العدد : ١٤٨١٦ - الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٦ - الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٠هـ

الثقافي

ســـرديــــات: عاشق الصحراء جورج أوغست والين... من فنلندا إلى شبه الجزيرة العربية!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ

السبت ١٣ يناير ٢٠١٨ - 01:30

كثيرة هي الرحلات التي قام بها مستشرقون أوربيون بحثًا عن الشرق الرومانطيقي الذي أبهرهم في القرن التاسع عشر حيث كانوا لايزالون واقعين في سحر الدوائر الشرقية وحيث استيهام الليالي العربية وحيث الانبهار كذلك بالجهد الضخم الذي بذله علماء الحملة الفرنسية على مصر عندما أنتجوا كتابهم التأسيسي المهم جدًا «وصف مصر». ولم يتمَّ الانفكاك من هذا المؤثر الرومانطيقي الاستيهامي إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وبالنسبة إلى رحّالة ومستشرق فنلندي آتٍ من الأصقاع الشمالية الأوروبية الاسكندنافية فقد كان أمر رحلته وتوثيقها في حكم القليل النادر بالنظر إلى موطنه؛ وبالنظر كذلك إلى وفرة عدد الرحلات التي قام بها مستشرقون أنكلوساكسونيين وألمان وفرنسيون. ولذلك يكتسب كتاب كاي أورنبيري عن الرحّالة والمستشرق الفنلندي جورج أوغست والين أهمية استثنائية كبرى للتعرف إلى متخيل الشرق عند رحَّالة فنلندي. والكتاب اسمه «عاشق الصحراء، جورج أوغست والين: حياته ومذكراته»، والترجمة العربية هي من سلسلة «إصدارات» التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة.

يصدر جورج أوغست والين رحلته إلى المشرق (في العقد الرابع من القرن التاسع عشر) ببداياته التأسيسية الأولى في مدينة سانت بترسبورغ التي أذهلته حد الانبهار؛ ففي رسالته إلى أمه المؤرخة ببداية شهر مارس 1840 يكتب إليها «قضيتُ أربعة أيام أتجول في ربوع مدينة سانت بترسبورغ المترامية الأطراف، أتعجب من كل ما رأته عيناي فيها من أمور فريدة ومتميّزة. لم أرَ في حياتي كلها مدينة يمكنها أن تنافس هذه المدينة. لا يمكن مقارنتها بمدينة هلسنكي ولا بما لايزال محفورًا في ذاكرتي عن مدينة ستوكهولم. لا، لا يمكن مقارنة هذه المدينة حتى بستوكهولم بأي حال من الأحوال. أعتقد أن الحياة هنا بصفة عامة وعلى عدة أصعدة ستكون حياة سعيدة ومثيرة للاهتمام». وسيمكث والين في سانت بترسبورغ وقتًا من الزمن لاستكشافها ولتقصي تفاصيلها العميقة من متحف الإرميتاج ومتحف «كونستاكاميرا» وأكاديمية الفنون وغيرها وكذلك للدراسة في جامعة الكسندر القيصرية.

ومن هناك سيبدأ بطلب منحة تمكنه من السفر لاكتشاف أكبر وهو اكتشاف الشرق والتعرف إلى صحاريه وثقافته ودراسته كل ما يتصل بلغاته الشرقية. وبالتالي قام والين برحلات شملت مصر ومكة والمدينة ثم الرحلة الصحراوية الثالثة التي شملت مناطق في الجزيرة العربية مثل المويلح وتبوك وتيماء وحائل والنجف وإيران وبغداد ودمشق والإسكندرية والقاهرة.

تكتسب أهمية رحلة والين إلى الجزيرة العربية في كونه أول من جمع أشعار البدو في شبه الجزيرة العربية وأول من سجّل ملاحظاته على لهجاتهم بحكم تخصصه في اللغات الشرقية. ولاتزال مخطوطات رحلات والين في الشرق كما يبين كاري أورنبيري محفوظة في مكتبة جامعة هلسنكي (المكتبة الوطنية). ومن ضمن هذه المخطوطات مذكرات والين للسنوات (1845-1849) المكتوبة باللغة السويدية بحروف عربية، وتفاصيل أخرى قيمة مثل توثيقه للأحوال الجوية في شبه الجزيرة العربية للسنوات(1845-1848)، ومراسلاته باللغة العربية وكذلك رسائله التي أرسلها إلى معاصريه من علماء اللغة العربية.

لا شكَّ أنَّ قراءة نتاج والين قراءة علمية ستمكننا من تنويع المصادر الاستشراقية التي تناولت شبه الجزيرة العربية، وخاصة فيما يتصل بالأرشيف التوثيقي النادر الذي وثقه هؤلاء المستشرقون على اختلاف مرجعياتهم. وبالرغم من الصورة النمطية التي كونها إدوارد سعيد عن الاستشراق الأوروبي فإنني أرى أن ثمّة تنويعات مختلفة ومتداخلة في هذه التمثيلات التي لا يجب اختزالها في صور تنميطية في الثنائية المشهورة شرق/ غرب؛ فالتمثيلات أعمق بكثير. شكرًا لمشروع «إصدارات» على الترجمة العربية لكتاب مهم يلقي الضوء على رحّالة ومستشرق فنلندي قام بجهد استثنائي ولكن للأسف لا يُشار إليه وبقي اسمه مغمورًا رغم إنجازاته المهمة!

أستاذة السرديات والنقد الأدبي الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين.

dheyaalkaabi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news