العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

مقترح لتخفيف مطاردة ديوان الرقابة المالية للتجاوزات المالية

بقلم: حسن علي البنفلاح

الاثنين ٠٨ يناير ٢٠١٨ - 01:30

الكثير من المواطنين تابعوا تفاصيل التقرير السنوي الأخير الذي أصدره ديوان الرقابة المالية والمتضمن بصورة شمولية مختلف التجاوزات المالية والمخالفات الإدارية والقانونية التي حدثت في وزارات وهيئات ومؤسسات الدولة خلال العامين المنصرمين 2016/2017. وحبا للاستكشاف اطلعت على التقرير من خلال عرض إحدى الجرائد المحلية التي أسهبت في عرض تفاصيل التقرير تحت عنوان: «ديوان الرقابة المالية يطارد التجاوزات المالية للوزارات والهيئات والمؤسسات» وكأن لسان حالها يقول: إن ديوان الرقابة المالية كالصياد الماهر ذي الخبرة الواسعة الذي يستخدم تكتيكاته الرقابية والمحاسبية بأسلوب الرصد الرصين والمتابعة المتواصلة وفقا للأنظمة والقوانين المعمول بها والمطبقة في هذا الشأن، وإن وزارات الدولة ومؤسساتها ما هي إلا الفريسة التي يبحث عنها هذا الصياد ليوقعها في شباك أخطائها ومخالفاتها أثناء تنفيذ بنود ميزانياتها من حيث عدم اكتراثها بالقوانين وقواعد الإنفاق والتحصيل، لعل في هذا الجهد الذي يقوم به الديوان ما يوقظ الضمير ويقوّم الفكر ويصحح المسار ويضبط الأمور والشؤون.

إن التقرير الأخير للديوان يضيف إيضاحات ذات بعد كبير في مجال التصرفات المالية الخاطئة والسلوكيات الإدارية السلبية للكثير من الجهات الحكومية التي دأبت منذ سنوات على اختراق القوانين ولي ذراع القواعد والأنظمة التي من المفترض التقيد بها لضبط صحة الإنفاق وسلامة الإجراءات، وليرتبط الصرف بحدود الاعتمادات التي أقرتها الحكومة واعتمدتها السلطة التشريعية بقانون يحمي الإنفاق من التلاعب والهدر والتأخير في الإنجاز.

لقد تضمن التقرير ملاحظات مهمة سبق التنويه عنها في تقارير سابقة كالارتفاع الكبير والمتضخم في مستويات الدين العام باعتباره خطرا محتملا يؤثر على المركز المالي للدولة آنيا ومستقبلا. فعندما تصل نسبة زيادته خلال السنوات الأربع الماضية (2012-2016) إلى 112%، وارتفاع نسبته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 71% خلال الفترة نفسها، فإن الموقف المالي للدولة وانعكاساته السلبية ستكون بلا شك حاضرة على الدوام ومؤثرة بشكل مباشر على الوضع المالي والائتماني للدولة، ذلك أن نسبة نمو هذا الدين كما هو ظاهر وبيّن أسرع من نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي، ما يؤدي إلى ضعف القدرة المالية للدولة على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية، هذا غير التأثير المباشر على أداء الدولة وخاصة قطاعها العام في برامجه التنفيذية للكثير من المشاريع التنموية المخطط لها مسبقا، بسبب استغلال المبالغ المتوافرة لديها إن حصلت ومن أي مصدر كانت في سداد أقساط وفوائد الديون المقترضة عوضا عن استخدامها فيما يلبي احتياجات المشاريع الرأسمالية ومختلف النفقات الجارية.

الخطر المستشعر الآخر الذي يهدد الوضع المالي في الدولة كما ذكره التقرير هو ازدياد الفروقات السالبة بين متحصلات الدولة من الإيرادات وحجم الإنفاق المتعدد الأغراض بالنسبة إلى مصروفات الدولة المتنوعة حتى بلغت هذه الفروقات أعلى مستوياتها عام 2016 لتصل إلى 1.6 مليار دينار، مقارنة بمبلغ 227 مليون دينار عام 2012، ما يمثل فرقا شاسعا تصل نسبته إلى 605% تقريبا. والسبب في ذلك كما ورد في التقرير أن إيرادات الدولة خلال هذه الفترة المنقضية لم تتغير فيها مصادر الإيرادات التي تعتمد بصورة رئيسية على مداخيل النفط التي شهدت انحسارا في الأسعار خلال هذه الفترة وربما قبلها، ومع الأسف مازالت هذه الظروف السعرية مستمرة إلا في حدود استثنائية ضئيلة لا تعطي أثرها الإيجابي على مجمل هذه الإيرادات.

كما أن هذه الفترة المحبطة التي ذكرها التقرير لم يتم خلالها إنشاء أي مشروع تنموي صناعي أو استثماري منتج يزيد من موارد خزينة الدولة، وبالتالي يعتبر هذا في حد ذاته قصورا واضحا في مسار التنمية، فالدولة التي لا يبنى اقتصادها على مشاريع تنموية استثمارية متنوعة ومنتجة لا بد أن تصاب مواردها بالضمور والانحسار مهما كان الدخل من مصادر أخرى.

لاحظ التقرير تراجع التصنيف الائتماني للدولة وفقا لحسابات الوكالات المتخصصة من (-A) عام 2011 إلى (+BB) عام 2016، بسبب ارتفاع فوائد القروض المسددة خلال الفترة المنوه عنها أعلاه حتى وصولها إلى 141% لعام 2016. فإذا علمنا أن جزءا من فوائد القروض تسدد عن طريق إيرادات الدولة فإن التأثير بلا شك سيكون سلبيا على إنفاق الدولة على مختلف شؤونها المتكررة والتنموية، كما ستقل قدرتها على الاقتراض في مستقبل الأيام القادمة.

كما نوه التقرير بالدراسات الاكتوارية التي أجريت بشأن مالية هيئة التقاعد التي تشير إلى أن الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي بصندوقيها العام والخاص تعاني من ارتفاع قيمة العجز الاكتواري خلال السنوات الخمس الأخيرة من 6.3 مليارات سنة 2012 إلى 10.9 مليارات دينار عام 2016 بزيادة تقدر نسبتها 73%، ما يجعل الوضع المتوقع لأموال الشأن التقاعدي يواجه معضلة أخرى ستعيش فيها الهيئة على المدى المتوسط والبعيد، مع ملاحظة -كما يقول التقرير- أن أوضاع التشريعات والأنظمة والقواعد المنظمة للتأمينات الاجتماعية لم يتم تغييرها من أجل معالجة هذه الأوضاع المستجدة أو المتوقعة لصناديق التقاعد وهذا يجعل الفجوة بين مصروفات الصناديق ومداخيلها تتسع وتتفاقم على مر الأيام، مع العلم أن مثل هذه الصناديق والهيئات في بلدان كثيرة تعتبر من أغنى المصادر المالية من حيث تراكم مداخيلها نظرا إلى ما تقوم به هذه الهيئات من استثمارات جيدة تعطي قيما إضافية لمداخيلها، كما تضمن زيادة الإيرادات والأصول المستخدمة في تمويل الإنفاق، ولكن المؤسف أن مثل هذه الاستثمارات الجيدة لأموال التقاعد في الهيئة لا تدار بطريقة صحيحة قادرة على تحجيم الفجوة بين الإيرادات والمصروفات لهذه الصناديق.

ما سبق قوله مجرد استطلاعات مختصرة لأهم الموضوعات المالية ذات الأهمية الكبرى والقصوى المؤثرة في أوضاع إيرادات ومصروفات الميزانية العامة للدولة خلال الفترة التي تحدث عنها التقرير، ولن نبدي الرأي في تفاصيل تجاوزات التحصيل أو الإنفاق في الإيرادات والمصروفات الجارية على اعتبار أنها لو طرحت ستكون تلميحات روتينية متكررة في كل عام، ولكن ارتأينا بدلا من ذلك طرح مقترح مختصر قد يكون فيه الدواء الناجع للكثير من التجاوزات المالية والمخالفات الإدارية التي تحدث عاما بعد عام لعل وعسى يصحح مسار تنفيذ اعتمادات الميزانية.

مؤدى هذا الاقتراح «أن تقوم الدولة في نهاية كل فترة يقدم فيها ديوان الرقابة المالية تقريره حول التجاوزات أيا كان نوعها بتقييم أداء كل جهاز حكومي ورد ذكره في التقرير وفقا لمعايير مالية وإدارية ورقابية تضعها لجنة متخصصة في المراجعة والتدقيق، يتم على أساس نتائج التقييم تخصيص جوائز مادية وشهادات تقديرية تمنح لكل جهاز استطاع أن ينفذ ميزانية جهازه بأقل التجاوزات وأدنى المخالفات من حيث التزامه بالمعايير والقواعد الواردة في قانون تنفيذ الميزانية العامة، وكذلك تقيده بالتحذيرات والإرشادات التي يثيرها ديوان الرقابة المالية خلال الفترات السابقة حول مدى صحة الإنفاق وسلامة تحصيل الإيرادات والمتابعة الجيدة لتلافي المخالفات وتصحيح أوضاع التجاوزات، على أن تقدم هذه الجوائز وشهادات التقدير بالطريقة التي تراها الدولة ملائمة من حيث الشكل والمضمون، ولتعكس هذه المبادرة انطباعا يحفز كل الأجهزة الحكومية على التقيد بالقوانين والأنظمة والقواعد الصحيحة المتعلقة بصرف النفقات وتحصيل الإيرادات والأداء الإداري السليم.

https://halbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news