العدد : ١٤٧٢٦ - الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٢٦ - الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٣٩هـ

الثقافي

الشاعر يوسف حسن: الشعر قضية في الوقت الذي هو لحظة شعور

حاوره - علي الستراوي

السبت ١٣ يناير ٢٠١٨ - 01:30

الألفة والحب والعطاء ووحدة المشروع الإبداعي، القرية الينابيع والمزارع والنخل السامق


 عندما تكون وجها لوجه مع شاعر كثيرًا ما حلمت أن تكون بجنبه تتحدث معه بحرية من دون قيود، فإن هذا الحلم يعني الكثير للمحاور وللطرف الثاني الواقع عليه الحوار بعد لرسالة كثيرًا ما أصر عليها القراء، مع يوسف حسن الشاعر «ابو وديع» المخضرم كانت إلى وقفة أحببت فيها الشاعر القروي، وشدتني الريح نحو سفنه زائرًا له في منزله في قرية «الديه» لأطرق بابه في محاورتها، والذي بدوره لم يتردد رحب بي، فكان هذا الحوار:

-* بعد التجربة الطويلة التي قضيتها بين العمل وبين الأدب كيف لأديب مثلك يتحدث عنها؟

- مريرة صعبة كانت التجربة، كانت كمن يشق طريقه في الطوفان أو في أرض مليئة بالألغام، فجاج وطعوس ومسالك لا تدري إلى أين تؤدي بك أو إلى أين توصلك.

كان الواقع المعاش هو الذي يحدد الرغبات والمسارات، وهو الذي دفع بي إلى الالتحاق بمشروع التدريب المهني الذي استحدثته شركة النفط بابكو في النصف الثاني من عقد الخمسينيات من القرن المنصرم مع ما في هذا المسار من طلاق اللغة العربية البائن والثقافة والأدب العربي، فقد كانت الدراسة ذات طابع أوروبي بحت وخصوصية منهجية بريطانية بما يعني تعارضها مع ميولي الفطرية ورغباتي الذاتية الكامنة إلى اللغة العربية.

وبرغم أن الدوام اليومي كان يبتلع سحابة النهار وشيئا من أطراف الليل، فإن الرغبة الملحة في التواصل مع اللغة لم تلبث أن تغلبت في داخلي على المعوقات، فكنت أقضم ما توفر لي من أوقات الراحة لمتابعة الدراسة والقراءة حتى حصولي على ليسانس اللغة العربية وأدابها عام 1971.

*- هل كان للشعر عندك قضية أم لحظة شعور بأنك تود أن تكتب؟

نعم.. الشعر قضية في الوقت الذي هو لحظة شعور، ماذا يعني الشعر أو الكتابة بإطلاقها إن لم تكن صادرة عن واقع حياتي أو اجتماعي معاش؟، ماذا يعني الشعر إن لم يكن له صلة بالناس والقراء المفترضين؟

ولماذا أكتب أو أقرأ شيئا لا يعنيني كإنسان أو يعني الآخرين كبشر؟

ومع أن الشعر من الفنون الذاتية والجمالية إلا أن هذه الذاتية وهذه الجمالية تستمدان مقوماتهما وقيمهما وشرعيتهما من هم الواقع وصراعاته وتناقضاته، حيث تعود الذات الشاعرة لتصب معاناتها ومكابداتها في نهر المجتمع العميق. ومع ارتباط الشعر ارتباطا عضويا بهذا العام الواقع الموضوعي، فإن ذلك لا يعني بتاتا تخليه عن قيمه اللغوية والفنية والجمالية، وعليه أن يجد لغته الخاصة ومعادلاته الفنية والجمالية وإلا تحول حشوا سطحيا ممجوجا. 

*- قصائدك نهجت في انتمائها حب القرية، فما الذي يعنيه لك ذلك...؟

- القرية هي الرحم والمشيمة وحبل السرة.

القرية الينابيع والمزارع والنخل السامق ذو الأفياء الظليلة والقبعات الخضراء والساحل الممتد المتعرج برماله الناصعة الكثيفة المتموجة المسترسلة كظفائر امرأة جميلة، القرية البحر المقصب بشفق الغروب، والمحلى بمياه الينابيع العذبة، كل هذه العناصر مجتمعة شكلت البيئة الطبيعية العذراء التي تنامت في داخلي وطبعت ملامحها وقسماتها في وجداني الطفولي، وتجلت بصور وأشكال وصيغ مختلفة في الديوان الذي وسمته القرية بميسمها يبدو الديوان نفسه فخورا ومعتزا بانتمائه للقرية التي كانت عذراء فارهة في نقائها وجمالها.

القرية تعني لي الطفولة الشاعرة، تلك التي حفرت عميقا في الوعي واللوعي والشعور.

في عام 1989 كتبت قصيدة ظننت فيها أنني قد قطعت شيئا ما من حبل العلاقة بالقرية وفارقت تلك الظلالات والأجواء التي لم تكن تنفك تبارح القصيدة. 

من هذه القصيدة

لماذا نقيض مثل العصافير

حبا.. بحب

وماء.. بيابسة

وصوتا مريبا.. بأغنية

لماذا تحوم على رأسنا الطير والصبح في أوله

قال وأظنه د. علوي الهاشمي «أنك لم تبارح القرية»

أليس الحب والحب والماء والأغنية والطائر هي من أخص عناصر بيئة القرية..؟

وهكذا يبقى الحس الطفولي حيا كامنا ما يلبث أن يعلن عن ذاته في اللاوعي واللاشعور حيث أراد المبدع أو لم يرد.

في البدء كانت القرية.. وكان أول الكلام

إيه يا قرية أحلامي ودنياي الصغيرة

إيه يا أغنية يلغو بها الأطفال أوقات الظهيرة

إيه يا معشوقة أشتاقها.. وقت المساء

عندما تغرب شمس الناس... يغفو الضوء في صدر المساء

غندما تستيقظ الأشواق في صدري.. يغني ألف طائر

ويذوب الثلج تسترسل أمطار الخواطر.

* أنت من المؤسسين الأوائل لأسرة الأدباء والكتاب، فلو طلبت منك أن تقرأ لي سيرة هذا الكيان.. ولماذا أنت بعيد عنه؟

- الألفة والحب والعطاء ووحدة المشروع الإبداعي والقليل من التواضع وشيء من نكران الذات هي الجامع لأي جماعة أو تجمع أو نظام ضابط للفعل الإبداعي والدفع به نحو فضاءاته الأكثر عطاء وشمولا ورحابة واتساعا.

تأسس تجمع الأسرة تحت لافتة «الكلمة من أجل الإنسان» شعرا كانت هذه الكلمة أو سردا أم نصا إبداعيا، أتساءل: أين هذه الكلمة الآن..؟ وأين هو الإنسان الذي رفعته شعارا..؟ كانت الأسرة حتى مطلع العقد الثاني من القرن الراهن المنبر والمأوى وجواز السفر لمن يحملون الكلمة على أكتافهم، وكانت أبواب القلوب مشرعة والأيدي ممتدة ومفتوحة للعطاء والمساعدة. كان الهاجس الكلمة الإبداعية أيا كان مصدرها وأيا كان قائلها، والأسرة بوصفها السقف الحاضن مع صغر مقرها، كانت تتسع لمن «لا يجد غضاضة» في تعليق أوراقه على جدرانها «أعني الأوراق الحقيقة بالتعليق». بل هي أي الأسرة من كانت تسعى إلى هذه الأوراق حيثما وجدت وأينما وجدت.

لعل رعاية هذا التجمع والحرص على وحدته وتلاحم أفراده وتوفير الفرص لهم وتيسير السبل للتعريف بكتاباتهم والمساعدة في طباعتها ونشرها هو من الأهمية بمكان. لذلك ينبغي على من تشرفه هذه الجماعة بقيادتها أن يكون متواضعا، وألا تشغله طموحاته الذاتية أو منافعه الآنية عن الكف قليلا عن رغبات هذه الذات وإيلاء ما تستحق هذه المواهب من رعاية باعتبار هذه الرعاية واجبا وطنيا، نعم أقول واجبا وطنيا، لأنه بلامبالاتنا ولا اكتراثنا بهذه المواهب الطالعة، نكون قد ساهمنا في وأدها وهي لم تزل بعد في المهد. 

* يعرف عنك حبك للكتاب والقراءة، وكنت مؤمنا بقيمة القراءة، فكم من هذه الكتب تقرأ في الشهر..؟! وهل مازال الكتاب بالنسبة إليك هو الرفيق الأول...؟!

- وهل بقي لنا نافذة أخرى نرى فيها ذواتنا والعالم غير الكتاب...؟!

الكتاب هو النافذة الوحيدة التي نطل من مرآتها على ذواتنا وعلى العالم من حولنا، ولعله الوسيلة المتاحة لنا لممارسة حرية التأمل والتفكير والتأويل والحوار الصامت، اللافت أنني أعيد قراءة العديد من الكتب التي كنت قرأتها من قبل، فأكتشف الكثير مما كنت قد أسأت فهمه، أو لم أكن قد استوعبته في قراءاتي الأولى، أما كم أقرأ من الكتب؟ فليس العبرة بالكم، بل بالكيف ومدى الاستيعاب، فرب كتاب تقرأه لمرات، ثم بعد حين تعود أدراجك لقراءته لما فيه من العمق ولما يشتمل عليه من قيم فكرية وفنية وإنسانية.

* عرف عنك احتضانك للمواهب، وكم من صوت كان بالأمس موهبة، واليوم هو أحد أركان الأدب إما شاعرا أو كاتبا أو قاصا أو ناقدا، وكنت له عونا ودافعا، فكيف تقارن بين تجارب شباب الأمس والتجارب الجديدة التي لا تجد من يقدمها؟

- كان الأساس في اللحمة بين أعضاء الأسرة هو احتضان الأسرة للمنتسبين إليها دون تمييز، وإعلاء تجاربهم الإبداعية الجديدة ذات المحمولات الإنسانية والقيم الفنية والجمالية.

أن الاحتفاء والتبشير والإصغاء والحوار الهادئ مع هذه التجارب لها أثرها الإيجابي لدى المبدع الموهوب على سبيل المثال في الستينيات والسبعينيات حين تنشر قصيدة أو قصة أو مقال إبداعي في الأضواء أو صدى الأسبوع أو «أخبار الخليج» أو هنا البحرين، سرعان ما تقتطف هذه القصيدة أو القصة فتكون موضوعا لبرنامج أدبي في الوسيلة الإعلامية المتوافرة يومذاك وهي «إذاعة البحرين» وكم كان ذلك دافعا ومحفزا لاستنهاض وتوثب مكامن ذلك الموهوب إبداعيا ودفعه إلى حشد أدواته الإبداعية وتطويرها لغويا وفنيا وجماليا.

إن الالتفات والرعاية للمواهب المستجدة والتنويه بها وتقديمها والتعريف بها هي تنمية للرصيد الأدبي والإبداعي على مستوى البلد العام، بمعنى أن تربح البحرين شاعرا أو قاصا أو ناقدا، فتلك إضافة نوعية وتاريخية ينبغي إعلائها والاحتفاء بها.

إن أي تجمع أدبي لا يلد أديبا جديدا، هو تجمع عقيم، لا يترك وراءه إلا الزبد الذي يذهب جفاء.

الحياة تعلمنا أكثر من الحياة نفسها.

* أنت عمر من كفاح مضن، أطر سيرتك الحياتية والأدبية في خلاصة ما وصلت إليه؟!

- الأدب هو حياة الإنسان في أبعادها الذاتية والعامة وفي مجالاتها المتعددة مكتوبة على الورق... نعيش، نتعلم لنقرأ، ونقرأ لنتعلم، وكما يقول الروائي ماركيز «نعيشها لنرويها». والحياة بالنسبة إلى الكاتب هي مجموعة التجارب الحياتية التي يعيشها الفرد في مراحل حياته العملية والثقافية والاجتماعية والنفسية والأخلاقية، فالتجربة الأدبية لا تأتي من فراغ، وإنما هي ناتج مادة خام معقدة ومركبة من أمشاج تبلورت بها وعبرها التجربة الإبداعية شعرا كانت هذه التجربة أم قصا أم نصا إبداعيا.

* يدين لك الكثير من الأدباء وأنا منهم، حنوك وتشجيعك، ولو طلب منك قراءة هذا الوصل بينك وبين تلك التجارب، فكيف تراها...؟

- هنالك مقوله شائعة تقول «لا دخان دون نار» تلك التجارب اللدنة الطرية العود والتي هي العتبات شأن كل كاتب وأديب واعد، إن هي إلا الدخان الذي يخفي الجمر الكامن والوامض تحته، ولعل القارئ النابه، بذائقته وحدسه يرى بعيني بصيرته ذلك الوميض الخفي والذي يخفى على الكثيرين لغضاضة التجربة وطفولتها وافتقارها إلى النضج اللغوي والفني والذي لن يتأتى إلا بالتحصيل والممارسة والمران واكتساب الخبرة وتعميق التجربة.

وتحضرني هنا مقولة للشاعر الفرنسي بودلير أطلقها على راقصة الباليه وهي «لن تكون راقصة الباليه راقصة حتى يلتويا قدماها».

ولعل النبات أشبه شيء بالموهوب، فإن أنت لم تتعهده بالري والتشذيب ونفي الحشائش الضارة عن تربته فلن يعطي أكله حين يستوي على ساقه أو حين ينعه إذا أينع وحين نضجه وقطافه.

* ما الذي يفرح الشاعر والأديب «يوسف حسن» وما الذي يبكيه؟

- يذكرني هذا السؤال بالحكمة الصينية التي تعبر عن الفرح والحزن أو التفاؤل واليأس والقنوط، حيث تصور هذه الحكمة حراك الإنسان الفرد في الحياة في بعدين، الأول: صفحة بيضاء تعتورها نقطة سوداء، والثاني: صفحة سوداء تشوبها نقطة بيضاء، وفي الحالين على الفرد أن يعمل على إزاحة النقطة السوداء ليكتمل بياض الصفحة وأن يعمل ما وسعه لتبييض السوداء.

ثمة مشهد سردي استوقفني في واحدة من الروايات، يصور ذلك المشهد بطل الرواية وهو في حالة إحباط وحزن ويأس، وكان يمشي على حافة مجرى مائي تكدست على حافتيه أكوام من القمامات والأوساخ، بين هذه القمامات رأى في جرف المجرى غصنا أخضر باسقا يشرئب بزهرته المتفتحة الباذخة الجمال...!

ذلك هو ما نعيشه اليوم من من واقع لا أدري كيف أصفه، لكننا لا نعدم أن نعثر فيه على تلك الزهرة التي تشرئب بألوانها وأريجها المتوثب احتجاجا على هذا القبح العام المستشري... نعم... كم هو يفرحني أن أرى زهرة هنا أوغصنا أخضر ينوس بوردته هناك... نعم هناك ما يفرحني حين أقف على أقصوصة أو قصيدة أو نصا إبداعيا شاردا منفلتا هنا وهناك، وفي ذلك ما يجعلني متفائلا أن ذلك الوميض لم يزل يعلن عن ذاته كما أعلنت الزهرة عن ذاتها.

 * السيرة النقدية في تجاربك الأدبية، هل أنت مقتنع بما وصلت إليه؟

- لا وجود لكاتب مبدع يقتنع بما كتبه في الحقل الإبداعي، وإلا لم يكن ليواصل الكتابة، نحفر عميقا في القبض على كلمة شاردة لم نقلها بعد، أو عن تجسيد إحساس أو شعور بلغة وصياغة جديدة نتجاوز ما كان سابقا.

تلك هي طبيعة التجربة الإبداعية، ومهما يكن فإن العمل المتجاوز الجديد لا يلغي المنجز السابق، لكنه ربما نقل ذلك المنجز إلى آفاق أكثر اتساعا ورحابة وخصوبة وعمقا، ذلك أن الكاتب شاعرا كان أم قاصا أم ناقدا، هو دائما في حالة تحول مستمر، بفعل قراءاته وتأملاته واطلاعاته واحتكاكه بالآخرين، فالرؤى والأفكار والقناعات قابلة للتغيير والتطوير، ولعل عبارة الأديب التركي الشهيرة لم تزل بعد حية نابضة بهذا المعنى «إن أجمل كلمة هي تلك التي لم نقلها بعد».

* أدب الملاحم هو فعل لدى الكثير من الأدباء، قديما وحديثا.. فهل يستهويك هذا الأدب، وهل ستقرأ سيرتك الأدبية من خلال بعدها التاريخي.

- أدب الملاحم فن إبداعي رفيع، وهو عبارة عن سجل لتاريخ الشعوب والحضارات وصراعات ومكابدات البشر، في الوقت التي هي معرض حضاري فني لعقائد الشعوب وتاريخا وعاداتها وتقاليدها وتراثها الفكري والفلسفي والإبداعي، إنها باختصار شديد، كتاب صراعات الإمبراطوريات الكبرى على البشر، من أجل تحقيق وجودها، وفرض سلطانها وإراداتها ونفوذها على الشعوب والعالم، وقد دأب الملوك والأباطرة ومؤسسو الممالك، على تشجيع الأدباء وذوي المواهب الكبرى وإغرائهم بالعمل على تجسيد أمجاد الملوك والقادة وأبطال الحروب، على نحو ما رأيناه في إلياذة هوميروس وأوديسيته، أو في الإلياذة في تأسيس روما ولدى الفردوسي في الشاهنامة.

ومع أن عرب العصر الجاهلي لم تعرف هذا النوع من الجنس الأدبي، إلا أن شعر حروب الغزو والقتال بين القبائل والتي لا يخمد أوارها حتى يلتهب، يمكن اعتبار هذا الشعر ملحمة كبرى إذا ما جمع في مدونة واحدة، ولعل أبا تمام بحدسه النافذ أدرك أن ذلك اللون من الجنس الأدبي، ينتمي إلى الدرامية والملحمية، لذلك أطلق على مختاراته «الحماسة» والتي جاءت من العصبية أو من الحمية الجاهلية.

وقد ساهمت حروب الفتوحات العربية في صدر الإسلام بين الجيش العربي الإسلامي وإمبراطورتي الفرس والروم في إذكاء روح الشعر «الدراملحمي» الذي كان يعلي من شأن المقاتلين كالأهازيج والأراجيز التي يرتجلها المقاتل، حيث ترفع من معنويات المقاتلين وتحرضهم على الصبر والصمود، أو على شكل قصيدة مطولة كنموذج قصيدة مالك بن الريب والتي مطلعها:

«أيا صاحبي رحلي دنا الموت فانز لا برابية إني مقيم ليـاليا

خذاني فجراني ببردي اليكما فقد كان قبل اليوم صعب قياديا»

وهذه الرائعة المالكية أشبه بالسيرة الذاتية لحياة الفرد البطل المقاتل وكان مالك هذا أحد شذاذ الآفاق الأشداء وقطاع الطرق الذين يعترضون القوافل ويستولون بالسطو والقوة على الأموال والأنعام قبل انضمامه كجندي محارب في جيوش الفتوحات الإسلامية بقيادة سعيد بن الخليفة عثمان.

في العصر العباسي تطالعنا قصيدة أبي تمام المطولة «عمورية» في ملمحها الملحمي الواضح، ولعل النموذج الأكثر قربا والتحاما بالملحمة يتجسد في مدائح أبي الطيب المتنبي في البطل التاريخي الأمير العربي غلي بن أحمد المعروف بسيف الدولة الحمداني في تصديه للغزو الصليبي على ثغور الشام، والتي يبلغ فيها المتنبي الذروة في تصوير المشاهد والمكابدات في تلك الحروب الملحمية في تلك الحروب السجالية التي لا يفتر أوارها في البلدات والثغور الشامية.

ومع النهضة الأوروبية الحديثة، نرى لهذه الملحمة تنعطف وتقطع صلاتها بالشخوص الأسطورية والآلهة لتقترب من المنحى الإنساني والديني والأخلاقي في صراع الإنسان ضد الشرور والقوى المستبدة، بدءا بدانتي في كوميدياه الإلهية، والكاتب الفرنسي بلزاك في الكوميديا الإنسانية، ولعلنا نجد الكثير من الملامح الملحمية لدى المبدع العربي السوري الكبير علي أحمد سعيد «أدونيس» في إصداراته أقاليم الليل والنهار، مهيار الدمشقي، وصقر قريش، وأخيرا نجد الملحمة وقد كادت تتكامل عناصرها في كتابه «الكتاب» والذي لن تجد فيه إلا تاريخا محشوا بمقاصل السيوف والأنطاع ومسالخ الجلود وقطع الرقاب وبرك الدماء في زمن خطي يبدأ بجاهلية العرب حتى سقوط الدولة الإسلامية.

اليوم، تنهض الرواية السردية بالدور الذي كانت تنهض به الملحمة الشعرية في العصور السابقة، حيث اضطلاعها بأفكار وأحلام ومكتسبات وانكسارات وخسارات الأفراد والشعوب، الرواية اليوم هي ملحمة الإنسان المعاصر بامتياز، فروايات مثل الحرب والسلام للروائي الروسي الكبير تولوستوي، والدون الهادئ للروائي الروسي ميخائيل شلوخوف الحائز على جائزة نوبل، وهذه الرواية بامتياز هي ملحمة الثورة البلشفية عام 1917 وفوضى انهيار الجيش الروسي العارمة، وقصة مدينتين للروائي البريطاني جارلس ديكنز، ووداع للسلاح للأمريكي همنجواي، و«الحب في زمن الكوليرا» للروائي الكولومبي ماركيز، وثلاثية نجيب محفوظ وغيرها الكثير. أعود وأنوه، إنها ملحمة الإنسان في صراعاته وتناقضاته وطموحاته وأحلامه وشؤونه وشجونه.

وبالنسبة إلى تبقى «السيرة الذاتية» حلما أتمنى أن يكون واقعا ملحميا..

* جمعتك علاقات إنسانية وأدبية مع وجوه الثقافة والأدب، ومنهم الدكتور علوي الهاشمي. فهل أوجزت لنا جزءا من هذا الجانب...؟

- تشرفت بمعرفة العديد من الأصدقاء ممن أسسوا الحركة الأدبية الحديثة في البحرين، وممن كانت كلمتهم وصوتهم الإبداعي يغطي الساحة الأدبية في داخل البحرين وخارجها، كان بينهم الشاعر والناقد د. علوي الهاشمي، تعرفت على الهاشمي وهو لما يزل غضا يافعا، ومنذ عتبات تجربته الشعرية، وكان الزمان أواخر الستينيات.

عاد علوي منهيا دراساته العليا في المغرب العربي، وهو يحمل رسالته ومشروعه الأدبي والنقدي «ماذا قالته النخلة للبحر. والسكون المتحرك» كانت لقاءاتي الحميمة بعلوي، أشبه برافعة أدبية إبداعية، وهو من دعاني للكتابة في صفحته الأدبية التي كان يحررها أسبوعيا بأخبار الخليج. يحسب لعلوي التفاته للعديد من تجاربي الشعرية، وبالأخص قصيدتي الموسومة «من كتاب النخيل» والتي أولاها احتفاء خاصا في صفحته حقيبة الأدب في مجلة هنا البحرين، ووفاء للأريحية والفعل الكريم، أذكر الروائي محمد عبدالملك الذي أعطى تجربتي الكثير من الالتفات والتقدير. كما أنني كنت أتابع بشغف تجارب الشاعرة حمدة خميس وإيمان أسيري واللتين كان لهما السبق في تشريع ما أطلق عليه قصيدة النثر، ولا أنسى تلك الكوكبة الشبابية النبيلة التي واكبت وأخصبت وأضاءت بإسهاماتها اللافتة نشاط الأسرة الأدبي في عقد التسعينيات، ومنهم الناقد والشاعر جعفر حسن والذي ما برح يضرب بمعوله بحثا عن ماء المعنى والناقد السردي فهد حسين والكاتب خالد رضي والأديب اللامع علي الديري والدكتور الشاعر حسين السماهيجي والمبدع أحمد العجمي والشعراء الشباب كريم رضي والذي يطلع علينا بزهراته العابقة حينا بعد حين وعلي الستراوي وأحمد الستراوي وأحمد رضي وعلي الجلاوي ومهدي سلمان ووضحة المسجن وزهرة المذبوح وفاطمة التيتون وفاطمة محسن ونعيمة السماك وفضيلة الموسوي وأعتذر لآخرين لا تخطر اسماؤهم ذاكرتي في هذه العجالة.

في هذا اللفيف النبيل ممن عرفتهم، أقف أمام الكاتب والشاعر والمحامي أحمد الشملان، والذي تشرفت بالجلوس اليه عن كثب في مجلس إدارة أسرة الأدباء في أواخر التسعينيات، وكم كنا نستنير ونسترشد بآرائه وأفكاره الحكيمة الرائدة، أي شهم كريم حر نقي كان «أبوخالد»، أكبرت فيه مواقفه الوطنية والإنسانية وحبه للفئات الفقيرة والمستضعفة وموقفه المبدئي الذي لا يحابي فيه كبيرا أو صغيرا في الدفاع عن أولاء المحرومين المهمشين.

ثمة شخوص، تحفر عميقا في الذاكرة والروح والوجدان، وتبقى ماثلة شاخصة، بأبعادها الذاتية والإنسانية وعطائها اللامحدود، تعرفت على الكاتب والروائي والمفكر المرحوم غبدالله خليفة لأول مرة في منتصف الستينيات وهو في بدايات تجاربه القصصية الأولى بنادي جدحفص، وبرغم ذلك اليوم المبكر من عمر الحركة الأدبية في البحرين فإنك لا تكاد تجد مقعدا حيث اكتظت القاعة بالحضور.

عبدالله خليفة كما عرفته قامة إنسانية، بقدر ما هو قامة كتابية وفكرية شامخة، وكما عرفت عبدالله في كتاباته القصصية والروائية والفكرية، عرفته أيضا في جانبه الإنساني العميق.. البالغ العمق.. عبدالله غيري لا يكترث لذاته.. لا يكترث بالأنا بقدر اكتراثه بالآخر.. كان لعبدالله أن يكون من أصحاب الثراء والوفرة والنفوذ، حيث كانت الأبواب مفتوحة باتساعها لو أراد، لكن عبدالله أبى إلا أن يكون عبدالله، وآثر أن يكون إنسانا يقبض على الجمر بيد ويواصل رسالته الإنسانية باليد الأخرى. كم كنت أتمنى، لو أن عبدالله قد قيض له أن يكتب تجربته الإبداعية بما حف بها وداخلها من وقائع وأحداث، وما تمخض عنها من حراك ثقافي وأدبي وفكري واجتماعي وسياسي، لكن عبدالله آثر «تواضعا» أن يكتب هذه التجربة بأبعادها ومعطياتها بعيدا عن أناه المباشرة، حيث جسدها بصورها وأبعادها المختلفة تجسيدا فنيا وموضوعيا في إنسان الوطن البحريني العادي، فمعظم شخوص وأبطال رواياته وقصصه هم من مهمشي الفئات الدنيا أو الوسطى أو هم عصاموين معدمون، ناضلوا وكابدوا وأصروا على تدبر حياتهم وبناء ذواتهم الشخصانية، كما نجده في رواية الأقلف وفي ثلاثيته الينابع، وفي غيرها من رواياته العديدة، التي تعتبر منجزا وطنيا إبداعيا، ولعله الوحيد الذي يحسب له كتابة تاريخ البحرين الحديث «روائيا» في ثلاثيته «ينابيع البحرين» التي ستظل مرجعا تأصيليا مهما لتاريخ البحرين والرواية السردية على السواء.

لقد رفد عبدالله خليفة المكتبة الروائية في البحرين والخليج والمحيط العربي بنهر ثري من العطاء الروائي والدراسات الأدبية والنقدية، وتوج ذلك العطاء بكتابه الموسوعي القيم «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية» وهو دراسة فكرية موضوعية رصينة في العقل العربي الإسلامي بدء بالزمن الأسطوري حتى العقل واللاعقل الدينيين.

رحم الله عبدالله خليفة الكاتب والإنسان الذي لا يقل عطاؤه الوطني والإبداعي عن عطائه الإنساني، وقد كان غيابه المبكر وهو لم يزل بعد في ريعان العطاء الإبداعي فاجعة مني بها الإبداع التخيلي وخسارة كبرى للساحة الأدبية في البحرين والخليج والمحيط العربي.

* الحب في قلب الشاعر يوسف حسن، كيف ينمو وكيف يخلق فضاءات حلمه؟

- أثقلت القصيدة العربية الحديثة، بما فيها القصيدة في البحرين، بالهم الوطني والقومي، وبقضايا كبرى الاستعمار، التحرير الاستقلال، الحرية، العدل، الإنسان العربي في شؤونه وشجونه الحياتية المختلفة والمصيرية.

ومع أن هذه القصيدة كانت تنوء بثقل وجسامة تلك الحمولات والقضايا، إلا أنها لم تكن بمنأى عن الحب والمرأة الحبيبة، باعتبار المرأة عنصرا ومكونا جوهريا رئيسا يداخل روح القصيدة الوطنية ومعمارها، ولفائف أمشاجها ورموزها وأطيافها وأحلامها وقزح ألوانها.

تمثلت القصيدة الوطنية المرأة في صور وتشكيلات ورموز تاريخية وأسطورية حتى لتكاد المرأة في هذه القصيدة تكون موضوعا وحاملا إبداعيا جماليا معادلا لقضايا الأمة والوطن، ولم تشذ كتابتي القصيدة عن هذه الثيمة، فالحنين إلى الأرض والنخل والبحر هو حنين خلاسي متلبس بالحب والحنين للمرأة.

* المدينة عندما تتجاور بالقرية، ما الذي يضيع في ملامح وسيوسولوجيا القرية؟ 

- «ما الذي سوف يبقى إذا رحت أنزع عنك الأساطير»؟

انتزعت هذا السطر الشعري البالغ الخصوبة والعمق من قصيدة للشاعر السعودي محمد العلي وهو أحد أبرز المؤسسين لحركة الحداثة الإبداعية في السعودية والخليج، وبتحوير بسيط أقول: ما الذي سوف يبقى إذا ما انتزعنا القرى.

أجمع المؤرخون والجغرافيون القدماء أن عدد القرى لم يكن ليقل عن 360 قرية، مسقوفة بالنخل والأشجار، وتجري من تحتها ومن فجاجها وأوديتها الينابيع والعيون والأنهار، على مساحة من الأرض لا تزيد عن 700 كيلو متر مربع، كم نحن بحاجة إلى خيال بحجم الخيال الخرافي وعدسات فلكية استثنائية لندرك ونستوعب هذا الفردوس الأرضي والذي كان ديلمون أو البحرين أو أرادوس أو تايلوس أو أوال لا فرق، وقد أضحى اليوم سرابا وأضحت القرية ضاحية حجرية وامتدادا لمدينة تطاول السماء بالأحجار والاسمنت وصفائح الزجاج. تعملقت المدينة، ركلت البحر بقدميها الحجريتين فتدحرج بعيدا، وأكلت كل شيء أخضر، ولا سيما بعد شح الماء وانحباس المناخ.

نعم... بقي للقرية في داخلي، ذلك الحنين الجواني الغائر في اللاوعي واللاشعور، إنها هنا في أعماق من عاشوا طفولتهم تحت ظلال النخل وأشجار اللوز العملاقة، وينابيع المياه وامتداد الظلال والأفياء.

*- هل أنت من محبي الحكاية....؟

- نعم... أحب الحكاية كحبي للقصيدة، وهل الحياة إلا حكاية تروى وقصيدة تغنى، لذلك نحن نعيش الحياة لنرويها، نعيشها لنرويها هو العنوان الذي وسم به الروائي ماركيز سيرته الذاتية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news