العدد : ١٤٥٤٨ - الأحد ٢١ يناير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ جمادى الاول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٤٨ - الأحد ٢١ يناير ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ جمادى الاول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

(من وحي الإسلام)
الفنون الإسلامية: رياضة البيزرة والاهتمام بالصقور (1)

بقلم: يوسف الملا

الجمعة ٢٩ ديسمبر ٢٠١٧ - 10:41

شغف المسلمون العرب شغفا عارما بالقنص والصيد وحب الصقور، وانهمكوا في حياتهم بتدريب وتعليم شتى حيواناتهم المستخدمة لهذا الغرض من الخيول والجمال والصقور والكلاب السلوقي لهذه الرياضة وعلموا أولادهم واحفادهم رياضة القنص والصيد الممتعة التي تغرس في ضمائرهم وعقولهم معاني الشجاعة والفروسية وتعزز فيهم روح الصبر والرجولة والصمود على النزال والقتال، وجعلت منهم أشداء أقوياء على مرّ الزمن.

ويذكر لنا أستاذنا أحمد بن محارب الضفيري أشهر رجال القنص قائلا: «ان العرب عرفوا في عصر الجاهلية قبل دخول الإسلام الحنيف مهنة الصقارة والقنص وصيد الطرائد، باعتبارها مهنة ووسيلة من وسائل الحصول على الغذاء اللذيذ» وهو (لحم الطيور) وكانت يطلق على عملية القنص عند العرب صيدا، وكذلك الطرائد المصطادة تسمى صيدا.

ولا نستغرب بعد ذلك أن نجد أسلافنا العرب القدماء وعرب الامس واليوم يعتبرون القنص والصيد بأنه نوع من المتعة واللذة، فالصيد لذة لا تفوقها لذة، حيث ينسى القناص نفسه في مطاردة الطرائد كالأرانب البرية والحجول والحباري والثعالب والغزلان والقطا والبط والدراج، حيث يعيش في نشوته العارمة وهو يرافق الهواة في مقناصهم وصيدهم أثناء البيزرة.

ويعيد إلى أذهاننا هنا أبو الحارث الملك الشاعر امرؤ القيس بن جندج بن حجر الكندي (ت عام 130 قبل الهجرة) أي عام 497م مهنة الصقارة والقنص باللذة في إحدى قصائده قولته الشهيرة: 

كأني لم أركب جوادا للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال. 

* ما هي مهنة البيزرة؟

وبفضل الإسلام الحنيف وعراقته أصبح المسلمون سادة الدنيا وخيار الأمم عندما تأثروا بمعطيات ومسميات الحضارة بجانب الأمم الأخرى غيرهم عندما فتحوا الأقطار ونشروا العقيدة السمحاء والخلق الكريم في ربوع الدنيا، ففي العصر العباسي الأول قيل ان (القنص والصيد كان علما يدرس في دواوين الخلفاء والامراء) وصار لهذه المهنة رجالها وأصحابها المتخصصون حتى اطلق على هذا الفن (البيزرة أو البيزدرة)، وربما كانت التسمية فارسية المصدر من كلمة (بازدار) أي صاحب الباز والصقور والطيور الجارحة (FOLCONRY)

ويعتبر طير الباز الجارح افضل الضواري بين الطيور المستخدمة ويحكى ان الاكاسرة ملوك الفرس كانوا يفضلون الباز، بينما المفضل لدى العرب في جزيرتهم العربية هو الصقر خلال البيزرة والعاملون هم (البيزدارية).

ويسمى كبيرهم كبير البيازرة.. وقد اعتاد الملوك والأمراء العرب المسلمون على علم البيزرة وممارستها واوقاتها والبحث عنها في بعض ربوع الوطن العربي أو غيرها من الدول الأخرى حتى اصبح القنص من الرياضات المحببة عندهم في حياتهم. 

* البيزرة في تراثنا الإسلامي:

تذكر بعض المصادر التاريخية ان أول من اصطاد بالصقور هو الأمير الحارث بن معاوية بن ثور الكندي، حيث وقف يوما على صيد نصب للعصافير فانقض فجأة صقر على عصفور وهم ان يفتك به ليأكله والحارث أخذ ينظر اليه ويتعجب منه، فأمر به ووضع في بيته ووكل به من يطعمه، ويدربه على الصيد، وبينما هو معه ذات يوم اذ لاحت أرنبة فطار الصقر اليها، فتعلق قلب الحارث به وأحب الصقر واتخذه العرب من بعده وسيلة للقنص وتحمد العرب من الصقور ماقرنس وحشيا، وتذم ماقرنس داجنا ويقولون انه (تبلد).

وتذكر بعض الدلائل التاريخية ان الخليفة هارون الرشيد هو أول من سن التهادي بالصقور، حيث أصبحت لديه عادة وتقليدا بإهداء الصقور الثمينة إلى بعض الملوك والامراء والأصدقاء.. ومن المغرمين والمولعين بالصيد بالقنص كان الخليفة أبو جعفر المنصور حين سأله يوما أبودلامة كيف حبك للصيد؟ أجاب كحب المسجون للخلاص من القيد، ثم سأله أبودلامة واي الأشياء احبها اليك من الجوارح؟ فأجاب المنصور: «احب الصقر، الطويل النفس، الأسود الحبشي، إذا صاد اشيع واذا أمات اوجع يصيد الكبير ويعفو عن الصغير».

وتذكر كتب التاريخ ان الخليفة الاموي العاشر هشام بن عبدالملك بن مروان (ت عام 125هـ) كان شغوفا ومغرما بالصيد حتى انه عين موظفا خبيرا لشؤون الصيد والقنص هو الأمير الغطريف بن قدامة الغساني وجعل مسماه الرسمي في ديوان الامارة هو (صاحب صيد الخليفة هشام)، وكان الغطريف من امراء الغساسنة، فكان مرجع الخليفة في علم الصيد وفن الصقارة والصقور والكلاب وعدة تدريب وتطبيب ما يرد على البيزرة. وتشير بعض المراجع التاريخية إلى ان الخليفة الاموي الوليد بن يزيد الثاني (ت عام 126 هـ) والخليفة العباسي محمد المهدي (ت 169هـ) من المشهورين بحب وممارسة هواية القنص ويصرفان عليها مبالغ طائلة على هوايتها.

يقول الشاعر أبو نواس مادحا الصيد:

لا صيد إلا بالصقور اللمح ** كل قطامي بعيد المطرح 

(والقطامي جاء من قطمة اللحم بمنقاره أو قطم جناحيه) أي قصرهما وهي صفة محببة للصقور الجارحة، ويمثل احد اسماء الصقور.

* ذكر الطيور في القرآن الكريم:

قال تعالى «وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)». (سورة الانعام) (أمم أمثالكم: من خلقنا لها وتدبير أمورها، ما فرطنا: ما أغفلنا أو تركنا).

وقد ترددت الفاظ كثيرة في كثير من آيات القران الكريم، كما في سورة الانعام والنور والبقرة وآل عمران والمائدة وكذلك سورة يوسف والنحل والحج والانبياء وسبأ وص والملك ويس والإسراء والأعراف والواقعة سيان بصيغة الجمع أو المفرد وفي احداث مختلفة ومعانٍ متباينة.

قال تعالى «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42)». (سورة النور)، (صافات: باسطات اجنحتها في الهواء، وتسبيحه: ذكره وتهليله، كل قد علم: جميع الخلائق والمخلوقات تعي).

وقال تعالي كذلك «أَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79)» (سورة النحل) (مسخرات: مهيئات لهذا الغرض).

ويقول تبارك وتعالى «أَوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19)». (سورة الملك)، (صافات ويقبضن: باسطات الاجنحة ويضمها إذا ضربت بأجنحتها).

كما يقول تعالى أيضا «وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)». (سورة الاسراء)، (ألزمناه طائره: عمله المقدر عليه لا ينفك عنه، حسيبا: محاسبا وعادا بما قام به).

* آراء وأبحاث في علم البيزرة:

علم البيزرة يتناول آراء وابحاثا عن رياضة الصيد والقنص بالطيور الجوارح أو ضواري الطيور مثل البيزان والصقور والشواهين وطريقة علاجها وتربيتها وأساليب تدريبها، وتتناول الدراسة توضيحًا وافيًا في كل الأمور التي لها علاقة بالصيد إلى جانب ما يرافق هذه العملية من حيوانات ومعدات وتعليمات ترشد القناص.

واعتاد الصيادون القناصون الخروج إلى البراري والجبال في موسم اعتدال الجو، ويصطادون فيه الغزلان والارانب البرية والحباري والحجول وغيرها كالدراج والبط وأنواع أخرى من الطرائد المتوافرة في البيئة التي يتجولون فيها.

وقد قام قديما عدد من الكتاب والباحثين في تأليف الكتب التي تتناول بالبحث والشرح عن البيزرة والقنص ونذكر على سبيل المثال: كتاب (الجمهرة في البيزرة) لعيسى بن حسان الاسدي، وكتاب (الكافي في البيزرة) للأستاذ عبدالرحمن البلدي، وكتاب (انس الملا بوحش الفلا) لمؤلفه ابن المنكلي، وكتاب (المصايد والمطارد) للمؤلف كشاجم، ومخطوط (ضواري الطير) للغطريف بن قدامة الغساني وهو صاحب الخليفة هشام بن عبدالملك بن مروان الاموي، وكتاب الحيوان لابي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255هـ – 869م) وكتاب حياة الحيوان الكبرى: العالم كمال الدين الدميري المصري (745- 808 هـ) وكتاب الحيوان: أحمد محمد بن الاشعث (360هـ- 971م).

وطبائع الحيوان وخواصها ومنافع أعضائها: تأليف عبيدالله بن جبريل بختيشوع (ت 453هـ - 1121م) وكتاب عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات: زكريا القزويني (600- 682 هـ) وكتاب الخيل: أبي سعيد الاصمعي (ت 216هـ) وكتاب الاشرف عمر بن يوسف الغساني وكتاب الخيل: عبدالله بن محمد بن جزي الكلبي الغرناطي.

الهوامش: البيزرة تراث وفن حوار عبدالرحمن المريسي، الصيد والقنص بحث قنطرة من التراث، حياة الحيوان الكبرى للعالم المسلم كمال الدين الدميري المصري، الصيد في حياة العرب وتراثهم: الأستاذ أحمد بن محارب الضفيري، عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات: زكريا القزويني، كتاب الحيوان: عمرو بن بحر الجاحظ، المؤتمر العلمي لمهرجان البيزرة: ميدل ايست أونلاين ديسمبر2014م.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news