العدد : ١٤٦٦٩ - الثلاثاء ٢٢ مايو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٦٩ - الثلاثاء ٢٢ مايو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

محنة الأمة العربية.. إلى أين؟ (2-2)

بقلم: حسن علي البنفلاح

الخميس ٠٨ فبراير ٢٠١٨ - 01:20

إذا فكرنا مليّا في مسار الأمة العربية في ماضيها وحاضرها، وحاولنا استشراف مستقبلها فسنجد أمامنا الكثير من الأسباب قد أحاطت بتأخر وحدتها وتناسق شؤونها تمثلت في إحباطات متعددة قد تبلور لنا بعض الأجوبة عن السؤال الخطير المتداول اليوم حول أحوال الأمة، وهو «ماذا جرى للوطن العربي في السنوات القليلة الأخيرة؟ سنحاول باجتهاد متواضع الإجابة عن هذا السؤال المهم الذي يعكس حالة قلق للأمة في وضعها الراهن، وسنذكر فيما يلي بعض العثرات التي تعايشها الأمة حاليا وأصبحت من العوائق التي تحد من توحدها ولم شملها وتخطيط مستقبلها».

أولا: كيف يُراد لهذه الأمة أن ترتب أحوالها وترسم خطى مستقبلها وتؤطر شؤون حياتها وهي أمة فاقدة لرؤاها الاستراتيجية وخاصة ما يتعلق منها بأمنها الوطني، وسلامة أراضيها، وحماية حدودها، ومستقبل شبابها، ونهضة قطاعاتها، وتنمية مصادر ثرواتها، واستقلال قرارها الوطني المبني على العزة والكرامة والقوة؟ وكيف لها أن تنهض وبين ظهرانيها كثر من العملاء والخونة الذين يمثلون طابورا خامسا يعمل على هدم كيانها وإعاقة تنفيذ مخططاتها واستراتيجيتها الهادفة التي تبوؤها المكانة اللائقة بها في عالم متحضر لا يحترم إلا القوي ذي الشخصية الثابتة الراكزة؟

ثانيا: كيف لهذه الأمة أن تنهض وقد ابتليت بعاهات فكرية أساسها خرافات هرطقية وأساطير خيالية لا أول لها ولا آخر؟ فمازال خطابها الديني يركز في مختلف مناسباته على تقديس الأشخاص والعيش بفكر الماضي بكل سلبياته من صراعات وآلام ومكتسبات معظمها لا يتماشى مع الحاضر المتقدم. فهذا الخطاب مازال يردد تاريخ الماضي على شاكلة قال فلان، وعمل علان، وماذا جرى لهؤلاء وأولئك؟.. وهكذا، متناسين ومتجاهلين متطلبات العصر ومعالجات الحاضر والمستقبل، غير مستوعبين لفكر عصرهم وثورة تكنولوجيته، ولو وقفنا برهة من الزمن وقرأنا بإمعان وتركيز الآية الكريمة المبجلة العظيمة التي تكررت كلماتها وحروفها مرتين في سورة البقرة تحت رقم 134 و141، وعرفنا مغزاها لأدركنا في الحال أبعاد مأساتنا، وبادرنا بكل جهدنا بأن نعايش عصرنا ونبدع في عملنا وننهض بأمتنا لنحقق ما حققه الغير من قوة وسؤدد ومعزة وكرامة في كل شؤون حياتنا.

وللتذكير فالآية الكريمة تقول «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(134)» ولا يخفى على كل حصيف أنه لعظمة هذه الآية وقوة مدلولها تكررت بنفس كلماتها وحروفها مرتين في نفس السورة. إذن المعنى واضح وجلي فيما تنادي به هذه الآية الكريمة التي تخاطب كل المسلمين والمؤمنين أينما وجدوا بأن الأمم السالفة التي سبقتكم قد مضت بكل أحوالها ومكتسباتها وحسناتها وسيئاتها، ولكن عليكم يا مؤمنين أن تعيشوا عصركم بكل تبعاته ومتطلباته، وأنكم ستسألون فقط عما جنته أياديكم في حاضركم ومستقبلكم في هذه الدنيا التي تعيشون أحوالها.

ثالثا: كيف باستطاعة الأمة أن تكون موحدة وقادرة على امتلاك خطط لتوجهات استراتيجية تحدد مستقبلها، وبعض قياداتها يعمل على هدم مقوماتها وكسر إرادتها ولجم تطلعاتها وتحجيم قدراتها وإمكانياتها، بل يكون مانعا للمّ شأنها وتضميد جراحها وتجبير خواطرها؟ هل هناك عربي ينسى ما فعله صدام بالكويت وهي الجارة التي ساعدته في حربه مع إيران؟ وهل ينسى أي عربي ما قام به بشار الأسد من تدمير وخراب لشعبه وبلده مرجعا بلاده إلى عصور الظلام؟.. والقياس على ذلك كثير، ومنها وهي آخر الأثافي تصرفات القيادة القطرية التي انضمت إلى نادي المخربين لأوطانهم وأمتهم.

رابعا: عندما تخلصت معظم دول الأمة من الاستعمار الغربي خلال الأربعينيات والخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، استبشرت شعوبها الخير وتأملت بنظرة تفاؤلية أن أوطانها ستنهض وتزيل الغبار عن كاهلها وتلحق بحضارة عصرها من تعليم راق وإنتاج وافر وفكر عصري حاضر، ولكن المسار خالف كل التوقعات المتفائلة عندما انحرفت بوصلته عن جادة الصواب واتجه نحو مسالك الضعف والتقهقر وإهمال الذات، متجاهلا طريق الجد والمثابرة لمواجهة الأخطار التي تعصف بأمته بعد استقلالها. فنظرة واحدة إلى مناهج التعليم والثقافة والتربية لدى الأمة سيصدمنا واقعها لأنها في مؤخرة مناهج الدول المتقدمة علما وتكنولوجية وتربية، فمازالت نسبة الأمية علما وثقافة في بعض دول الأمة كبيرة يصعب حلها، والعجيب أن بعض الثورات العربية صحيح أنها نجحت في الاستقلال ولكنها فشلت في محو أمية بعض من فئات شعوبها. هذا ناهيك عن انتشار الفكر المحبط غير المبدع الذي يسيطر على كثير من إدارة مؤسساتها في مجال التخطيط المستقبلي السليم الذي يؤطر لتصحيح المسار من أجل النجاح والرفاهية لشعوبها فيما لو أنجزت مشاريع إنتاجية تنموية مثمرة تخفف من حدة البطالة لدى الشباب المتعلم الذي يسعى إلى تحقيق آماله عن طريق إنجاز أهداف أوطانه.

خامسا: ضمن السعي لوحدة الأمة فإن الرؤى الاستراتيجية الفاعلة لا بد لها من أن تنظر وتُقيّم العلاقات بين أوطان الأمة سياسيا واقتصاديا وأمنيا واجتماعيا لتضع الأمور في نصابها الصحيح، فعلى سبيل المثال لا بد للأمة من مراجعة متطلبات شبابها وإنجاز المهم منها، فجلّ شباب اليوم متعلم ومثقف يرنو إلى الاستقرار الوظيفي والأمن الاجتماعي، الذي يهيئ له السكن اللائق والوظيفة المناسبة التي تعيله وأفراد أسرته، كل هذا لا يأتي إلا بتوفير الحلول الكفيلة بالقضاء على معظم مشاكل شباب اليوم المحبط. فالإنتاج الجيد والأداء المبدع لا يأتي إلا من فكر شبابي هادئ البال يعيش في مناخ اجتماعي واقتصادي أساسه التقدير والاحترام لكل الجهود التي يبذلها في سبيل إنجاح أهداف ورؤى وطنه.

سادسا: كيف يراد للأمة أن تتحد وتنسى سلبيات الماضي والمؤسسة الجامعة لكياناتها -الجامعة العربية- مازالت تمشي كالبطة العرجاء التي لا تقدر على إثبات شخصيتها، لأن نظامها الأساسي منذ نشأتها فرض عليها أن تتخذ قراراتها بالإجماع وهذا ينافي العقل والمنطق، فجامعة بها ما يقارب الواحد والعشرين عضوا باتجاهات سياسية مختلفة وإمكانيات اقتصادية متغايرة وقدرات عسكرية متمايزة وآراء فلسفية متعددة، كيف لها أن تصل إلى قرار جماعي؟! يكاد يكون هذا من قبيل المستحيلات، فقاعدة الأغلبية هي الأساس التي بني عليها النظام الديمقراطي الحديث من أجل اتخاذ قرارات استراتيجية مهمة تتعلق بمصير الأمم وخاصة في أمنها وسلامة كياناتها.

سابعا: كيف يُراد لهذه الأمة أن يكون لديها رؤية استراتيجية موحدة تعكس نموذجا مثاليا للعمل العربي الإيجابي، والتنسيق السياسي المشترك، والتكامل الاقتصادي المستهدف، والأمن العسكري الشامل، ومعظم الأجهزة الإدارية لمعظم دول هذه الأمة قد أصابها الترهل وانتشرت في أرجائها البيروقراطية، وتسرب الروتين القاتل إلى خدماتها، ولو تم إنجاز هذه الخدمات في وقتها، فإما يكون وراء ذلك واسطة أو شفاعة مسؤول، أو رشوة قُدّمت على طبق من فضة من أجل الإسراع في الموافقة عليها، بغض النظر فيما إذا كان هذا العمل يخالف النظام والقانون أو يوافقه.

ثامنا: وأخيرا وليس آخرا إذا أرادت الأمة أن يتفاءل مواطنوها ليروا أمتهم وقد نهضت وسارت في دروب التقدم والتطور والوحدة ضمن خطة استراتيجية واضحة مثلها مثل غيرها من الأمم الناهضة شرقا وغربا عليها أن تساهم بهيئاتها ومؤسساتها في إحداث ثورات نهضوية متقدمة في مختلف مجالات حياتها، فالأمة الصالحة لا ترغب في أن ترى مواطنيها وقد تكتلوا في مجموعات عنيفة متطرفة تهدف إلى التخريب والتدمير، ولا أن ينضووا تحت قيادات منحرفة هدفها شل قدرات الأوطان، بل تريد من مواطنيها وكل مؤسساتها وهيئاتها أن تساهم في خلق ثورات تنموية متقدمة في قطاعات التصنيع، والتعليم والتربية وحب الوطن والاعتزاز بالانتماء إليه في إطار معالجات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية صالحة لكل زمان، فإذا ما تحقق معظم ذلك فإن الأمة العربية بلا شك سيشرق نورها وتتطور أوضاعها وتنهض من عثراتها باستراتيجيات هادفة تؤهلها للدخول في مجاميع الدول المتقدمة التي حققت رؤاها في عالم تحكمه قواعد القوة والمكانة الجيدة والمنافسة الشريفة لإثبات الوجود.

https://halbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news