العدد : ١٤٧٥٤ - الأربعاء ١٥ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٤ - الأربعاء ١٥ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الثقافي

بين أجناس تتحرك بتحرك تطور المجتمعات: القصيدة العمودية في تحدي اختبار الزمن أمام حراك لا يتوقف لدى شعراء القصيدة النثرية

استطلاع أجراه: علي الستراوي ومحمد أبو حسن:

السبت ٢٧ يناير ٢٠١٨ - 01:30

منذ القدم عرف العرب بتميزهم وحضارتهم في اللغة وفصاحة اللسان وبلوغ المجد، والتي لم يستطع غيرهم من الحضارات في الشرق والغرب الوصول لهذا التميز مثل ما وصل إليه العرب من فصاحة وبلاغة في الأسلوب والمعنى، فقد تميزوا في معان كثيرة وأبرزها النظم الشعري لأبيات القصيدة العمودية بجزالة وعمق بالغ في الطرح والبناء والأوزان في نمط شعري نوعي والتي هي لب الشعر العربي في فصاحته، فمن رحمها ولد الشعر المستحدث بجميع أنواعه ومن خلاله أبدع أصحاب المعلقات وصولا بتلك الأجيال، لذلك تعتبر القصيدة العمودية القصيدة الأولى والأقوى لغة وتجانسا في الأدب العربي من حيث الوصف والجزالة والإبداع في التصوير 

كما أننا لا ننكر ما وصلت إليه قصيدة النثر والتفعيلة حيث انتشرت على نطاق واسع وسريع بين المهتمين من شعراء هذا الجيل كنوع مميز قادر على التجديد في العطاء والانتاج الأدبي استجابة لتطورات ومجريات الحياة المعاصرة في إيقاعها السريع لبناء قصيدة النثر، حيث تأثر هذا الجيل بحد كبير مع تلك المتغيرات التي اصبحت محركا ثابتا ومؤثرا بموروث هذا النوع من القصائد لذلك طغى على الكثير من منهجية اللغة في قوتها واصالتها للمعاني الأصيلة احساسا وبناء لمضمون القصيد. وعلى ذلك مما سبق طرحه للموضوع.. هل نحن نشهد أفولا للقصيدة العمودية في وسط هذا الانتشار السريع لقصيدتي النثر والتفعيلة في ظل هذه الثورة الثقافية على نخبة من الشعراء والمثقفين فكان هذا الاستطلاع الذي اخذنا فيه مراعاة الطرح على اكثر من شاعر وناقد محلي وعربي: 

الدكتورة الناقدة والروائية سناء الشعلان ترى: أنّ قصيدة النثر قد قدمت شيئًا ذا بال للقصيدة العموديّة أو قصيدة التفعيلة أو لأيّ جنس أدبيّ كان، بل هي حقًّا لم تستطع أن تكرّس اسمًا أدبيًّا واحدًا، فلا شاعر عظيم مكرس في هذا الجنس الوليد الهجين؛ فهي أضعف من أن تقدم لنفسها شيئًا حتى تقّدمه لغيرها من الفنون؛ فهي لا تزال حتى الآن مخلوقًا طريدًا لا يعترف به إلاّ القلّة، ولا يحلّ إلاّ في المقاعد الأولى. مع تحفظي وتحفظ الكثير من النّقاد والدّارسين والأكاديميين والجماهير على عدّ هذه الكتابة النثريّة ضربًا من الشّعر، وهي تخلو من عموده الأساسيّ، وهو الوزن والتفعيلة. فلا يزال هذا الجنس النثري محمولاً على النثر، منكرًا من الشّعر، يقدّم تجارب قلقة متخبطة من المبتدئين أو الفاشلين في الشّعر أو الذين يردون أن يكونوا شعراء رغم أنف الشّعر والجماهير وحقيقة أنّهم لم يولدوا شعراء، ولن يكونوا كذلك،فضلاً على أنّ هذا الجنس يتخبط في عوالم البوح والتهويم والإلغاز وتجارب أصحاب المواهب المزعومة والقدرات الشعريّة المزورة.

هذا الجنس النثري الذي يسميّه البعض تجاوزًا شعرًا سيكون قدره الأوحد أن يهرب من النثر ليلهث وراء الشّعر دون أن يحظى بأن يرتمي في حضنه المرحّب المحبّ، وسيبقى أنصاره ومبتدعوه خارج عالم الشّعر مهما تلصّقوا بجدرانه، ووقفوا على أعتابه، ولن يستطيع هذا الجنس النثريّ أن يخلق من رحمه شاعرًا، وهو ليس بشعر؛ فهل تلد الغربان الجبليّة نوارس بحريّة؟!!!

وعندما ندرس الشّعر العربيّ بتياراته جميعها واتجاهاته والمؤثرات فيه لا نستطيع أبدًا أن نرى تأثيرًا في حقيقته من جانب الجنس النثري المسمّى قصيدة النثر، وسيظلّ الشّعر يعيش سيرورته وحياته الطبيعيّة، ويظلّ هذا الجنس يجري جريًا هباء في سبيل أن يقنع الجميع بغير حقيقته، وما أظن أن يكون ذلك في يوم ما، وسيظلّ هذا الجنس زوبعة في فنجان، وعلى هامش الشّعر، وعلى غير خاطر النثر، فلا خوف على القصيدة المقفاة أو التفعيلة.

أما الشاعر كريم رضي فيعتقد من حيث المبدأ: إنه لا يمكن أن يلغي شكل معين شكلا آخر خاصة في الشعر. فكما أنه على صعيد الموضوع لا يلغي موضوع ما موضوعا اخر فما زالت اغراض الشعر نفسها تعود وتتطور وتتوسع لكنها لا تمحي ولا تزول فكذلك الشكل. فعلى صعيد الأغراض لا زلنا نرى الغزل والرثاء والقريض والفخر والوجدان والإخوانيات والثورة والحماسة والحق والحياة وغيرها من الأغراض التي مضت عليها قرون وهي تستعاد مع تبدل الأساليب في الكتابة عنها فكذلك سيبقى العنود والتفعيلة والنثر جنبا إلى جنب. وفي الحقيقة هناك اعتقاد علينا تصحيحه وهو اعتقاد الكثيرين أن النثر هو ابن عصرنا فقط لكن الحقيقة أن قدم النثر في القصيدة هو بنفس عمر الوزن تماما كما أن التفعيلة أو ما يسمى بالشعر الحر ليس صحيحا أنه بدأ فقط مع نازك والسياب وصلاح عبدالصبور بل قد عثر الباحثون على جذور للتفعيلة في شعر البند في القرن الخامس والسادس الهجري. وعثر الباحثون على النثر في ما يعرف بالعصر الجاهلي. صحيح أن استعمال النثر شكلا للقصيدة هو اليوم اكثر اتساعا وذلك أولا لسهولة الخروج عن الشكل الموزون الذي ربما يقيد انطلاق الشاعر أحيانا إلى آفاق المعنى الرحبة إلا أنه علينا ألا ننسى أن اساطين قصيدة النثر مثل أدونيس وقاسم حداد وغيرهم يكتبون ايضا العمود كما في (مجنون) قاسم حداد (وكتاب) أدونيس وغيرهما وبالتالي فلا يقصي شكل شكلا ولا موضوع موضوعا.

أما الشاعرة العراقية هديل الدليمي فتقول في مطلع حديثها.. كانت وما زالت القصيدة العمودية جوهر الشعر العربي وحجر أساسه، فمنها تشعّبت كلّ أنواعه ومستحدثاته، ومن مبادئها اشتق النظم بكلّ ألوانه.

تربّعت بكلّ اقتدار على عرش الشعر وتولّت منصب الهادي والمرشد والمدير التنفيذي للغة العربية الأم.

اختالت بقوّتها وأصالتها التي عرفت بها حتى يومنا هذا، من حيث عمق الفكرة وجزالة المعنى وابتكار الصور الخلاّبة والتفنّن في الصياغة والبناء، فباتت المأوى الأول لكلّ كاتب وهاوٍ وطالب للشعر والأدب.

ولعلّ التراث الأزلي الهائل يعد من أبرز الأدلّة على منزلة وجدارة هذا النوع الفاخر من القصائد، منه المعلقات العشر التي نظمت في العصر الجاهلي من قبل فطاحل الشعر.

لقد مرّ الشعر بعدّة محطّات ونما وتفرّع عبر الأزمان حتى وصل بنا لقصيدتي النثر والتفعيلة وما ألمّ بهما من صخب رمى بهما خارج إطار العروض وقواعده واحتوائه على أعداد متساوية من التفعيلات والقوافي الموحّدة.

يبقى السؤال الأهم في واقعنا الأدبي الموشّى بقلق المصير، (هل نشهد أفول عصر القصيدة العمودية بحيث تصبح من الماضي)؟

أقول.. القصيدة العمودية أعظم دورا وأخطر أثرا من أن نكبّلها بأغلال القلق والمخاوف.. هي خلاصة كائن بشري حيّ في كلمات شكّلت أبهى الصور واسمى العواطف في خيال جامح امتصّته الذوائق وتناولته العقول برحابة وعي، ولا أظن أن بروز الألوان المستحدثة سيمحوها أو يقتلها كما تنبأ البعض

إذ لا ضير من التعدد الذي سيخلق قدرة جديدة على الإبداع ويصبّ في مصلحة عامة الأذواق ويقيها من طارئة الملل.

ولعلّ الأثر الحضاري سينتج حركة ابتكارية خاصة به، وبرأيي أي تنقّل أو تغيير سيدفع للتجديد وليس الإلغاء وهذا لا يعني تجاهل الأسس مهما تغير الزمن وشاخت ملامحه.

وما تلك الألوان المستحدثة إلاّ براعم تحاول أن تتفتّح وتخرج لفضاء الأدب الرحيب.

أما القاص والروائي أحمد المؤذن فقد كانت له هذه المداخلة..

أمر السيادة في ساحة الشعر اليوم.. حقيقة لا أستطيع أن أنسبها للون شعري محدد في سياق السؤال الذي تطرحه، من موقعي كقاص ومهتم بالشعر، أرى أن القصيدة العمودية لها جمهورها وحضورها في الساحة الثقافية على مستوى العالم العربي، لا تزال تختزن قوة تأثيرها على المتلقي العربي وتحظى بالتألق المنبري في ساحات الاعتصامات ذات الطابع السياسي والكثير من المناسبات ذات الطابع الجماهيري ولكن.. هذا لا يعني أن قصيدة النثر والتفعيلة أو أي لون شعري آخر لا جمهور له، مع ثورة السوشيال ميديا اليوم، نجد انتشارا سريعا لأشكال متعددة في تناول القصيدة، وهناك الغث والسمين المبتدئ والصاعد وغيرهم، الفضاء مفتوح أمام الجميع لاختبار موهبته.

قصيدة التفعيلة أو النثر وحتى العمودية، لست هنا أرجح صلاحية نوع على الآخر في صراع البقاء، «مع تحفظي» على صلاحية نوع على حساب آخر، برأيي أنواع الشعر لا تمر بمرحلة صراع لإثبات الافضلية، الساحة الثقافية رحبة وتتسع لكل الاتجاهات والمدارس، القصيدة العمودية تعطي حضورها المميز وفي اعتقادي قادرة بالاستمرار وتحدي اختبار الزمن وصولا إلى الأجيال القادمة.

ويرى الإعلامي والشاعر علي الستراوي في مداخلته حول 

الإشكالية التي طرحناها:

أنه لا توجد حالة ثابتة حيال أدب ما، لأن اي ادب فاعل في المجتمع هو نتاج حاجة المجتمع إليه، ومنذ ظهور اجناس الأدب لم نقرأ تغلب ادب على آخر.

وكل من كتب أو تلمس واقع الأدب بتعدد فروعه أو اجناسه، نرى فيه اختلافا قد يكون سببًا جوهريًا للحاجة التي هي مبتغى حاجة المجتمعات إلى التغيير.

ومنذ (فن الشعر) لارسطو وحتى عصرنا الحالي لم نشهد ادبًا ألغى الآخر، لأن كل فن تحكمه عدة عوامل ثابتة ومتغيرة في ظل ما تقتضيه الحاجة لهذا الفن المتفرع من الأدب، إن كان شعرًا عاموديًا أو نثريًا أو بما هو متعارف عليه بقصيدة التفعيلة «الحرة»، بالأمس التاريخي كانت القصيدة سفيرة القبيلة ولسان حالها، وكان فيه الشعر العربي متسيدا الساحة بشكله الخليلي المتعارف عليه وفي تلك المرحلة التاريخية، كان يلبي حاجة المجتمع القبلي وتفاعل الشاعر الملحمي مع الذات التي هي نتاج مجتمع القبيلة.

تلك الحدود التي اشعلت التنوع هي نفسها خطى غير ثابتة، فليس من المعقول أن نقول: إن قصيدة الشعر العمودي قد انحسرت وليس لنا قدرة على أن نميتها لأنها هي في سباق مع الجديد وعليها ان تنحسر.

الحاجة المجتمعية عند العموم فرضت ادبا آخر اكثر حرية واكثر اثراء في تنوع الصورة وخروجها من التقليدية إلى ما يشبه الحاسوب العصري والتنافس التكنولوجي المتسارع في قصيدة النثر، فابقت لقصيدة النثر رسالة اوسع منها في القصيدة العمودية أو التفعيلية، وليس هذا وليد صدفة لكنه حاجة المجتمع لها في رسم صورة اكبر منها في الأدب الآخر ما دعى قصيدة النثر أن تفرض وجودها.

من جانب آخر يرى الشاعر الفلسطيني نزار أبو ناصر: إن الحس الداخلي والموسيقى الداخلية في قصيدة النثر هو أهم ما يميزها عن القصيدة الكلاسيكية سواءً العمودية أو التفعيلة، لكن هناك العديد من العوامل الجمالية والتي أضافتها قصيدة النثر منها ؛ المواضيع الحديثة والألفاظ الحديثة والتي تلفت انتباه أذن المتلقي وبصره وباقي حواسه، تلك المواضيع التي تناقش التكنولوجيا، وحتى الرياضيات والدوال والحدود بل والأبعاد أيضًا..

فاللجوء لكتابة قصيدة النثر كان توافقًا مع التطور الحاصل في استيعاب اللغة للمفاهيم concepts والمصطلحات الحديثة modern terminology لأن الإناء البنائي كان يجب أن يتسع لهكذا تجريب بعيدًا عن سواحله المعهودة، ليس انتقاصًا من القصيدة العمودية أو قصيدة التفعيلة بل كشاطيءٍ جديدٍ من شواطيء اللغة الأم 

تحرر القصيدة النثرية من الوزن والقافية ألقى بظلال المسؤولية على ما يولده موضوع النص وألفاظه من موسيقى،، لا يمكن أن تشد القارئ للنص النثري إذ لم يجذبك الموضوع والألفاظ وطريقة البناء والتركيب في القصيدة النثرية 

فالحرية في التشكل من ناحية الطول أو القصر والسردية الممتدة على مدار القصيدة فمرة كلمة عابرة تتبعها فاصلة ونقطتين ومرةً قطعة نثرية متماسكة كأنها بناء شاهق، أسهم في إضفاء جو التنوع والاختلاف سماعًا عن غيرها من القصائد.

القصيدة النثرية ألقت الحمل الأكبر على عنصر المفاجأة والدهشة في إحداث أكثر متعة لدى المتلقي، والدهشة هنا تحدث نتيجة المفارقة بين المطروح والمقصود أو محاكاة الألفاظ لبعضها البعض في السطر الواحد، وقد تقترب «النُثيرة» من الخاطرة في الشكل البنائي لكن ميزتها الأساسية هي اللغة العالية المكثفة والقفزة الفكرية في الطرح، فالموسيقى هنا عذراء، هي الموسيقى المتولدة من اللغة الأم ذاتها 

في قصيدة النثر نحن نرجع إلى شواهد الموسيقى البكر بعيدًا عن الاَلات الموسيقية الموجودة في غيرها من القصائد، نرجع إلى أعماق اللغة ذاتها بلا أدوات، فلا عروض ولا قافية ولا محسنات بديعية متبعة بالشكل النمطي، اللغة الأم كما هي الطبيعة الأم مصدر هذه الموسيقى الأساسي، والتنوع والتجديد ليس طفرةً غريبة عن اللغة بل كان موجودًا وحاصلاً على مر التاريخ وله دلائل كثيرة من كتابات الجاحظ وأبو العلاء وفن المقامات وغيرها من الأشكال التي كانت تجدد وتطور في نمط المحاكاة الموسيقية للعبارة المنطوقة 

وقد يستغرب البعض من رأيي القادم؛ أن قصيدة النثر قَرَّبت اللغة العربية للقارئ العادي ثم قَرَّبت اللغة للقارئ المهتم بشأن الكتابة فالكاتب للقصيدة النثرية صار عليه أن يفهم أكثر يقرأ أكثر خاصةً في فنون النحو والصرف حتى لا يخطئ في بنائه لقصيدته، مضيفًا الشاعر نزار، تبقى القصيدة النثرية في مصاف شعراء التفعيلة اكثر انفتاحا واكثر صلابة وكل من الفنون الأخرى يبحر في شاطئه لأن النثر برغم ما فيه من فواتح اوسع منها في الشعر المقفى والتفعيلة تبقى التجربة لازالت طرية والكل فيها يحاول الإبحار.

بالإضافة لكونها شباك التجريب الأشرح في بيت اللغة العربية ولا خوف على باقي الألوان الأدبية لأن دورة التاريخ علمتنا أن هذه من سَنَن الحياة في التغير والتبدل والتطور لكن الأصالة ستبقى محفوظة في اللغة ذاتها باختلاف فنونها.

وترى الأستاذة الشاعرة نادية الملاح في هذه الإشكالية قائلة: 

مازلتُ أنظر إلى القصيدة العمودية بوصفها أمّا للشعر العربي، وجذرًا متأصّلا لا تعلو دونه شجرة الأدب بحال، الأمر لا يتعلق بقولبة أو جمود، فهي مازالت تحمل فضاءات شتى يسبح فيها الشاعر ويسبّح، ولا أجد في قول البعض إن في بحور الشعر قيد يحول دون تجنيح الشاعر ورفرفة خياله شيئا من الصحة، فالشاعر الذي يعجز عن كتابة النص العمودي يحلّق بعيدا عن سرب الشعر، أكن الكثير من الاحترام لنص التفعيلة بموسيقاه وترانيمه، وأحترم كذلك النثر جدا ولكن كلا بصفته وحدوده، بالرغم من أنني أكتب في الحقول الثلاثة، فصيحا وشعبيا، إلا أنني أؤمن بأن النص العمودي قاعدة انطلاق الشاعر التي متى ما كانت محنّكة وثابتة تمكّن بعدها من التحليق في كل فضاء كيف يشاء.

وفي جانب آخر ترى الدكتورة الناقدة زهره حرم في معرض ردها فتقول: 

الحقيقة أن الشعر فن كأي الفنون؛ لذلك من الطبيعي أن يخضع لسنن الحياة في التغيير والتطوير، وربما الضعف والاضمحلال. كان في الزمن البعيد أعجوبة، ونبوغ، وكم كان حظ القبيلة عاليا حين تكتشف أن بين جنبيها شاعر، يقول الشعر موزنا ومقفى على غرار المعلقات العمودية الشهيرة.. وكان رأس الشاعر يعادل رأس سيد القبيلة في الثقل والمكانة. 

وبالتدريج.. وعلى مر الزمن.. ووصولا للعصر العثماني وبلوغ الأدب ما يُسمى عصر الانحطاط؛ حيث الصنعة والتقليد هما مدار الفخر.. إذ ابتعد الشعراء عن المنبع الأصيل.. وظلوا يتابهون بمقدار ما يُدبّجونه من زخارف وحلى على هذا الشعر.. منذ ذلك الوقت ونحن نشهد أفول الشعر.

فكيف بالعصر الحالي.. إن من الطبيعي جدا أن يأفل نجم القصيدة العمودية، ويخف وزن الشعراء معها، وتظهر ألوان من الشعر تتساوق وعصرنا الإلكتروني الحالي.. نحن في العصر الرقمي السريع، بل الخرافي السائر بنا إلى مجهول لا نعرفه.. في وتيرة (طيّارة)..  حيث الكلمة الموجزة، والمبتورة.. والذوق المُهلهل.. يجعل من قصيدة النثر هي الأولى اليوم.. حتى التفعيلية ليس لها مكان.. وكل ما كان محكوما بالضوابط ليس له مكان اليوم.. مهما تغنينا وادّعينا أن القصيدة العمودية لا تزال تبرق.. إن بريقها خافت جدا.. كل الشكر لمن حافظ عليها..كمن يحافظ على إرث الأجداد في صندوق قديم.

وفي رأي الشاعرة اليمنية الشابة مها عبدالرحيم ترى أنها: لا أمتلك رأيا مختصا للحديث عن هذا الاختلاف في فنون الشعر، لكنها ما دونته هو رأي شخصي لقارئ من جيلها..، رغم أننا لا نلمس ذلك التقدير محليا أو حتى الاعتراف بقصيدة النثر، الذي يدفع شعراء لمحاولة إثبات ذواتهم بقصائد التفعيلة والعمود قبل التحدث بفخر معلن عن قصائدهم النثرية، لكنه نمط محبب وقريب من الجيل الجديد وحتى الجيل الذي قبله باعتباره أكثر قربًا للقارئ وأكثر قدرة على كسر القيود النمطية في التفعيلة أو النثر التي قد تستلزم أحيانًا قول ما يستلزم الوزن ولو لم يكن مكملا فعليا لموضوع النص أو القصيدة، في النثر هناك المساحة الكبيرة للدهشة للصور.. للتعابير الحرة والمواضيع السهلة الممتنعة التي وإن بدت سهلة في وصولها للقارئ فإنها بصعوبة كبيرة في طريقة تخلفها وتشكلها في وجدان الكاتب وسطوره.. يمثل النمط هذا ما يشبه ثورتنا الخاصة كقراء في البعد عن الموسيقى النمطية والبحث عن الجديد مما يبتكره كتاب قصيدة النثر.. حيث الفكرة المبتكرة هي بطلة النص وليس الموسيقى..

متحيزة لجمال قصيدة النثر أجل دون إنكار لجمال الكثير من قصائد العمود والتفعيلة، لذا لا نستطيع القول أنها تنحسر بل أن قصيدة النثر بدأت بأخذ مساحة من الضوء المستحق في الساحة الأدبية. 

ومن جانب ترى الشاعرة القاصة الروائية الفلسطينية في هذا الجانب قائلة: الحديث عن قصيدة النثر، يجب أن نعود لتوضيح بخصوص الشعر الحداثي والذي تقوم أسسه على تحطيم الشكل والبناء التقليدي للقصيدة، والتحديث والتجديد في الأدب بشكل عام، ثم توالد الشعر الحر وقصيدة النثر.

يرى الحُداثيون العرب أن أصل الإيقاع الموسيقي في القصيدة هو العاطفة وهو ما يتعارض مع البحور الخليلية في القصيدة العربية، فانقسم النقاد والشعراء بين موافق ومعارض لما توالد من أجناس أدبية نتجت عما وصلنا من خلال الترجمات الأدبية، كديوان «أزهار الشر» لمؤسس المذهب الحداثي شارل بودلير. فكرة البناء الذي لا يقوم على أنظمة وأطر لغوية وإنما يُعبر عن العاطفة والحالة الشعورية لصاحبه بعفوية وشفافية، كذلك تحرر الأفكار من القوالب النمطية استسيغت بشكل كبير في عالمنا العربي، فبدأت عملية التجديد، حيث تحول «العجز والصدر» لسطر شعري متصل لا تحكمه القافية واعتمدت لغة الشعر الحر كما في أصلها الغربي على الرمزية والسريالية، فكان التدفق الصوري يتسم بالإيحاء والتلميح والتجسيد، كما في قصيدة «رصاصات بيضاء للأيام السوداء» لممدوح العدوان، و«خمس أغنيات إلى حبيبتي» لأمل دنقل، و«دوامة النورس الحزين» لمظفر النواب..

في المرحلة التالية من تطور القصيدة العربية، توالدت قصيدة النثر، وهي تُؤرَخ بدايةً من عند توفيق الصايغ. تعتمد قصيدة النثر نظام الفقرة الشعرية وسيجد القارئ تداخلاً بين الشعر الحر والنثر «السرد القصصي» فيها مما يجعلها هجينة، كدخول حرف العطف في بداية السطر الشعري كما عند غادة السمان في قصيدة «عاشقة الممحاة» أو أسلوب الحوار والخطاب كما في قصيدة أنسي الحاج «قتل حبيبها التنين»، وقد تكون غنائية كما عند محمود درويش في «أعدُّ أضلاعي»، وهو ما يعيد فتح النقاش من زاوية أخرى، حيث يجب التفريق بين مفاهيم الشعرية والشاعرية وأيضًا الشعر والنثر الفني، وهي قضايا تناولها مجموعة من النقاد مثل: البروفيسور كمال أبوديب ود.علي جعفر العلاق ود.علي جواد الطاهر وغيرهم..

قصيدة النثر العربية، من أصعب الأجناس الأدبية كتابة برأيي، فهي تعتمد على ثقافة وأفق الشاعر ورؤيته الشعرية والعقلية المنفتحة على الآداب الإنسانية ومحاكاتها النفسية بالعصف الذهني وكياسة العاطفة وتمرد اللغة ورشاقة إيقاعاتها، وكل مرحلة لها شعرائها بحسب تطور المجتمع فلم تأتي قصيدة النثر لترمي بقصيدة القوافي أو التفعيلة في سلة المهملات، بل اتت لتؤكد أن ادوات الجيل الجديد ليست كأدوات اجيال قصيدة البحور والتفاعيل وكل يبحر في مجاله.

ويختم الشاعر علي النهام استطلاعنا بهذا البعد الذي يرى فيه: كانت وما زالت قصيدة النثر تشكل موضوعا خلافيا حول الاعتراف بها كلون شعري من عدمه رغم انتشارها الذي بلغ الآفاق ولا ينكر أحد مساهمتها في إثراء حركة المشهد الأدبي والثقافي في الوطن العربي، لكنني أعتقد أن قصيدة النثر أصبحت جزءًا أصيلا وفاعلا في جسد الثقافة العربية يتطور كل يوم ليضيف مساحات وجدانية وفنيّة مشكلاً مع باقي الألوان الأدبية وعاء جامعا للتجارب الإنسانية في قالب فنّي مبهر، وما زلت قصيدة النثر تنمو وتتطور بشكل مطرد لتخلق حراكا إبداعيا ينجز أسئلته بعيدا عن القياسات والأطر التقليدية. وتتميز قصيدة النثر بإطلاقها الحرية للخيال لي.

مؤكدًا أن ليس هناك خوفًا من انحسار قصيدة البحر الواحد أو التفعيلة لأن كلا الفنين ابحر في زمن ووقت معًا ولازالا يبحران جنبًا لجنب في ظل حركة نثرية عالية الإيحاء والصور واكثر من اي الفنون الأخرى حراكًا في الزمن السريع، ولن تكون هناك غلبة لفن دون آخر، كل يبحر والحكاية واحدة، تطور ادوات الشاعر وامكانياته، رهان المبدع.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news