أن تتدفق ولكنها تخشى أن تتم المطابقة الحرفيَّة في الإحالات إلى عوالمها الحقيقية المرجعية! وغالبا ما يقوم بهذه المهمة قراء فضوليون مزعجون! أو تقوم بها الذات المبدعة لنفسها حين تتوهم وجود مثل تلك الرقابة الفضولية المزعجة لها!

      تتحول السير الذاتية العربية الحديثة والمعاصرة إلى مجرد ترجمات وسرد بيوغرافي محض للحياة الفكرية والثقافية وحتى السياسية أحيانًا؛ أي أننا نصبح وكأننا أمام أرشيف تاريخي مثقل بالنقولات والروايات الشفهية المتناثرة هنا وهناك لتعضيد هذه السرود الفكرية المحضة. وفي كل مرة أمنِّي فيها نفسي بقراءة سيرة ذاتية عربية حديثة من نوع استثنائي ومختلف أفاجأ مرة أخرى بطغيان الجانب الثقافي والفكري وبتواري الذات الساردة واستتارها وربَّما نجد هذا التدفق في الشعر أكثر حيث يحلو البوح!

      كانت رسائل الأديب الفلسطيني غسّان كنفاني إلى غادة السمَّان مساحات حقيقية للبوح الذاتي، ولكن غسّان لم يكن يريد أصلا لهذه الرسائل أن تنشر لا في حياته ولا بعد موته، وعندما نشرتها غادة السمَّان بعد سنوات عدة من اغتياله كان هناك ثمَّة نوع سردي جاذب جدير بالتلقي: الرسائل الشخصية لأدباء. وعندما تدفق الشاعر والروائي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا في كتابة سيرته الذاتية في جزأين هما «البئر الأولى» و«شارع الأميرات» لم يجرؤ سوى على تناول سنوات محدودة من عمره هي سنوات الطفولة الأولى ثم سنة واحدة قضاها في شبابه في العراق وأسماها السنة العجائبية! في حين تناثرت سيرته الذاتية في بعض رواياته!

      كان الناقد الفلسطيني إحسان عباس يريد نشر جزء ثانٍ من سيرته الذاتية «غربة الراعي»، وهو جزء فيه قدر كبير من الجرأة في سرد الذات وكل ما يحيط بها لتعرية المكنون الثقافي إلا أن أحد الناشرين طلب منه عدم نشر هذا الجزء مطلقًا كي لا تطال الكتابة أشخاصًا كانوا لا يزالون آنذاك على قيد الحياة. وهكذا ظلَّ الجزء الثاني من «غربة الراعي» مستترًا، ولا أعلم ما مصيره الآن وأين آلت الأوراق بعد وفاة إحسان عباس؟!

      والخوف من المطابقة بين المرجعي والتخيلي قد تكون مضاعفة في حال الكاتبة المرأة وما ينطبق على الرواية سينطبق على أشكال إبداعية تخيلية. وفي حكم الندرة هن النساء الكاتبات العربيات من استطعن بالفعل التعبير عن ذواتهن من دون خشية تلك المطابقة التي قد يقوم بها آخرون في قراءات تلصصية غالبًا. وأؤمن شخصيًا أن أيّ سرد للذات يعبر بطريقة ما عن العوالم الذاتية لمنشئه، وبالتالي لسنا في حاجة إلى الاعتذار عما نكتب أو الخجل منه أو الادعاء أنه لا يمثلنا وإنَّما يمثل تجارب آخرين متخيلة،هذا محض افتراء وكذب الذات على نفسها! أي سرد للذات كما أرى هو سرد لأعماق الذات المنشئة يحمل رؤيتها الكونية للأشياء من حولها، وبالتالي لسنا في حاجة إلى الاعتذار عن كتابة إبداعية راقية في سرد الذوات! فمتى سنقرأ سيرة ذاتية عربية حقيقية تفكك فيها الذات نفسها بعمق وشجاعة بعيدًا عن السرد الفضائحي وبعيدًا عن السرد السطحي القائم على تجميع بضع شذرات من هنا وهناك، متى نجرؤ بالفعل على سرد ذواتنا من دون اللجوء إلى الكتابة بلغة المنافي كما فعل بعض المبدعين.. أنتظر بشغف أن أقرأ قريبًا مثل هذا السرد الكاشف.. لسيرة ذاتية عربية..انتظرت ولا أزال أنتظر! 

أستاذة السرديات والنقد الأدبي الحديث المساعد،كلية الآداب، جامعة البحرين

dheyaalkaabi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news