العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

كــيـفَ يُـحـبّـــك أوْلادُك؟

بقلم: د. سعد الله المحمدي

الجمعة ٠٥ يناير ٢٠١٨ - 01:20

تقولُ الدراساتُ إنّ الطفلَ من الولادة حتى سنّ 18 سنة يتلقّى من 50 إلى 150 ألف رسالة سلبية، في مقابل حوالي 600 رسالة إيجابية!!

وإن 90% من القِيَم والمعتقدات والمبادئ تتكوّن عند الطفلِ إلى 7 سنوات فأكثر!!

وتشيرُ الإحصائيات إلى أرقام مخيْفة جدا في مجال المراهقين بالعالم، ففي الولايات المتحدة وحدها يتم القبض سنويّا على أكثر من مليون مراهق، بينما يهربُ 700 ألف آخرون من المدارس، و21.2 مليونا من البيوت!!!

أما الشبابُ فحدّثْ عنهم ولا حرج.. إذ يقولُ تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2016 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: «إنّ جيل الشباب الحالي في الدول العربيةِ يمثلُ أكبرَ كتلة شبابية تشهدها المنطقة على مدى السنوات الخمسين الماضية!!»، ويدعو التقريرُ إلى الاستثمار في الشباب كشرطٍ أساسي للتنمية؛ فهُمْ عمادُ الأمم وقِوامُها وقُوّتُها ومُستقبلها.. صَلاحُهم صلاحُ الأمة.. وفسادُهم دمارٌ للمستقبل والبلدان.

وهذا المَقالُ دعوةٌ للتأملِ.. ومراجعةٌ للحساباتِ.. وفرصةٌ للتفكيرِ.. ونظرة على تعاملنا مع أولادنا سواء كانوا صغارا أم كبارا.. ومحاولة لتعديل مسارنا معهم بإذن الله تعالى.

فمما لا شك فيه أن الأولاد زينةُ الحياةِ الدنيا، والذريةُ الطيبة نعمةٌ عظيمةٌ من الله تعالى تمنّاها الأنبياءُ والصالحونَ، وهُمْ سببٌ لرفع درجات الإنسان، وقدْ أمرَنا الإسلام بتأديبهم وحسْنِ تعليمهم وتربيتهم على معالي الأمور ومكارم الأخلاق والتّدرجِ معهم في النّصحِ والتّوجيهِ، والدعاءِ لهم بالخير، والعَدلِ بيْنهم، وعدمِ التّفريطِ في حُقوقهمْ.

وثمّة فرقٌ كبيرٌ بين أنْ تَعيشَ مع أولادك في بيئة من التفاهم والألفة والمحبة، فيكونوا مثلَ أصحابك.. أو قريبا من ذلك.. يشاركونك ما لديهم من الآمال والآلام والتطلعات في جوّ من الحب والتعاطف والتسامح، وبين أن يكونوا ممن ينتظرون فرصة خروجك من البيت.. ويتمنّون غيابك في العمل لساعات متأخّرة.. ويقتنصون فرصة عدم وجودك معهم حتى يأخذوا نَفَس الحرية وكسر الروتين والخروج عن المألوف.

في عصر العَولمة والإنترنت وانشغال مُعظم الناس بالهواتف (الغبيّة) ووسائل (التقاطع) الاجتماعي-إن صحّ التعبير- يُلاحظ عزوف الأطفال والمراهقين وحتى الشباب عن مُجالسة آبائهم والحديث إليهم والاستفادة من تجاربهم، ومشاركة همومهم وآمالهم معهم؛ حيث تم رصدُ حالات كثيرة يخرج فيها الأبناء من غرفة المجلس واحدا بَعْد الآخر بمجرّد دُخُولِ والدهم إليها، فيبقَى وحيدا فريدا مع نفسِه أو مع ضيوفه، وذلك إما هروبًا من الوالد الذي ربّما لم يستطع احتواء أولاده بالحب والنّصحِ والحوار والتوجيه، أو لكثرة توجيهه اللوم والتوبيخ والعتاب المستمر لهم، أو بسبب انشغالهم بالصداقات الوهمية والألعاب الإلكترونية ومنصّات التواصل الاجتماعي، أو ربّما لكثرة غياب الوالد عن البيت، أو لأسباب أخرى!!!

قبلَ عقود يسيرة من الزمن كان الأولاد يتهافتون إلى الوالدِ منْ كلّ مكان تهافت الفراشة على الزهرة بمجرّدِ دخوله إلى البيتِ، ويَهْرعُون إلى الباب لاستقباله والسلامِ عليْهِ، ويُحاولون الجلوس بالقرب منه وقتَ الأكلِ والشّرْب، وكانَ الصّغارُ يتزاحمون على النوم بجانب والدهم، ويمرحون ويفرحون لرؤيته وتقبيل يده، حيث يمثّل ذلك شاعر الأبوّةِ الحَانية عمر بهاء الدين الأميري 1992م في قوله:

يَتَزاحمونَ على مُجالستِي 

والقُربِ مِنِّي حيثُما انقَلَبوا.

يتوَجَّهونَ بسَوقِ فِطْرتِهم

 نَحْوي إذا رَهبوا وإن رَغبوا.

فنشيدُهُم «بابا» إذا فَرحوا

 ووعيدُهُم «بابا» إذا غَضِبوا.

وهتافُهُم «بابا» إذا ابتَعدُوا

 ونَجِيُّهُم «بابا» إذا اقتَرَبُوا.

وربما كان أحدُ الأسباب المهمّة لهذا الحبّ الصادقِ هو عدمُ تلوث الفِطرةِ السليمةِ للمجتمع آنذاك بالتقنيةِ الحَديثةِ التي تم إساءة استخدامها، فأبْعدتْ الأقاربَ وأولى الناس بحسْنِ العَشيْرة والتعاملِ الجَميل.. وأشغلتْ الأطفالَ والنساءَ والرّجالَ بعالمٍ افتراضي مليءٍ بالمخاطر والأوهام والفتن.. وبالتّالي نشأَ الطفل مُهْملا ودونَ انتماءٍ أو هويّةٍ واضحة، وعاشَ المُراهقُ بعيدا عن التوجيه السليمِ والقلبِ المفتوحِ واللمسة الحانية، وأصبحَ الشابُ باحثا عن المَوْضةِ وقصّةِ الشّعْرِ والماركة عنْدما فقدَ الاهتمام والعناية به، وحُرم من تعليمه أدبَ المُصاحبةِ والمسؤوليات المنوطة به.

وأمَامنا أساليب نافعةٌ.. وطرقٌ مفيدة.. بإذن الله تعالى، لاحتواء الأولاد، وكسْبِ ودّهم وقلوبهم وغرس المحبة فيهم:

1- حاولْ أنْ تجعلَ البيت واحة سلامٍ ووئام.. يُحترم فيه الكبير، ويُشجّع فيه الصغير، ويُوجّه فيه المخطئ بلطفٍ ويُسرٍ.. وهدوءٍ ورحمة، وبعيدا عن الضجر والصخب.. والبذاءة ورفع الصوت.. حتى يحسّ الأولاد ببهجة الحياة وحلاوتها، وتحسّها أنت أولا فالصحةُ النفسيّة بالنسبة للأولاد أهم في كثير من الأوقات من الطعام.

2- كنْ بين الحَزْم والعزْم.. والرحمة والشدةِ.. واعلمْ أن هناك أمورا تُعالج بـ«التغاضي» و«التجاهل» واستخدام أسلوب الاقتراح بدلا من الأمر والنهي الدائم، يقول الكاتب المصري كريم الشاذلي: «لو راقبنا ألفاظنا يومًا واحدًا لوجدْنا أن أسلوبَ الأمْرِ يَحْتلّ الغالبية العُظمى من مفردات حديثنا مع الطفل، وهو ما لا يساعد في بناء شخصيّته بناء متوازنًا سليمًا».

3- عبّر عن حبّك الدائم لأولادك باحتضانهم، والسؤال عنهم، وكتابة رسائل لهم ووضعها في خزائن كتبهم، أو إرسالها لهم عبر الواتساب، ومناداتهم بأحسن الألقاب، وغيرها من أشكال التواصل النابع عن الحب الأبوي الخالص.

4- تعزيز الثقة فيهم وتدريبهم على الأخلاق الحسنة والمعاني الجميلة من المروءة والرجولة.. والهمّة والشجاعة، والصبر والحِكمة.. والتفاؤل والإتقان.

5- مشاركتهم في قرارات البيت، والاستماع إلى آرائهم والثناء عليهم عند القيام بأعمال جميلة، وتوكيلهم الأمور التي يمكنهم القيام بها في تلبية حوائج البيت.

6- إقامة الجلسات الحوارية بين الوالدين والأبناء والبنات، للتسلية، والتشاور، ومحاسبة النفس، والدراسة، والتفكير، والأمور المالية وغيرها.

7- عدم تهديدهم أبدا، أو التقليل من شأنهم ولو أخطأوا، وتعليمهم آلية الاستفادة من الخطأ حتى لا يتكرر منهم الخطأ، وضبط النفس والتحكم في الشعور عند تكرار الخطأ.

8- العناية بتحصينهم بالعقيدة الصحيحة، وتعليمهم أركان الإيمان وفرائض الإسلام، وما يجب معرفته من الدين بالضرورة على كل مسلم.

9- تربيتهم على التعبير عن مشاعرهم بوضوح وتعويدهم على العدل والإنصاف واحترام الكبير واستماع الرأي، وحبّ المعلم والمسجد والكتاب والقراءة، وعدم الاستعجال في اتخاذ القرارات وإصدار الأحكام على الآخرين.

10- تعليمهم احترام والدتهم بشكل خاص، وتعزيز التواصل بينهم وبين أعمامهم وأخوالهم وأقاربهم بشكل عام.

11- احترام ميولهم في الدراسة وعدم فرض الرأي عليهم، فمثلا عندك ولد يميل إلى دراسة الهندسة فلا تحاول أن يدرس الشريعة ليكون نسخة مكررة منك.

12- تعويدهم على العفاف والستر والحياء، وتنبيههم إلى الفوارق التي تطرأ عليهم في مختلف مراحل حياتهم، فإنهم إن لم يتعلموا منك سيحتاجون أن يتعلموه من غيرك.

13- إدخالهم إلى حلقات التحفيظ ومراكز تعليم القرآن الكريم، وقديما قالوا: علم ابنك القرآن الكريم، والقرآن سيعلمه كل شيء.

14- إعطاؤهم الوقت الكافي للحديث إليهم أو الاستماع منهم، ومشاركة القصص والتجارب المناسبة معهم.

15- البدء بإصلاح النفس، فإن الأولاد يقتدون بوالدهم في كل شيء، وعيونهم معقودة على الوالد فالحسن عندهم ما استحسنه أبوهم والقبيح عندهم ما استقبحه أبوهم، قال المؤمل الكوفي:

يَنْشا الصغيرُ على ما كانَ والدُهُ 

 إنّ العُرُوقَ عليها يَنْبُتُ الشجرُ

16- استغل فترة وجودهم معك في السفر بقراءة الأذكار والأوراد الشرعية، وتوجيه الأسئلة إليهم في محفوظاتهم من القرآن الكريم.

17- امنحهم الخيار الذي يناسبهم في الملبس واللعب، فأنت بذلك تنمي فيهم ملكة اتخاذ القرار، مادام لا يخالف الشرع والذوق العام.

18- العب معهم كرة القدم أو لعبة أخرى، تسابقْ معهم في الرياضة والجَرْي.. امرحْ معهم.. لاطِفْهم.. علّمْهمْ.. اصبرْ عَليهمْ.. ادعُ الله لهم بالصلاح والهدايةِ.

19- افتخر بإنجازاتهم وإبداعاتهم وقلْ لهم.. أنا فخورٌ وسعيد بكم، وخصّصْ لوحة في البيت لتعلق عليها إبداعاتهم.

20- لا ينحصر دورك فقط في توفير حوائج البيت، وتلبية الطلبات فتكون مصرفا أو بنكا، بل حاسبهم وعلّمهم قيمة المال الحلال والكسب المشروع.

21- انتبه إلى زملائهم وأصحابهم.. فالصاحب ساحب كما يقول المثل.

22- تجنب المقارنة بين أولادك وغيرهم من زملائهم.. أو السخرية منهم بشكل من الأشكال.. أو محاولة معرفة كل تفاصيل حياتهم الخاصة.. أو التعميم في الأحكام.. كأن تقول عند حدوث الخطأ: أنت دائما كذا.

23- اسْتَوْدعهمُ الله تعالى صباح مساء.. فإن من استودعَ الله شيئا حَفِظه.

شمعة أخيرة:

قال العشماوي:

رعـــاك الله يـــا ولــــدي 

فأنت الروح في جسدي.

وأنــت سعـادتـي أحـيــا

بـهـا فـي عـالــم نـكــد.

أرى في وجهـك الغالـي

حقيـقـة حـبّـي الأبــدي.

إذا مـا قلـتَ لي «بابا»

رأيـت الكـون ملـك يـدي.

 

almuhammadie@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news