العدد : ١٤٥٧٦ - الأحد ١٨ فبراير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٢ جمادى الآخرة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٧٦ - الأحد ١٨ فبراير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٢ جمادى الآخرة ١٤٣٩هـ

مقالات

مقترح لتفعيل مبادرة وزير الداخلية

بقلم: د. عمر الحسن

الأربعاء ١٤ فبراير ٢٠١٨ - 01:20

وزير الداخلية يبعث برسائل طمأنة حول سيادة الأمن والأمان في ربوع المملكة.


- عقد الندوات والحلقات النقاشية حول المبادرة من أهم عناصر تفعيلها وإنجاحها وإثرائها.


 

 

 

في إطار استراتيجية الشراكة المجتمعية وتعزيز التواصل مع الهيئات الوطنية الرسمية والشعبية، التي تحرص القيادة السياسية على ترسيخها؛ التقى الفريق الركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية يوم 21/1 كل أطياف المجتمع البحريني وشرائحه، سواء المواطنون أو ممثلو الشعب أعضاء المجلس الوطني بغرفتيه، ومؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات القضائية والإعلامية والبحثية، ومؤسسات حقوق الإنسان، وجمع من رجال الدين وأصحاب المجالس ووجهاء المحافظات؛ وذلك في إطار الشفافية التي ينتهجها في المصارحة والمكاشفة لتوضيح الأمور الأمنية، والتطورات والمستجدات المحلية والإقليمية.

وقد سبق هذا اللقاء خمسة عشر لقاءً منذ عام 2011، إلى جانب لقاءات أخرى تمت مع أعضاء السلطة التشريعية، كلما استلزم الأمر ذلك، منفذًا بذلك توجيهات جلالة الملك ومقتديًا بنهج صاحبي السمو الملكي رئيس الوزراء وولي العهد بالتواصل مع الناس في مجالسهم الأسبوعية والرمضانية.

لقاء هذا العام جاء مختلفا عن سابقيه، لجهة أنه أتى بعد أن استطاعت المملكة تثبيت أركانها ومواجهة مخاطر وتحديات أحداث عام 2011 المؤسفة؛ ومن ثم فهو بمثابة «جردة حساب» لهذه السنوات، فضلا عما أكده من تباشير سيادة الأمن والأمان والإحساس بالسلام في ربوع المملكة، عبر جملة من المعلومات، ما يعد رسالة طمأنة للجميع. هذا إلى جانب إطلاقه مبادرة شاملة ترتكز على خمسة عناصر هي التشريعات والأنظمة - المناهج والمقررات - المطبوعات - حملات العلاقات العامة - وبرامج الانتماء، تهدف الى تعزيز اللحمة الوطنية، وأنه بصدد تشكيل لجنة من العناصر القادرة لوضع دراسة وخطط عمل تنفيذية لها لرفعها الى الحكومة، وإعلان جائزة سنوية لأفضل عمل لتعزيز الولاء وترسيخ قيم الوطنية والانتماء، والتي هي كما يقول: «أحد الأركان الأساسية اللازمة لبناء الوطنية الحديثة، وأحد الأهداف الرئيسية للمشروع الإصلاحي للملك». ولا شك أن إطلاق المبادرة والجائزة هما خطوتان لتعزيز مبدأ الشراكة المجتمعية الذي أطلقته القيادة منذ سنوات وتؤكد عليه في كل مناسبة.

الهدف من هذا المقال ليس قراءة كلمة الوزير والتعليق عليها، وإنما تقديم مقترح أراه ضروريًا قد يساعد في إنجاح المبادرة وإثرائها بالدراسات، ومع ذلك أرى أنه لا بد لي من مراجعة لما جاء في الكلمة، حيث يتضح لنا مدى إدراك الوزير التام لمفهوم الأمن بأبعاده الشاملة، وارتباطه بتحقيق الاستقرار، الذي كان ثمرة من ثمار تحقيق الأمن، حيث ذكر كلمتي «الاستقرار والأمن» أكثر من «25» مرة. فإذا كان الأمن هو قدرة الدولة على الحفاظ على سلامة أبنائها وحماية مكتسباتها الحضارية، فإن الاستقرار هو الحالة الناتجة عن الأمن، إذا فالمفهومان يرتبطان ببعضهما بشكل وثيق، والعلاقة بينهما علاقة سبب بنتيجة، وهو ما يعيه جيدا الشيخ راشد بن عبدالله، في قوله: «إن مهمتنا الأمنية لا تنتهي بالقبض على تنظيم إرهابي وعدد من المخالفين للقانون.. فهي شاملة، والهدف منها أن يسود الأمن والاستقرار كل أنحاء البلاد».

 كذلك لم يكن من قبيل المصادفة تأكيده على «وحدة الصف والهوية والوطنية والشراكة المجتمعية»؛ لارتباطها بالأمن الوطني مباشرة، حيث تكررت «27» مرة، فالهوية الوطنية ووحدة الصف كلتاهما تؤكدان على ضمان نسيج مجتمعي متماسك، قائم على التعاون والمحبة واحترام العادات والتقاليد والقيم السائدة واحترام الرأي الآخر ومعتقده ووجهة نظره، وهو ما يساعد الدولة على توفير الحماية الكاملة للوطن والمواطن في آن واحد، وهذا ما أكده في قوله: «إن تأكيد الهوية الوطنية والانتماء الوطني وتعزيز المواطنة والتي هي قضية حيوية تبرز أهميتها من كونها أحد الأركان الأساسية اللازمة لبناء الدولة الوطنية الحديثة».

ومن ثمّ، نلحظ أن هذه المفردات لم تأت من قبيل المصادفة، وإنما كانت تلحّ على ذهن الوزير، وتمثل خريطة ومنظومة عمل يتحرك من خلالها، كما أنها أتت متناسقة ومرتبطة في تسلسل منطقي، فالاستقرار لن يتحقق إلا من خلال توفير الأمن اللازم، والأخير بدوره يحتاج إلى وحدة الصف والشعور بالولاء والانتماء؛ لذا نجد أنها استراتيجية متكاملة أكد عليها خلال اللقاء. كما يمكن إضافة دلالة أخرى إلى كلمته مرتبطة بدلالة التوقيت؛ حيث جاءت في ظروف محلية وإقليمية تموج بها المنطقة، وسط تحديات أمنية عديدة.

وانتقالاً من مستوى الدلالات اللغوية والزمنية المرتبطة بالكلمة إلى مستوى التفاعل بين الفكر والممارسة على أرض الواقع، تطبيقًا على خصوصية الحالة البحرينية، تضمن الخطاب مجموعة من الحقائق والرسائل حول هذه التجربة، وهو ما تجسد واضحًا في حديث الوزير عن اهتمام الملك في أكثر من مناسبة بالتأكيد على: «ان نهجنا، نهج الوسطية والاعتدال»، بما يعني دعوة جلالته إلى تحرير الناس من عزلة الطائفية وخندق التطرف إلى فضاء الوطنية. 

فبداية، أطلع الحضور على أهم أربع عمليات أمنية رئيسية حدثت في عام 2017، وهي: عملية الهروب من سجن جو في يناير، التي استهدفت رجال الشرطة وعملية في فبراير، وعملية ثالثة في منطقة الدراز والرابعة في أكتوبر والتي نتج عن كل منها استشهاد عدد من رجال الشرطة وإصابة عدد من أفراد النظام، تبعها عملية تفجير أنبوب النفط في شهر نوفمبر، هذا إلى جانب عمليات أخرى.

ثم أكد نجاح الأجهزة الأمنية في التعامل مع المخططات الإرهابية، وأنها استطاعت كسب زمام المبادرة بالقيام بعمليات استباقية بجمع معلومات شاملة عن العناصر والتنظيمات بالتنسيق مع جهاز الأمن الوطني وباقي أجهزة المعلومات الأمنية الأخرى، كان من نتائجها: القبض على (47) عنصرا إرهابيا ينتمي أغلبهم إلى تنظيمات إرهابية، وإحباط عدد من الجرائم التي كان الإرهابيون ينوون تنفيذها، منها الشروع في عملية اغتيال عدد من المسؤولين والشخصيات العامة وحرق وتدمير المنشآت النفطية والبنى التحتية بهدف ضرب الاقتصاد الوطني، فضلا عن إحالة (290) مطلوبا ومشتبها إلى النيابة العامة، إضافة إلى العثور على أسلحة ومعدات وتجهيزات ومواد متفجرة، وتنفيذ (105) مهمات أمنية، شملت تفتيش (42) موقعا ومستودعا من خلال عمليات القبض والتعرف على نوايا الإرهابيين وقدراتهم ومصادر تدريبهم وأماكن عملهم، وتكامل المعلومات الاستخباراتية عن حجم التنظيم والمتورطين فيه بالداخل والخارج.

ولعل الوزير أراد من وراء ذلك توصيل العديد من الرسائل، فحوى أولها أن العدو معروف، ومفاد الثانية أن استراتيجية المملكة اعتمدت على العمل الاستباقي من خلال تبادل المعلومات والتعاون والتنسيق مع أشقائها في دول مجلس التعاون وغيرها من الدول الصديقة والشقيقة وهو ما توج بكشف وتفكيك أكثر من 17 شبكة إرهابية، والثالثة تأكيد أن الأمن في الدول العربية كافة سيظل مهددًا، ما لم تتكاتف هذه الدول وتتعاون على محاربة الإرهاب معًا وبروح الفريق الواحد.

نعود إلى موضوع المبادرة التي أرجع الوزير أسباب طرحها إلى تأثر الهوية الوطنية في المملكة بعد أحداث 2011 وما تلاها من تداعيات، تركت آثارها على العلاقات الاجتماعية، وذلك من خلال التغرير بأبناء البحرين وتغذية الانعزالية والتحريض والشحن الطائفي والعقائدي، إلى جانب الإعلام الموجه الذي يقوم على زرع الفتن في المجتمع، قائلا: «إن هذه الأمور لا بد ألا تتكرر، ويجب ملاحظتها وضبطها من خلال القوانين والأنظمة والروح الوطنية المسؤولة». 

فضلا عن أنه حرص من خلالها على رسم خارطة طريق لمجابهة ما أفسده الفاسدون من حيث التربية العقائدية الخاطئة والنهج التحريضي، ووضع سياسات سباقة لمنع الإرهاب، والإسهام في إرساء قواعد المواطنة الصالحة من خلال وضع استراتيجية أمنية تسهم في بسط الأمن والاستقرار، انطلاقًا من خبرة البحرين في التعامل مع مثل هذه الأزمات، يشترك فيها الجميع وتبقي النسيج الاجتماعي موحدًا، مرتكزة على العناصر الخمسة التي ذكرناها سابقًا. 

ولو أننا بحثنا في عناصر المبادرة فسنجد أن مؤسسات الدولة المعنية بها، هي المؤسسة التشريعية ووزارات العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، والتربية والتعليم، والإعلام، والعمل والشؤون الاجتماعية، وغيرها، فضلا عن بعض المؤسسات مثل مركز عيسى الثقافي ومعهد التنمية السياسية وأكاديمية الشرطة ومركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والطاقة وجامعة البحرين وهيئة الإذاعة والتلفزيون إلى جانب منظمات المجتمع المدني من جمعيات سياسية وأهلية وشخصيات عامة ومواطنين، ما يعني أن لهذه المؤسسات دورا وطنيا، ينبغي القيام به تأسيسا على مبادرة وزير الداخلية؛ لبلوغ الأمن الشامل الذي يقوي الانتماء الوطني ويعزز اللحمة. والمؤكد أنه كلما حرصت هذه الجهات على أداء عملها وكانت واعية لتوجيهات الملك في تثبيت أسس ثقافة التسامح والحوار والسلام في المجتمع، سهّل ذلك عمل وزارة الداخلية في الحفاظ على الاستقرار والأمن في البلاد. 

ومن الجدير بالذكر أن المبادرة لاقت ترحيبًا كبيرًا وردود فعل إيجابية واسعة.. تأكد ذلك من إشادة العديد من الصحف ووسائل الإعلام بها وبما يزيد على (20) مقالًا وافتتاحية وأكثر من 30 تقريرًا إخباريًا عربيًا وإقليميًا، إلى جانب اهتمام الإذاعات والتلفزيونات المحلية والإقليمية في نشرات أخبارها، وهذا دليل على أهمية المبادرة.

ولعل هذه الإشادات تكون مطلوبة، فهي تعطي قوة دفع للعاملين في جهاز الأمن والشرطة وتجعلهم يعرفون أنهم مقدرون من قبل الشعب، لكنني توقعت أن تكون مقرونة بتحرك موازٍ، وهو البحث عن كيفية تفعيل المبادرة بدعوة المؤسسات التي أشرت إليها سابقًا «مركز عيسى الثقافي - مركز البحرين للدراسات - معهد التنمية السياسية - جامعة البحرين - هيئة الإذاعة والتلفزيون – الصحافة» الى عقد حلقات نقاشية أو ندوات مصغرة موضوعها بنود المبادرة لتتقدم بما تتوصل إليه إلى اللجنة المزمع تشكيلها، وتقوم دور الصحف بتكليف الباحثين والخبراء والأكاديميين من ذوي الاختصاص بكتابة مقالات تبحث في بنودها. وهنا تبرز أهمية دور هيئة الإذاعة والتلفزيون في عقد الحوارات الإذاعية والتلفزيونية ودعوة شخصيات من ذوي الاختصاص أيضًا -وهم كثر في البحرين- الى المشاركة بها. ولعل هذا ما تفعله الدول المتقدمة كبريطانيا مثلاً، حيث يدلي الخبراء بآرائهم في القضايا المصيرية التي تهم الوطن والمواطن، فتتسابق مراكز الدراسات والبحوث لعقد الندوات والحلقات النقاشية حولها، وتقوم الصحافة باستكتاب الخبراء، وتقوم الإذاعة والتلفزيون بإجراء الحوارات والنقاشات، وهو ما نأمل أن نرى تحقيقه هنا في البحرين لتفعيل المبادرة وإثرائها.

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news