العدد : ١٤٨١٦ - الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٦ - الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

اليابان من وجهة نظر عربية: الـمــواطـنة أولا

بقلم: د. خليل حسن

السبت ٠٦ يناير ٢٠١٨ - 01:20

كلمة المواطنة كلمة مسؤولة في اليابان تجمع بين مسؤولية المواطن نحو مجتمعه، ومسؤولية المجتمع نحو مواطنيه. مع أن المواطن الياباني يخجل التحدث عن حقوقه، ولكن يعمل كل دقيقة أو ثانية ليؤدي واجباته بالدراسة والتمعن ثم العمل بمهارة لإتقان الأداء. وطبعا يعتبر المواطن الياباني من ضمن واجباته احترام وطنه والاخلاص له، واحترام الإمبراطور والاخلاص له، واحترام حكومته وبرلمانه والاخلاص لهما. ويتم احترامه لحكومته وبرلمانه أولا باحترامه لديمقراطية التصويت بحرية، واختيار الشخص المناسب لها، من دون اي نزعة مصلحة ضيقة قصيرة الأمد، أو نزعة عرقية أو طائفية أو قبلية. ويعتمد انتخاب شخص أو حزب ما على ما سجله من إنجازات خلال فترة مسؤوليته السابقة، فعادة يختار السياسي لكي ينجز خطة الدولة أو الوطن في مرحلة معينة ووقت محدد، وليحاسب على ما انجز بعد هذه الفترة. وعادة يختار الشعب الياباني الحزب الذي يستطيع خدمة الشعب، وإنجاز خطة الوطن، وهناك عادة اتفاق شعبي، فالمواطن لا يرتبط بحزب معين أو بآيديولوجية أو بطائفة أو بقبيلة محددة، بل يعتمد على ما حققه من إنجازات وطنية وسياسات الحزب في حكومته السابقة. واهم ما ينظر اليه الشعب الياباني من إنجاز، هو توزيع ثروة البلاد على الشعب، ومنع تباين الثراء، وتوفير الوظائف لجميع المواطنين، وحرية المواطن في العمل على تحقيق طموحاته، وتوفير الرعاية التعليمية والصحية للجميع. كما ان المشاركة الجماعية صفة مهمة في المجتمع الياباني، ومنذ الطفولة المبكرة يتعلم الطفل ثقافة المشاركة، ليتعلم منذ صغرة، بان يتأكد بتوفر الطعام والمسكن لجميع أفراد الشعب، لذلك تجد أن المواطن الياباني قنوع وبسيط في حياته، ويكره الترف والبذخ، ودائما لديه مدخر مالي، فمن المعروف أن جميع ديون الحكومة هي ديون داخلية، أي تتسلفها الحكومة من مدخرات أموال الشعب. وبشكل عام مساحة سكن الياباني صغيرة، كما ان كمية أكله وشربه قليلة، لذلك تجد نسب السمنة وأمراضها منخفضة في اليابان. 

ومع أنها تسمى عادة اليابان، من دون مملكة أو إمبراطورية، ولكن هناك ديوانا إمبراطوريا، وعائلة إمبراطورية، يرجع تاريخها إلى أكثر من الفي سنة. ويعرض كتاب الكوجيكي، بدء التاريخ الياباني، منذ عام 660 قبل الميلاد وحتى عام 712 بعد الميلاد، وقد ألفه أونو ياسومارو، في القرن الثامن عشر، بطلب من الإمبراطورة جينيمي، ويجمع الكتاب مجموعة قصصية تاريخية أسطورية عن أصل جزر اليابان، وآلهة الكامي (والتي بمفهومها الشرق اوسطي قريبة من الملائكة، وليس لها علاقة بخالق الكون، جلت عظمته). وتبدأ أسطورة ولادة اليابان بجلوس ألكامي ازنامي مع قرينته ازناجي على الجسر السماوي، ولينزل رمحه الذهبي المرصع بالمجوهرات، في بحر اليابان، ثم يرفعه لتنزل قطرات ماء في بحر اليابان، ولتتشكل جزر اليابان المقدسة. وكامي اليابان المقدسة، هي كامي إله الشمس، وهي حفيدة ازنامي وازناجي، وهو التي ترعى اليابان وتحافظ عليه، كما يذكر هذا الكتاب اسم ننجي نو ميكوتو، وهو حفيد كامي إله الشمس، والجد الأكبر لأول إمبراطور ياباني اسطوري، وهو الإمبراطور جيمو، لينزل من الجنان، إلى جزيرة كيشو، وليبدأ بحكم اليابان، ولتبدأ سلالة العائلة الإمبراطورية.

ولم يكن لليابان دستور مكتوب، فقد تبع نظام الحكم منذ القرن السادس لنظام قضائي بروح صينية، وصف الحكومة على أساس نظري بيروقراطي فردي، تعمل تحت سلطة الامبراطور، ومؤسسات تشبه النموذج الصيني، ولكن بقي هذا النظام عمليا من دون تفعيل، حيث بقي الامبراطور شخصية اعتبارية، ولكن من دون سلطة، وعلى أساس نظري بأن الامبراطور من آلهة الكامي، ولذلك عليه الا يختلط بقضايا دنيوية مرتبطة بالحكومة. وبقي الحال على ما هو، حتى تسلم الشوجن التوكوجاوا الحكم بين عام 1603 وحتى عام 1867. وحكموا البلاد باسم الإمبراطور، بعد ان غيروا البلاد من عدة ولايات متحاربة، تقودها لواردات الحروب، إلى قيادة صارمة موحدة للبلاد، وبسلطة الشوجن وعساكر الساموراي التابعين لهم. وبعد ذلك عمل الشباب الساموراي على انتقال السلطة الفعلية إلى الإمبراطور فيما بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر. 

ويرجع تاريخ الدستور الياباني المعاصر لليوم الحادي عشر من فبراير عام 1889. (وهو نفس اليوم الوطني لتأسيس اليابان في عام 660 قبل الميلاد)، والذي بدأ تفعيله يوم 29 نوفمبر عام 1890. وليستمر الحكم به حتى اليوم الثاني من شهر مايو عام 1947. وقد تم إعلان هذا الدستور من قبل الامبراطور ميجي، بعد تسلمه الحكم في عام 1868. «وأكد هدفه في تأسيس ثروة وطنية بقاعدة عريضة تشمل الجميع، وبصياغة قوانين تعتمد أولا على مجالس للحوار الحر العام، وبأن جميع القضايا تقر بالحوارات الحرة المفتوحة. وثانيا، تتوحد جميع الطبقات العليا والدنيا بقوة، لتقوم بإدارة شؤون الدولة. وثالثا، بأن عامة الشعب ليسوا اقل من رجال الحكومة ورجال الجيش، فيجب أن يعطوا الفرصة لكي يحققوا طموحاتهم، لكي لا يكون هناك غضب شعبي. ورابعا، جميع التقاليد الشيطانية القديمة يجب أن تكسر، وكل شيء يجب أن يعتمد على قوانين الطبيعة، وعلى الجميع البحث عن العلوم في كل مكان في العالم، لتقوية قاعدة النظام الإمبراطوري». وقد شكلت عدة لجان لتطوير هذه الافكار في مواد الدستور الجديد، كما أرسل مختصين إلى الخارج لدراسة الدساتير الأوروبية والأمريكية، وقد وجدت هذه اللجان بان خير الدساتير الممكن الاستفادة منها هما الدستوران البريطاني والبروسي الألماني، كما حاول الدستور الجديد ان يضم السلطات القديمة، لمنعها من شل عملية الإصلاح لخوفها على مصالحها، وخاصة منعها من المشاركة في حرب البوشن، وهي الحرب الأهلية التي اندلعت لمنع تحقيق الإصلاحات الجديدة، والتي استمرت من عام 1868 حتى عام 1869 بين سلطة الشوجن التوكوجاوا القديمة، وعناصر الساموراي الشابة، التي كانت تريد ان ترجع السلطة إلى الديوان الإمبراطوري. وقد انتهت هذه المجابهة باستسلام توكوجاوا يوشينوبو، وهروب بعض أعوانه إلى شمال البلاد، ليشكلوا جمهورية الايزو، ولكن انهزمت هذه المجموعة أيضا في معركة هوكودت، ليستطيع الإمبراطور ميجي تحقيق الإصلاحات اللازمة لعصر الحداثة في اليابان. 

والجدير بالذكر ان الدستور الياباني لعام 1869 ضم خمسة بنود أساسية، فتحدث البند الأول عن جمع المملكة الدستورية والملكية المطلقة، فمن الناحية النظرية الامبراطور هو القائد الأعلى، والحكومة التي ينتخبها رئيس مجلس النبلاء المعين، تابعة له، بمعنى أن الإمبراطور رئيس للدولة، بينما رئيس الوزراء رئيس للحكومة، وتابع للإمبراطور، كما ليس من الضروري ان يكون أعضاء الحكومة ورئيسها أعضاء في البرلمان المنتخب، كما أن هذا الدستور الذي حقق حداثة اليابان وتقدمها لم يعرض لاستفتاء شعبي عام. وقد عرف عهد الامبراطور ميجي بعصر التنوير، حيث بدأت عصر الحداثة بانفتاح اليابان على العالم، وتطوير التعليم، وارسال الآلاف المؤلفة من المواطنين لدراسة العلوم والتطورات التكنولوجية في دول الغرب.

وتتشكل الساحة السياسية اليابانية اليوم من حزب رئيسي هو الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم، والذي حكم اليابان، تقريبا، من دون انقطاع منذ عام 1955. بعد ان اندمج الحزب الليبرالي مع الحزب الديمقراطي. وللحزب الحاكم اليوم 284 نائبا في مجلس النواب، بينما لدى الأحزاب المعارضة الأخرى نواب أقل، فالحزب الديمقراطي له 14 نائبا، والحزب الدستوري الديمقراطي 55 نائبا، وحزب الأمل 51 نائبا، والحزب الحليف للحكومة كوميتو 29 نائبا، والحزب الشيوعي 12 نائبا، ونيبون أيشن 11 نائبا. تلاحظ عزيزي القارئ أن الشعب الياباني لم يهدر الوقت في حوارات نظرية خلافية، فقبل بما يعتبره البعض دستورا «ناقصا»، أي به مجلس النبلاء أو الشورى معين، بينما المجلس النيابي مجلس منتخب، كما لم يعرض دستور ميجي للاستفتاء الشعبي، مع ذلك استطاع الشعب الياباني بهذا الدستور ان يقضي على تخلفه، ويحقق حداثته لكي يصبح خلال عقود قليلة قوة تكنولوجية واقتصادية وعسكرية عالمية. ولنا لقاء.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news