العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

الاسلامي

وما لا تبصرون في القرآن الكريم

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ١٢ يناير ٢٠١٨ - 10:48

ليس كل ما لا نبصره أو لا يقع تحت إدراكنا له بحواسنا الخمس غير موجود، هذا فهم الجهلاء فقط، أما العالمون فيعلمون أن ما لا نبصره أو ندركه بحواسنا أكثر مما نبصره وندركه بحواسنا، ونحن نرى آثار العديد من المكتشفات الحديثة ولم نرها ويستحيل رؤيتها بحواسنا المجردة، ولكننا نتأكد علميًا من وجود أدوات الكشف والقياس الخاصة بذلك، فنحن نستخدم الكهرباء ومع ذلك لم نرها بأعيننا وهي تسير في الواصلات الكهربائية، وكذلك نحن نستنشق الأكسجين ولم نره بأعيننا أو بأي أداة كشف، وكذلك الهواء والروح، والنفس، والحياة، والموت لذلك كان من صفات المؤمنين الإيمان بالغيب. قال تعالى: «ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)». (البقرة).

فالجنة غيب، والنار غيب، والروح غيب، والملائكة غيب، والجان غيب، لذلك قال الله تعالى في كتابه الكريم:«فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)» (الحاقة).

فما نبصره بالعين المجردة من أرض وسماء وشمس وكواكب وما لانبصره بالعين المجردة كثير كالبكتيريا التي لم يتعرفها الإنسان إلا بعد اختراعه المجاهر الضوئية المركبة وظلت مجهولة للإنسان إلى أن أوجد المجاهر ومازال العديد من صفات البكتيريا خفية علينا لا نعرف عنها شيئًا رغم التقدم العلمي الهائل في مجال الفحص المجهري، وكل يوم نكتشف أنواعًا من البكتيريا كانت مجهولة لنا مع أن البكتيريا توجد في التربة والماء وعلى أجساد الكائنات الحية وتسبب الأمراض للنبات والحيوان، وتقدم خدمات جليلة للإنسان في مجال الصناعة والطب والزراعة ونفس الشيء ينطبق على الفطريات التي مازلنا نجهل عن بعضها نوع التكاثر الجنسي الذي تقوم به الفطريات الناقصة وكذلك الطحالب والفيروسات مازالت مجهولة لنا وكل يوم نكتشف الجديد منها والذي كان موجودًا ولم نتعرفه.

ومن العجيب أن العلماء كل يوم يكتشفون أجناسًا من النبات والحيوان لم يرها أحد من قبل.

والجهلاء والماديون يقولون إنهم لا يؤمنون إلا بما يرون فهل رأى أحد منهم النفس البشرية التي يدروسنها في أقسام علم النفس؟!

وهل رأوا الروح المميزة للحي عن الميت وهل رأوا الإلكترونات والبروتونات أو الكهرباء أم استدلوا عليها بآثارها وتأثيرها، وهل رأى أحد منهم العقل الذي يؤهلهم للاستدلال على وجود هذه الموجودات، إنها قضايا محيرة للعقول وتحتاج إلى أخبار من العالمين، لذلك كان من تمام العلم والعقل أن يؤمن الإنسان بأن هناك الكثير من الموجودات التي تغيب عن الإنسان من هنا كان الإيمان بالغيب ركن من أركان الإيمان الصحيح.

المصادفة المزعومة:

يدعي الداروانيون أن الحياة وجدت على الأرض بالمصادفة وتطورات بالطفرة والانتخاب الطبيعي، وينكر الملحدون وجود خالق عليم خبير لطيف للكون والكائنات الحية.

وفي المقابل نقول لهم ان للكون خالقا عليما خبيرا وكل شيء في الكون خلق بقدر ورفق وتقدير إلهي معجز وعجيب، وهذه بعض الأدلة العلمية المؤيدة لما نعتقده ونؤمن به في مجال الكائنات الحية، وخاصة النبات والكائنات الحية الدقيقة التي تخصصنا في مجالها العلمي.

قال الله تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)» (القمر).

وقال تعالى: «.. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)» (الفرقان).

والآن ندلل على هذا التقدير الإلهي في الخلق:

الزارع يبذر البذور والحبوب في التربة عشوائيًا ثم يرويها فتنبت وتخرج الجذير الذي يتجه إلى التربة ليثبت النبات فيها ويمتص الماء منها وكذلك المعادن والأملاح وبعض المخصبات النباتية ويعطي في النهاية المجموع الجذري الذي يقوم للنبات بالوظائف السابقة.

والرويشة التي ستكون الساق بعد ذلك تتجه إلى الهواء، حيث الضوء وثاني أكسيد الكربون للقيام بعملية البناء الضوئي مع استغلال الماء الصاعد من الجذر، ويحمل الساق الأوراق في ترتيب زاوي معجز ويحمل البراعم الخضرية التي تعطي الأوراق والأفرع الجانبية والبرعم الطرفي ثم يحمل الثمار.

فأين المصادفة في هذا السلوك النباتي الدقيق والمحكم والمقدر؟!

ومن علم الجذير هذا السلوك ومن علم الرويشة هذا السلوك؟ وهل ادعى مخلوق أنه الواهب لهذه الخصائص للنبات.

وعندما يحمل النبات الأزهار ذات التركيب الدقيق حيث الكأس الأخضر بسبلاته إلى الخارج يليه للداخل التويج ذات الألوان البديعة والمتباينة والجميلة يليها أعضاء التكاثر الذكرية والأنثوية، وعندما تزور الحشرات أو بعض الحيوانات الأخرى الزهرة لجمع الرحيق، فإنها تنقل حبوب اللقاح من أعضاء التذكير إلى الميسم ويتم تلقيح الزهرة وتخصيبها والزهرة فيها آليات معجزة تساعد على عملية التلقيح، والحشرات على جسمها شعيرات تنقل حبوب اللقاح إلى أعضاء التأنيث، والعجيب أن الزهرة لا تلقح إلا بحبوب اللقاح لنفس الجنس النباتي فلا تختلط الأنساب ويفسد الإنتاج، وفي التلقيح الهوائي، فإن عضو التذكير يعطي كميات هائلة من حبوب اللقاح تنتشر في البيئة لتعطي الفرصة للتلقيح، وأعضاء التأنيث ريشية الشكل لإعطاء أكبر فرصة لتلقي حبوب اللقاح وإتمام عملية التلقيح، فأين المصادفة والعشوائية في هذه العملية الدقيقة إنه التقدير الإلهي في الخلق.

والإحكام في الصنع والعلم بدقائق الأمور والعمليات وسبحان القائل: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)»(الفرقان).

الإجابة الموجزة المعجزة:

عندما تناقش سيدنا موسى مع فرعون سأل فرعون موسى قائلاً: «قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49)» (طه). جاءت الإجابة على قدر علم السائل، ففرعون صاحب حضارة علمية غير مسبوقة، وكانت إجابة سيدنا موسى أقوى من فرعون ومن حضارة فرعون: «قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)» (طه) 

(خلقه): يعني صورته اللائقة بخاصيته.

(هَدَى): أرشده إلى ما يصلح له.

وبذلك كانت الإجابة جامعة شاملة معجزة ولا توجد إجابة أقوى من هذه الإجابة التي حوت كل خلق الله وكل العمليات الحيوية والفزيائية والكيمائية والبناتية والوظائفية المرتبطة بالمخلوق.

فقد جعل الله سبحانه وتعالى لكل كائن حي في المملكة النباتية طرقًا وسبلاً للتكاثر والتزاوج معجزة وعجيبة، حيث جعل لأجناسها دورتي حياة يتكاثر بها الأولى في حالة اليسر والرخاء وتوافر أسباب العيش والحياة.

والثانية في وقت الشدة ومواطن الخطر والهلاك.

ففي وقت الرخاء وتوافر الغذاء تتكاثر هذه النباتات تكاثرًا فرديًا لا جنسيًا حيث يعطي الواحد آلاف الوحدات التكاثرية التي تنمو كل واحدة منها لتعطي فردًا جديدًا من نفس جنس النبات الأم، وهذا النوع من التكاثر والأفراد الناتجة منه تحتاج إلى كميات كبيرة من المواد الغذائية، فهل تم هذا السلوك بعشوائية ومن دون تدبير من موجد هذا النبات أم أن الخالق سبحانه وتعالى المقدر القائل: «قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)» (طه). 

 وهو القائل جل وعلا: «سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5)» (الأعلى: 1-5).

وعندما يشعر الكائن الحي الدقيق وكذلك النبات بقرب نفاد الغذاء، أو تبخر الماء من حوله أو اقتراب خطر حقيقي على حياته أو قرب انتهاء دورة حياته المقدرة من قبل خالقه، تحدث في حياة هذا الكائن تغييرات كبيرة تتلاءم مع العوامل والظروف المستقبلية الجديدة ويسلك ويتصرف كأنه يملك عقلاً وفكرًا وحكمة بالغة، فتبدأ الأفراد في التجمع لأن المصائب يجمعن المصابينا ويبدأ كل فردين في التعاون والتآزر وإدماج محتوياتهما الداخلية في تركيب جديد يسمى باللاقحة أو الزيجوت وتحاط تلك اللاقحة بالعديد من التراكيب الواقية التي تحمي الكائن الحي من العوامل الخارجية المهلكة والماحقة، حيث الجفاف والحرارة غير المناسبة من حيث الارتفاع أو الانخفاض الشديد أو الحموضة الزائدة، أو إسقاط الأوراق وإغلاق المنافذ المطلة على هذه الظروف البيئية الخارجية القاسية وغير المواتية للحياة العادية، والبعض منها يتكاثر جنسيًا ليعطي تراكيب جديدة تتخطى بها هذه الظروف غير المواتية.

فمن علّم هذه الكائنات غير العاقلة هذا السلوك المعجز والعجيب؟

إن أعجز إجابة عن هذا السؤال هي قول الله تعالى: ««قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)». (طه)، وقوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى: 2-3).

فهل عند أي ملحد إجابة أوجز وأعجز من هذه الإجابة؟!!

والحمد لله رب العالمين..

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news