العدد : ١٤٧٢٦ - الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٦ - الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

مقالات

أن تكون إنسانا..!

بقلم: د. عبدالرحمن عبدالله بوعلي

السبت ١٣ يناير ٢٠١٨ - 01:30

كتب الفيلسوف والشاعر البريطاني (روديارد كيبلنغ) إلى ابنه ذات يوم قائلاً: يا بني إذا استطعت أن تحتفظ بعقلك عندما يفقد كل من حولك عقولهم؛ إذا وثقت بنفسك عندما يفقد كل إنسان ثقته فيك؛ إذا استطعت أن تحتمل أن يعاملك الآخرون بالكذب من دون أن تلجأ إليه؛ وبالإهمال من دون أن تقدر عليه؛ إذا استطعت أن تشعر أنك موضع كراهية لبعضهم من دون أن تدع لها مجالاً لكي تتسرب إلى ذاتك؛ إذا تمكنت ألا تبدو أفضل مما ينبغي ولا تتكلم أكثر مما يجب؛ إذا حلمت كثيرًا من دون أن تدع للأحلام سيادة عليك؛ إذا استطعت أن تفكر من دون أن تجعل الأفكار غايتك القصوى؛ إذا استطعت أن تواجه الفوز والفشل بالوجه نفسه؛ إذا استطعت أن تخاطب الجماهير من غير أن تتخلى عن فضائلك؛ إذا كان الناس كلهم عندك سواسية.. فلك الأرض وما عليها؛ وعندها ستكون إنسانًا..!

هل تبدو هذه القائمة الفخمة من السجايا والصفات مغرقة في الرومانسية الاجتماعية والإنسانية..؟! هل هي أقرب إلى اليوتوبيا الفردية..؟! ربما يظن البعض ذلك، ولكنها الصفات التي تجمع توقنا جميعًا.. وغاياتنا جميعًا.. واحترامنا جميعًا.. وتقديرنا جميعًا.. وتشتمل على أجمل توقعاتنا في أنفسنا وفي الناس من حولنا.. إنها ليست شروطًا للإنسانية بقدر ما هي خطوط لتحديد شكل وماهية الإنسان الذي نأمل أن نكون، أو الإنسان الذي نرجو أن يكون صديقًا لنا..!

هذه القطعة من الأدب الرفيع التي اشتهرت على نحو واسع بين الأدباء وفلاسفة الأخلاق والمفكرين التربويين لا تعني مطلقًا أن الإنسان لا يخطئ ولا ينبغي له أن يغضب أو يضعف أو يطمع.. إلخ. فكلنا معرضون لذلك، وكلنا نراوح في قراراتنا وتصرفاتنا بين الخطأ والصواب، ونراوح في أفعالنا وأقوالنا بين الفضائل وما دونها.. ولكن الحكمة كل الحكمة والحصافة كل الحصافة والنبل كل النبل أن نحافظ على إنسانيتنا في كل أحوالنا وتحولاتنا.. أن نتذكر ضعفنا عندما نوشك على الظلم، وأن نحتفظ بتوازننا عند الغضب، وأن نمتلئ بالصفح عندما تكون الكراهية أسهل الحلول، وبالتسامح عندما نتعرض لظلم لا يطول ديننا وكرامتنا وشرفنا.. وأن نحافظ على أخلاقياتنا وسجايانا الطيبة في العسر واليسر والرضا والغضب..! وكان الإمام الحسن البصري يقول: ما رأيت أجمع لصفات النبل من هذه الآية: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى».. والشنآن هو العداوة، والمقصود ألا يحرفكم عداء شخص أو كراهية مجموعة عن العدالة في الحكم لهم أو عليهم..!

إننا نحكم على أنفسنا من خلال قدرتنا على ما يمكن أن نفعل، وبعضنا يحكم على نفسه من خلال قدرته على ما يمكن أن يحلم به، بينما يحكم الآخرون علينا من خلال ما فعلناه فعلاً، وما لم نفعله..! ومن خلال ما قلناه حقا، وما لم نقله.. إنها في الواقع مسؤوليتك تجاه أن تكون إنسانًا..! أما غير ذلك فمسألة فيها نظر، كما يقول عباس العقاد: أن تغضب فأنت إنسان ومن حقك، أما أن تعتدي فمسألة فيها نظر..! وذكر بعضهم شخصًا أمام (نيتشه) فوصفه بأنه إنسان فاضل.. فقال (نيتشه): إن لم يكن فاضلاً فلا يستحق أن يكون إنسانًا..!

وأختم بقصة لطيفة وعميقة للغاية أوردها الشيخ الحبيب علي الجفري في سلسلة مقالات جميلة وضع لها عنوانا معبرًا أيضًا هو (الإنسانية قبل التدين).. وهي تسير على منوال أن الأخلاقيات الطيبة والسجايا الرفيعة والإنسانية في التعامل مقدمة على التدين وليس على الدين نفسه بالطبع.. جاء في الحديث الصحيح أن رجلاً من أهل البادية جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الأعرابي: مَا أَنت؟ فَقَال: نَبِيٌّ. قال الأعرابي: وما النبيُّ؟ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام: رسول. قال الأعرابي: ومن أَرْسَلَك؟ قَالَ: اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، قُلْتُ: بِمَاذَا أَرْسَلَكَ؟ فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم إجابة تستحق كثيرا من التأمل..! لأنه لم يقل أرسلني بصلاة وزكاة وحج وصوم.. بل قال أرسلني بِأن تُوصَل الأرحام، وتُحقن الدّماء، وتُؤمنَ السُّبل، وَتُكَسرَ الأَوْثَانُ، ويُعبَدَ الله وحده.. قال الأعرابي: نِعمَ مَا أرسَلَكَ بِه، وأُشْهِدُك أَني قَدْ آمَنْتُ بِكَ، وَصدقتكَ..!.. إنها الإنسانية التي يتفق عليها الأعرابي في صحرائه والطبيب في عيادته والمفكر في جامعته والعابد في مسجده وصومعته وكنيسته..!

في الشأن الوطني: الوطن.. والمواطن.. وقرارات رفع الأسعار..!

 لا أحد في هذا الوطن يمانع أن نكون شركاء في تحمل أعباء تداعيات انخفاض أسعار النفط وعجز الميزانية والأوضاع المالية المتراجعة.. ولكن انفراد السلطة التنفيذية باتخاذ قرارات رفع الأسعار بشكل مفاجئ للناس والسلطة التشريعية يشكل صدمة للجميع ويسبب إحباطًا للمواطن ويزيد من مشاكله وظروفه الصعبة. 

يريد المواطن برنامجًا واضحًا حول زيادة أسعار المواد الأساسية، يتم الاتفاق عليه بين السلطات والالتزام به من الجميع، بصورة تراعي أوضاع المواطنين ولا تزيد أعباء جديدة على أعبائهم التي أصبحت فوق الاحتمال.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news