العدد : ١٤٨٧٤ - الخميس ١٣ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٤ - الخميس ١٣ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

لا تستسلم


خلاصة تجارب جمال السويدي الذي «عاش ليروي»

ملحمة الإيمان والأمل.. الإرادة والعمل.. الوفاء والولاء الوطني


«ستمــــوت بعــــد أسبـــوعــين»

ماذا يفعل أي إنسان مريض إذا قال له الطبيب بهدوء وبرود وحسم «ستموت بعد أسبوعين»؟

ما الذي سيفكر فيه؟.. أي مشاعر سوف تنتابه؟.. ما الذي يقرر أن يفعله؟

بهذه الواقعة الصادمة يبدأ الدكتور جمال سند السويدي كتابه «لا تستسلم.. خلاصة تجاربي».

هذا هو ما حدث له بالضبط.

حين شاءت إرادة الله ان يصاب بمرض السرطان، وبعد إجراء الفحوص، قال له الطبيب البريطاني بمنتهى البرود «ستموت بعد أسبوعين».

هذه الواقعة الغريبة، كانت بالنسبة لجمال السويدي بداية جديدة.. بداية لرحلة جديدة في الحياة عناوينها، الإيمان بالله سبحانه وتعالى والثقة في رحمته، والعمل الجاد الدؤوب المتواصل، وحب الوطن والولاء له.

وهذه الواقعة كان لها الفضل في خروج هذا الكتاب إلى النور.

يقول الدكتور جمال: «لم يكن لهذه السيرة الذاتية ان تظهر إلى النور لولا تجربتي مع مرض السرطان ومعاناتي مع العلاج خلال رحلة استمرت اكثر من عشرة أعوام منذ نهاية عام 2003. وقد شاءت رحمة الله وعنايته ان اشفى من مرضي، وأن اكمل مسيرتي في الحياة مسلحا بهذه التجربة التي تعيد خلق الانسان من جديد. وربما تكون هذه التجربة هي التي اقنعتني بأن لدي ما يمكن ان اقدمه إلى قرائي خارج المجال الأكاديمي والبحثي الذي كرست له حياتي وجهودي».

يشير الدكتور جمال إلى السيرة الذاتية التي كتبها جابرييل جارسيا ماركيز الروائي الفذ التي اختار لها عنوان «عشت لأروي». ويقول: لست أديبا أو حكاء مثل ماركيز، انما أنا باحث لديه تجربة انسانية مفعمة بالألم والأمل تستحق ان تروى.

وما يرويه الدكتور جمال في الكتاب بشكل متدفق آسر يستحق ان يقرأ بكثير من التأمل والتفكير.

النشأة -الطريق إلى المستقبل -الحياة المهنية -معركة مع السرطان -السفر والجوائز والتكريمات.

هذه عناوين الفصول الخمسة للكتاب.

القارئ قد يظن من هذه العناوين ان الكتاب ما هو الا سيرة ذاتية بالمعنى الضيق للكلمة، أي مجرد حديث عن النفس.

لكن الحقيقة ليست هكذا.

 الكتاب يروي تجارب ثرية، ويتوقف عند أفكار وقضايا في غاية الأهمية، ويقدم في نهاية المطاف، انطلاقا من الخبرة الشخصية، رؤية للنجاح، ولكيفية تقدم الدول ونهضتها.

‭}}}‬

الإيمان

حين قال له الطبيب هذه العبارة الصادمة «ستموت بعد أسبوعين»، كيف شعر؟ ماذا فعل؟

يقول الدكتور السويدي: لا شك ان كلماته هذه وحدها قد تكون سببا لموت بعض المرضى وأنه ارتكب خطأ رهيبا في حقي وفي حق مهنته من دون اكتراث لما يترتب عليه، وكانت كل الظروف تدفعني دفعا إلى الانهزام أمام حديث ذلك الطبيب، لكن نداء داخليا خفيا كان يقودني إلى مقاومة الاستسلام لكلماته ورفض التسليم بها.

وأعتقد أن السبب الأساسي وراء تلك المقاومة يعود إلى عمق شعوري الديني، فالموت والحياة أمران يقدرهما الله سبحانه وتعالى على النحو الذي يفوق قدرة الانسان على إدراكهما.

ويقول: كانت قوة الإرادة عاملا مهما في معركتي مع السرطان، لكنها كانت مسبوقة بهبة إلهية أخرى هي ايماني بالله عز وجل الذي احسبه ايمانا قويا وصادقا. والإيمان في وجه من وجوهه هو يقين بوجود قوة عليا ترعى خطواتك. قوة منبثة في كل مكان يدركه العقل أو يعجز عن ادراكه، تخبرك في اعمق أعماق روحك بأن ثمة من يشملك بالعناية ويختار لك طرقا لم تتخيلها بتصوراتك الشخصية.. ان قوة الانسان الداخلية، حين تستند إلى الايمان تتضاعف وتتعاظم حتى تهون امامها كل الصعاب. ويكفي ان نقرأ في لحظة معينة قوله تعالى: «ولا تيأسوا من روح الله انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون» ليعطيك الايمان طاقة لا حدود لها.

يبقى شيء واحد اكبر من المرض: الايمان، فهو وحده الذي يمكنه ان يهزم حضور المرض.. لا ينافس حضور المرض في حياتك الا حضور الله وتجليه في كل الأشياء من حولك.

‭}}}‬

في الفريج

يتوقف الدكتور السويدي بداية عند سنوات النشأة الأولى في الفريج، ويحرص هنا على ان يجل قيما نبيلة ارتبطت بالفريج وأهله.

يقول عن سنوات الطفولة والنشأة المبكرة في الفريج، حيث كانت القيم الأخلاقية هي المانح الأهم للقيمة والمكانة.

كانت الجماعة تمنح الفرد شرعيته وكيانه، ويمكن القول ان الفريج أو الحي كان هويتنا التي ننتمي اليها، كان فقدان هذا الانتماء بارتكاب نقيصة أخلاقية يقتضي عقابا يساوي الآن التجريد من الجنسية، لذا كان الانتماء إلى ثقافة المجتمع المحلي وقيمه وتقاليده ضرورة وجود. 

ويتوقف عند حياة التسامح في الفريج كما عاشها. يقول: كان كثير من الهنود والإيرانيين وأبناء جنسيات أخرى يعيشون مع اهل الامارات وتتداخل العلاقات فيما بينهم. كانت كل اشكال العنصرية غائبة تماما عن المجتمع الذي عشت فيه فلا تفرقة بين مواطن وغير مواطن، أو بين شيعي وسني، أو بين مسلم ومسيحي.

وحين يتحدث الدكتور السويدي عن سنوات دراسته الأولى في المدرسة الابتدائية يثير بعضا من القضايا التربوية المهمة.

يقول مثلا: كانت الموسيقى من بين الدروس المهمة التي نتلقاها وكان تدريسها يؤخذ بمنتهى الجدية. وكانت التربية الفنية تعامل بالمستوى نفسه من الاهتمام. بعض أصحاب المواهب البدنية أو الفنية أو الموسيقية اكتشفوها في انفسهم خلال تلك الفترة بسبب الاهتمام المدرسي بها. من الغريب ان الاهتمام بهذه المواد التي تعتبر أساسية قد تراجع ولم تعد تحتل المكانة التي كانت لها. مع انها ضرورية جدا لتهذيب النفس والروح وتنمية المواهب.

ويلاحظ ان اسم «التربية والتعليم» كان ينطبق فعلا على ما كان يمارس داخل المدارس، فالمدرسة كانت توازي الاسرة في اهميتها وكانت الرعاية التي تقدمها شاملة، عقلية ونفسية وبدنية.

كما كان الانضباط القيمي والأخلاقي قيمة اساسية تحرص عليها المدارس.

ويشير في نفس الوقت إلى سلبيات مازالت قائمة في مدارسنا إلى اليوم، من أهمها غياب التفكير النقدي، فلم يكن لدى الطالب فرصة للتعبير عن نفسه أو طرح رأيه الخاص.

‭}}}‬

المعركة المستمرة

وفي اكثر من موضع من الكتاب، يتطرق الدكتور السويدي إلى المعركة التي خصص لها جزءا كبيرا من جهده البحثي والفكري، وخصص لها واحدا من أهم كتبه هو كتاب «السراب».. المعركة مع القوى والتيارات الدينية المتطرفة.

يقول انه في مرحلة الدراسة الجامعية، بدأت معركة استمرت حتى الآن هي معركة التصدي لأفكار التيارات الدينية السياسية المتطرفة، إذا ادركت خطرها باكرا وتعرفت على اساليبها الملتوية وشاهدتها وهي تتسلل متسترة وراء شعارات تضلل بها الجماهير.

ويروي ما كان يجري في جامعة الامارات مثلا، اذ كان مدير الجامعة واحدا من قيادات الاخوان. وهو ما حال دون تعيين الدكتور السويدي معيدا في الجامعة. ويقول انهم كانوا يتركون مواقع التدريس خالية لأعضاء الجماعة الذين نجحت في ابتعاثهم إلى الخارج للدراسة ليشغلوها بعد عودتهم، وغير هذا من أساليب لتكريس هيمنتهم في الجامعات والسيطرة على القرار فيها.

وحين عاد للعمل في جامعة الامارات بعد الحصول على الدكتوراه وبعد ان ترك جامعة الكويت بسبب الغزو العراقي، كان العمل استئنافا للمعركة مع الجماعات الدينية السياسية المتطرفة، فقد وجدت نفسي في موقع سيطرت عليه تقريبا جماعة الاخوان وأنصارها. ويحكي وقائع كثيرة في هذا الخصوص.

‭}}}‬

في أمريكا

أيضا، حين يتحدث الدكتور السويدي عن تجربته في أمريكا حين كان يعد للحصول على الماجستير والدكتوراه، وعمل أستاذا هناك بعد ذلك لفترة، يثير قضايا مهمة، وخاصة في مجال المقارنة بين التعليم في أمريكا والدول العربية.

يقول: الفوارق في التعليم في الدول العربية والولايات المتحدة كبيرة. والاختلاف المتعلق بالطلبة ما لفت نظري في البداية، فقد كان الطلبة الأمريكيون يتمتعون بالتزام عال، والتعليم لديهم قضية حياة أو موت على العكس من الطلبة العرب.

كما يتطرق مثلا إلى قضية العنصرية في أمريكا وكيف انهم مثلا يبدون استغرابهم الشديد إذا تفوق طالب عربي ويعبرون عن ذلك، وكانت الرسالة العنصرية هنا هي، غريب ان يملك عربي هذا الذكاء أو القدرة على النجاح والتصرف اللائق.

‭}}}‬

النوافذ المكسورة

من أهم أجزاء الكتاب، الجزء الذي يروي فيه الدكتور السويدي تجربته في انشاء مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وكيفية ادارته بعد انشائه.

يتوقف عند الأهمية الكبرى التي تمثلها مراكز البحوث.

يقول أنه فكر في إعداد مقترح لانشاء مركز عصري للدراسات والبحوث الاستراتيجية تكون مهمته الأساسية هي دعم اتخاذ القرار في دولة الامارات العربية المتحدة على أسس علمية سليمة، إلى جانب خدمة المجتمع وترسيخ ثقافة البحث العلمي فيه. وهي الفكرة التي رحب بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ووجه بتنفيذها.

ويشير إلى ان صانع القرار الذي يزدحم وقته بالمهام ويتلقى تحليلات من جهات أخرى يحتاج إلى أفكار مركزة وجدية.

ويروي تفاصيل تجربة انشاء المركز والأسس التي حرص على ادارته بناء عليها.

يقول هنا: يتلخص اكثر ما احرص عليه في الإدارة بثلاثة أمور: أداء العمل، وأخلاقيات العمل، والحفاظ على الدقة في الامور المالية.

ولفهم الأسلوب الذي اتبعته في إدارة المركز يمكن العودة إلى نظرية في علم الاجتماع الجنائي انتقلت تطبيقاتها إلى الإدارة والسياسة وحتى الصناعة، وتعرف باسم «نظرية النوافذ المكسورة» وقد وضعها العالمان جورج كيلينج وجيمس ويلسون. وتقوم النظرية على فكرة بسيطة هي ان شيوع الجريمة يأتي نتيجة التساهل إزاء مخالفات طفيفة في البداية لا تلبث ان تتفاقم بالسكوت عنها لتستفحل اخطارها. كمثال ضرباه، إذا كانت هناك نافذة مكسورة في مبنى، وتركت على حالها مدة طويلة، فإن ذلك سيشجع الآخرين على كسر النافذة المجاورة وسيلي ذلك بالضرورة كسر نافذة أخرى بما يغري المنحرفين بالتوجه إلى المكان واتخاذ حديقته مكانا لتعاطي المخدرات أو لتجمع اللصوص بالشكل الذي يجعل التصدي للظاهرة في النهاية أمرا صعبا.

الدرس الأكبر هنا هو انه لا يجوز التساهل مع المخالفات التي قد تبدو بسيطة كالتأخر لدقائق مثلا عن موعد العمل.

‭}}}‬

لا تستسلم

 «لا تستسلم» تلخيص لكل ما أراد الدكتور السويدي ان يقوله والرسالة التي يريدها ان تصل من الكتاب.

يقول: لا تستسلم.. هذه الفكرة قد تكون خلاصة تجربتي. وأنا اعلم ان الله عز وجل قد خلق الناس بأنصبة غير متساوية من الاحتمال والعزيمة والإرادة والعقل وربما خصني بقدر منها جعلني قادرا على رفض الاستسلام، لكنني اوقن كذلك ان كل انسان يحمل داخله قدرا منها قل أو كثر، وأن تنمية الاحتمال والعزيمة امر ممكن ومطلوب، وأن تدريب النفس عليها يمكن ان يكون المعين الأول للإنسان على تحقيق أهدافه ومقاومة ما يعترض طريقه، حتى لو كان مرضا مثل السرطان. وأعتقد أنه ما كان لي ان اخطو نحو الشفاء منه، بفضل من الله تعالى، الا بتقوية عزيمتي إلى اقصى حد، ورفض الاستسلام في اللحظات التي كان أي انهيار للمعنويات فيها يعني موتا مؤكدا.

«لا تستسلم» هي شرط من شروط النجاح بل تكاد تكون شرطه الأول، فالحياة لا تقدكم النجاح على طبق من ذهب، ولا تبذله لمن لا يكدون من اجله. ومن يقرأ السير الذاتية للذين اصابوا حظوظا من النجاح، سيكتشف انهم من دون استثناء واجهوا في مختلف مراحل حياتهم عقبات ومشكلات كان من الممكن ان تكسرهم لولا العزائم والهمم العالية التي تتجلى في لحظات التحدي.

ويعتبر الدكتور السويدي ان الإرادة والعمل الجاد المتواصل من أهم اسباب النجاح للأفراد والدول والمجتمعات..

يقول: تقوم النهضة والتطور اللذان يحرزهما أي مجتمع على اكتاف الناجحين، وتتقدم الدول بفضل دأبهم، وثمار كدهم وسعيهم إلى ما هو افضل. ومن هنا فإن الدول يجب أن توفر للنجاح أسبابه أو ما اسميها «البنية التحتية للنجاح» أو «التربة الخصبة» لاستزراعه. والدول الناجحة هي التي تكتشف طاقات النجاح لدى أبنائها باكرا وتعمل على تنميتها. ويجب الا يترك النجاح للمصادفة لأنه اصبح صناعة لها أصولها وقواعدها وأول شروطها التعليم الجيد

ويعتبر ان ضمان النجاح ووضع اسسه على هذا النحو هي شروط لقدرة الدول والمجتمعات على التغيير.

يقول: أعتقد أن القابلية للتغيير أصبحت هي المحك لقدرة الدول على النهوض والتطور، ففي السابق كنا نقسم دول العالم إلى حديثة ونامية. لكن الدول تنقسم الآن إلى قسمين: دول تقبل التغيير، وأخرى تقاومه.

‭}}}‬

هذه مجرد لمحات عامة جدا مما يضمه هذا الكتاب بين دفتيه.

كل قارئ سيجد نفسه في هذا الكتاب في موضع أو آخر.

من منا لم يمر في حياته بظروف صعبة أو مؤلمة؟.. من منا لم يواجه في حياته العامة والمهنية عقبات وصعاب ومشاكل؟.. من منا لا يريد ان يعبر عن امتنانه ووفائه لمن وقفوا معه وساعدوه بأي شكل في حياته؟.. من منا لا يريد ان يتعلم من الآخرين وتجاربهم سر النجاح في المهنة والعمل؟.

كل قارئ سيستمد من هذا الكتاب طاقة امل مهما كانت ظروفه صعبة، وسيقف على تجارب ملهمة يتعلم منها.

لقد قرأت كتاب الدكتور جمال السويدي ثلاث مرات.

وفي كل مرة انتهي من قراءته، بدا لي الكتاب ملحمة إنسانية وثقافية وفكرية ووطنية.. ملحمة الإيمان والأمل.. الإرادة والعمل.. الوفاء والولاء الوطني

الإيمان بالله سبحانه وتعالى وبرحمته، والأمل في الأفضل مهما كانت الصعاب والمحن والتحديات. والإرادة والعمل كأحد الأسباب الكبرى للنجاح. والوفاء لكل من يأخذون بأيدينا ويساعدوننا ويقفون بجانبنا. والولاء للوطن وبذل كل الجهد والطاقة من اجل الإسهام في تقدمه ونهضته.

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news