العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٦٤١ - الثلاثاء ٢٤ أبريل ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٣٩هـ

الثقافي

في البدء كانت السيرة..
الفنان الشاعر جاسم محمد بن حربان.. احتضن الموروث وتعلـق بأحيــاء المحـرق طفــلا فـي فريـق بـن هنــدي

سرد وحوار- علي الستراوي

السبت ٢٣ ديسمبر ٢٠١٧ - 01:20

في اليوم السادس عشر من أغسطس سنة 1957 شهدت مدينة المحرق ولادة الطفل جاسم محمد بن حربان في فريق بن هندي، وكانت سيرته تفيض بالحب لمن حضنت والدته وهي تعاني مخاض الولادة في مستشفى أم جان مسقط رأسه، وكان بيت بن حربان البيت العود يعجُّ بالنساء والاطفال والزائرين من أهل الحي، والكل يسأل: ماذا جلبت لنا أم جاسم؟

الكل متلهف لسماع الخبر، والأطفال أكثرهم فضولاً، كونهم سيحصلون على الحلاوة، وسيعطى أول من يأتي بخبر الولادة هدية مجزية، فالآذان تتلصص، والعيون تراقب من يأتي بخبر البشارة، وكان أبوجاسم أكثر أهل البيت قلقًا، ينتظر هذه الولادة بفارغ الصبر.

وكما تقول السيرة، إن جاسم محمد بن حربان قد قرأ تاريخ ولادته مخطوطًا على ضرس غزال، ومن هذا التاريخ شهدت الحياة لجاسم الابن البكر لمحمد بن جاسم بن حربان وكان للمكان تاثيره على حياته، حيث فريق بن هندي ذلك الحي الذي يشدُّ من حنينه لساكنيه من حيث مجاورته للماء العذب ممثلاً في عين بن هندي، والمالح ممثلاً في البحر الذي يسور المدينة ويحاصر أحياءها.

ولد الطفل جاسم، واشتعل الحي بالزغاريد والتباشير التي تلقاها أبوجاسم وهو يبتسم، ويراقص ظله، وعندما كبر جاسم كانت عيون والده ووالدته تراقبانه وتخطط له مستقبله، فأدخله والده المطوع لحفظ القرآن الكريم على يد المطوعة «عايشة بنت حمد المطلق» بفريق بن هندي هذا الحي الذي عرف جاسم فيه طفولته وشقاوته وأحلامه، وعند عتبات المطوعة عائشة المطلق والمطوعة أم محمد الباز بفريق الغاوي انطلقت أول شرارة معرفة التصقت بقلب جاسم قادته نحو الدراسة، وقبل الدراسة كانت عيون جاسم تتلصص على ما يقوم به والده من فن عبر طقوس فرقته الشعبية، وكان أكثر ما يشده من تلك الطقوس هي المخارج التي تأسره وتقوده نحو احتضانها في ذاكرته الصغيرة، فكان يحلم أن يكون مثل أبيه، فينزوي كل مرة يرى فيها أبيه وأصحابه أمثال راشد بن خميس المال المناعي ويوسف بن جاسم الجودر وسعيد العماني وجاسم بن خليفة وعبدالله هلال وهم يداعبون أدوات فنهم، ويسمرون على بوح ما يلتصق بصدورهم من حنين يقرأه الشعر في الموال، وتفيضه المقل في رقة الوتر والطار والطبل في غناء لفجري.

«نحب الأرض 

نزرع في جبين الشمس 

غيمة من ضحك لطفال 

تغيب ونغيب وما يبقى 

يحرك موجة الآمال..»

وظل ذلك الطفل جاسم محمد الحربان يكبر، وعيناه تلاحق فضة شمسها، عبر حنين ربط قلبه بحنين المكان وبأناس كبروا معه، على مجداف بحر الحياة دخل مرحلته الثانية من الدراسة، فكان حاضرًا فنًا وقلمًا ومعنى.

في المرحلة الابتدائية حتى الثانوية...

 كان الموروث حلمًا

في الموروث تعلق الحربان، متخذًا من حلمه لعبة توسطت شارع الحي، حيثُ امتداد زهرة عمره بذلك الموروث الذي شدَّ من ظهره جملاً حمل عليه عتاد لعبه، وعبر صبية ظلوا يثيرونه بالحنين، وجدود قرض وحفظ من ذاكرتهم بوح «النهمة» واشتعالات «الموال»، فمن خال جدته أحمد بن سبت، الذي يمتاز عمن عرفهم وأحبهم بحفظه كثيرا من المواويل، وبإلقائه الجميل وعن عم جدته «احمد» الملقب «بوحريب» عرف باب النكتة والروح الطريفة.

صبية كبروا معه، أمثال راشد الجودر، علي الفيروزالملقب بـ«ثاني» ومال الله بغوة وآخرين، وكان يسمر معهم؛ فهم ربيع عمره يلحق بهم الريح ويفترش النهار باللعب، مرة «في الحردوف، واخرى في لعبة التيلة» كان نهارهم امتدادًا لليلهم، وصحوهم فرح وركض، في الصباح المشبع برائحة البحر، وبصياح الديكة حينما يوقظها الفجر، ومن حولهم تدور الأشرعة ويكبر الحلم، وجاسم كعادته منشغل بما يراه في البحر الواسع وبما تحمله السفن من متعلقات، مثل المرساة والدقل، والأشرعة والمجاديف، وارتباطها بالغناء، بالموال، والنهمة، وما التقطته عيناه من نصائح وحكم من الجدود الذين تعلم على يدهم ماذا يقول، وماذا يفعل، متخذًا من نصائحهم مدرسة أفادته وهو على أول عتبات المرحلة الابتدائية من الدراسة، فكانت أول مدرسة نظامية عرفها بعد المطوع هي مدرسة «المحرق الشمالية»، والتي سميت بعد ذلك عمر بن الخطاب الابتدائية الإعدادية، وفي هذه المدرسة تشكلت ذاكرته الاخرى، حيث يجاور المدرسة البحر، والذي كثيرًا ما حلم جاسم بأنه نورس يصفق بجناحيه على مائه، ويموج من موجه قطرات شكلها حلمه، وفي ظل هذه العلاقة تفتحت أحلامه، فأحب هذه المدرسة لأنها لم تحرمه من رؤية البحر ومن صوته الذي كثيرًا ما يدعه يختلس الفرص ليشكي للبحر همه، ناهمًا مرة ومغنيًا أخرى، فكان البحر يجيبه ببسمة تفتح كل قلوب الدنيا له، وبين هذا الحلم والدراسة سرّح شعر ملهمته ليقرأ في جوارها بعد البحر، حجرة الغوص التابعة لنواخذة بن هندي والتي تقف شاهقة بقرب مدرسته، فأحبها أكثر كونها لم تفصله عن فنه وعن سواد عينين ملهمته، وانها التصقت باجمل ماعنده، مما زاد الحلم لديه بأن يشد من اقفاص صدره ليتنشق أطيب ريح، ويصرخ ها أنا ابن الحربان، أخطو خطو أبي.

وبالفعل خطى جاسم بن حربان خطوات أبيه، وجسد ما حفظه من مواويل وازهيريات، وبعض أناشيد البحر والأفراح في مدرسة عمر بن الخطاب الأبتدائية، فكبر لديه الموروث، حيث أحدث رغم صغر سنه ظاهرة ملفتة لدى مدرّسيه وزملائه الطلبة ولكونه أول من شكّل فرقة فنية، عندما كان في الصف الرابع من المرحلة الابتدائية، فكان القائد لكل فرح في مدرسته وكان متمرسًا يجيد عزف الطيران في باحة المدرسة الواسع، بحرية، إلاّ من بعض ما عكّر صفو حلمه، أن أحد المدرسين أغضبه، عندما كان في المرحلة الأولى من الثانوية عندما انتقده بشدة وقسوة يوم رآه يرقص في إحدى الحفلات، فحمل قسوة مدرّسه إلى أبيه شاكيًا له، يومها جاء والده محمد بن جاسم بن حربان إلى مدير المدرسة شاكيًا ظلامة المدرس لابنه، قائلاً لمدير المدرسة: أنا أعرف كيف أُربي ابني، فلا تقسوا عليه ولا تدعوه يكره الدراسة. 

ومن يومها لم يتعرض أحد لجاسم، احتضن فضاءه وحمل ميراث أبيه نحو تجسيد رسالة الفن وإبرازها كرسالة مهمة في التراث البحريني والخليجي، وكفنٍ له أصوله وامتداداته الميثولوجية، قاطعًا فيها شوطًا كبيرًا، لم يترك فيه جاسم شاردة إلاّ وقف عليها متأملاً وباحثًا، وفي العمق تلون بالشاهد الالهامي الذي سار على جسره، حتى أشرف على إكمال دراسته الاعدادية ملتحقًا بمرحلة أكبر هي المرحلة الثانوية التي كانت اولى عتباتها قسوة المدرس له، لكنه لم يأبه لذلك، لأن الرسالة التي أوعزها أبيه لمدير المدرسة كانت كافية بأن يحترمه الجميع ومن الثانوية طار بفرح الصغير عندما يحصل على لعبته إلى الجامعية، وفي الدراسة الثانوية كانت أول محطات هذه الدراسة مدرسة الهداية الخليفية الثانوية بالمحرق، ثم التحق بمدرسة مدينة عيسى الثانوية، بعد انتقال والده مع العائلة إلى هذه المدينة، التي شكلت وجهًا عمرانيًا جديدًا في مملكة البحرين في أواخر الستينيات من القرن الماضي، وفي المرحلة الثانوية جاء جاسم بما تعلّمه في المرحلة الابتدائية والإعدادية، وكان فيضه قد اتسع ليشمل جهات أوسع في رسالته الفنية، ففي هذه المرحلة التصق بأصحاب جدد شكّلوا في ذاكرته نبض القلب بالقلب، فهو يتذكر من هؤلاء الصحاب، حمد أبو الشوك، وغازي المالود، وجاسم الخجم، وعبد العزيز بوجيري وفهد عبداللطيف جلال وعثمان العثمان، هؤلاء الصحبة قرأ فيهم كل معاني الحب، فساروا معه يشجعونه على ما يمتلكه من موهبة، فكبرت فرقته التي شكلت نواتها في المرحلة الابتدائية والاعدادية، وفي هذه المرحلة من الثانوية برعم عود هذه الفرقة، وأصبحت جزءًا من شجرة عالية البصيرة، توزعت أغصانها بين واقع وبين حلم ينظر إليه جاسم على أنه السفينة التي يجب إرساؤها في مينائها الآمن.

وهكذا سار جاسم في لجة الحياة، بين يديه قلمه وفي قلبه وليد لا يزال طريًا، يريد جاسم له أن يكبر، فجدف بقوة، فاختلطت نبضات قلبه بحب الناس، وانشغالات الوطن، ينظر إليه كيف يكبر ويتوسع في الخارطة.

وبين كل هذه الاحلام، تمسك بظل فيه مسكونًا بالفن، واحتضن سفينته، فكان لحنًا صادحًا سمع صداه كل المنتمين إلى هذه الأرض، للناس الطيبين ولوطن جرحه الشوق، حتى أضناه، فكان هوالفارس الذي نُذرت إليه النذور، ورُفعت الأكف له بالدعاء، وعلى صوت «اليامال» و«الهولو» ردد مع البحر أجمل أغنية، فلم تفلح قسوة المدرس له بأن يتخلى عن فنه، بل زادته اصرارًا وعنادًا أن يسير في الدرب رغم صعوبته، حيث تشبث بحبه محتضنًا حلمه بين خافقيه، فكانت أجمل الفرص عندما أسند إليه الرائد عبدالله سيف وهو في المرحلة الثانوية من الدراسة، تلحين وغناء أغنية عن المرور، وبهذه الأغنية عرف الناس أولى خطواته من خلال غنائه عبر «تلفزيون البحرين» في تلك الفترة، وعرف الجميع عبر الشاشة المقعرة جاسم بن محمد بن حربان، وكانت من أجمل الفرص التي أخذت بخطواته نحو قلوب الناس.

والجميل أن جاسم رقص من فرحته، فرقصت الدنيا على رقصه مردده: «زمان البحر اللي دايم ما ننساه».

وتجر الذاكرة جاسم إلى ذلك الأستاذ الجميل: «محمد عواد» الذي قال عنه: إنه من خيرة الأساتذة من تتلمذت على يدهم، حيث علمني التعامل مع الناس، وحفز فيني روح التضحية لما هو أفضل. 

وأن لم تخني الذكرى أن محمد عواد ومدير مدرسة المدينة الثانوية مصطفى جعفر، كانا لي عونًا في هذه المرحلة، فهما أكسباني المشاركة من دون خوف في أكثر المسابقات التي تحييها المدرسة، ومشاركتي في عيد العلم، وهذه الانطلاقة أفادتني كثيرًا حيث رشحت من قبل ديوان المملكة للدراسة في الخارج، وأن أمثل المملكة في كثير من المشاركات الفنية التي لها علاقة بالغناء ذي الموروث التراثي، حيث بحر جاسم دخل في لجته، ومن حوله تدور المجاديف ويردد الموج انشودة الفارس القادم نحو الحب، نحو الحياة، ونحو أحلام ما زالت تشدُّ من جسدها نحو البيت الأكاديمي، ونحو أن يكون على أعراف العلم، ذاكرة لوطن يحبه ويحبه.

الجامعة.. رسالة الحالم بالفن.. 

نحو توثيق التراث 

سارت عربة جاسم نحو مرحلته الدراسية الثانوية، فأنهاها وهو مطمئن البال على أنه لن يترك حلمه في مهب الريح، ظل يقلب الصورة تلو الصورة، ويعدُّ حقائب سفره نحو رحلته الجامعية، كانت من حوله كل حمائم الخير، دعوات أبيه وصلوات أمه، وفرح اخوته الذين احتضنوه مباركين، سعادة غمرت وجه الفتى الاسمر (جاسم) وهو الحالم المرتدي ثوب فرحه. كانت عيناه تشده نحو تلك المدينة الواسعة المكتظة بالناس، وبالباعة، وبنهارالفتوات، (القاهرة) هي حلمه الذي راوده كثيرًا، أحبها من خلال أدب نجيب محفوظ، وعرف كل شيء عنها وعن نيونها الذي يشع ابتسامة وفرحا لكل قادم لها، وكيف لا وهي المدينة التي سهر الليالي يحلم بزيارتها، وكيف وهو الآن سيدرس فيها، ويمكث فيها لعدة أشهر ولبضع من السنوات، ماذا يعني له هذا الحلم؟ 

جاسم، كانت أحلامه أن يكمل دراسته في القاهرة، وحلمه أصبح قاب قوسين أو أدنى، ما هي إلاّ أيام وسيكون بين طلاب مصر والوطن العربى من المحيط إلى الخليج، وسيعرفهم باسمه واسم أبيه، وسوف يقول لهم أنا ابن محمد بن حربان فنان البحرين، سيقول لهم انه سار على نهج أبيه وتعلق بحب الفن، وسيطلعهم على موهبته الفنية.

ركضت كل هذه الأحلام أمام عينيه مستعرضة بطولاتها، وهو بين الغفوة والصحوة يتأمل العالم من حوله ويحتضن القاهرة في غفوته، ولم تخرجه من حلمه إلاّ يد أمه وهي تقول: حافظ على نفسك يا جاسم، واحرص أن تكون ابنًا بارًا لوطنك البحرين، وألا تصادق أولاد السوء، لم يتحمل جاسم دموع أمه وهي تودعه وتوصيه، وكان من خلفها والده الذي شدَّ من يده وقال: أنا فخور بك يا جاسم، أنت رسالتي بعد رحيلي فحافظ عليها، ولا تنس أن تكون قريبًا من ربك فهو الذي سيوفقك في دراستك. احتضن جاسم والده مقبلاً يديه قائلاً: لا تخافوا عليّ.

سارت قدماه نحو الطائرة التي سوف تنقله إلى جمهورية مصر، فالقاهرة لم تبتعد عن خياله، وصورة أصحابه الذين يعرفهم جيدا ويعرف محبتهم له بارزة أمامه، وهم الذين شجعوه للدراسة في القاهرة، كيف سيلتقي بهم، وماذا سيقول لعيسى عبداللطيف بوشميس وسلمان المحميد ومحمد أحمد عندما يسألونه عن البحرين؟ 

 وكيف سيقابل مبارك نجم عبدالله عندما يسأله عن فن أبيه وعن آخر وصلاته التراثية، وماذا قدمت أغنيته «واسلياه» له عندما سمعها أهل البحرين، كل هذه الأفكار عاثت بذاكرته، فانشغل بها، ولم يشعر أن الطائرة قد أوشكت على التحليق إلاّ من خلال صوت المضيفة وهي تأمره بربط حزام السلامة، عندها شعر بخفقان قلبه تطرب، وما هي إلاّ بضع ساعات وسيكون في القاهرة وسيرى كل من يعرفهم ومن لا يعرفهم، سيرى القاهرة عن قرب، وكيف سيتعامل مع ناسها.

في القاهرة..

في القاهرة استقبل الحربان من قبل أصحابه عيسى بوشميس وسلمان المحميد ومبارك نجم بحفاوة، فأخذوه بين أحضانهم وعرّفوه على كل شيء في القاهرة، وفي اليوم الثاني ذهب معهم ليقدم أوراقه لمعهد الموسيقى العربية، لكن الحلم تعثر في أول عتباته، كون المعهد قد امتلأ، مما دعاه أن يعتذر من جاسم، فلم يكن أمام هذا القادم من الخليج إلاّ أن يبحث له عن معهد آخر، وباقتراح أصحابه، قدم أوراقه لمعهد «الكونسيرفاتوار» وقبلت أوراقه، ومنذ ذلك اليوم أصبح جاسم الحربان أحد طلاب معهد الكونسيرفاتوار متخصصًا في آلة «الكلارنيت» في جمهورية مصر، وكانت القاهرة فضاءه الحالم بالوتر والنغم.

فظلت روحه موزعة بين إرث أبيه وبين الجديد الذي يتعلمه في المعهد، متحينًا الفرصة المناسبة ليحقق وصية أبيه، وبين الجديد والحلم القديم راقب بن حربان تلك الأقدام التي تؤدي وصلتها في رقصة الباليه، ومن حوله غانم السليطي وحسن العز ومحمد باقري أصحاب دراسة تعرف عليهم في القاهرة في بدء دراسته فيها، فانشغلت روحه نحو ما تطلبه المرحلة الحالية وما يطلبه الوطن منه، فراح يقود الأفراح بين اتحاد طلاب البحرين بالقاهرة، فعرّفهم على موهبته وقدم العديد من الأغاني الشعبية ومن متعلقات السفينة من فنون البحر، فأحبه وأصر على تأصيله، فهو ابن الحربان الفنان الذي كبر مع البحر ومع بحة النهمة في الموال، وكانت دراسته لآلة الكلارنيت غير محببة إلى نفسه؛ درسها على مضض ونجح فيها بتفوق، وعندما حانت الفرصة للالتحاق بمعهد الموسيقى العربية لم يتردد، بل قدم أوراقه وقُبل، عندها بدأت الصورة له واضحة، وبدأ الحلم يقترب من فضائه، رقص على اليامل وعلى الحان بن فارس، وبوح بن متيوح، فكان الطالب النجيب الذي التصق الكل به رفيقًا، وهو بينهم كالفراشة تحلق هنا وتقف هناك، بين ورودها وزّع جاسم فنه مرة بالرقص وأخرى بالغناء والموسيقى، منتشيًا بفنه بين صحاب آخرين التصقوا به أمثال أحمد الجميري، محمد علي عبدالله، جعفر حبيب، ارحمه الذوادي وآخرين سار يرسم عبر ظلهم الفني رسالته الفنية، وكان راشد نجم الشاعر الذي عرفه وأحبه لما يحمله من صفات جميلة، وحبه للتراث الشعبي، راشد نجم هو أخ صديق عمره مبارك الذي دفعه للدراسة في القاهرة، لكن راشد أثراه حسيًا، حيث كتب له النص فغنّاه جاسم.

وبعد التخرج عرفت البحرين فنانًا لايزال بين رجالها يعمل ويحمل نبض حبها في قلبه، غنّى للبحرين وعمل في مدارسها وألّف العديد من الكتب في التراث الشعبي، وعرفت أغانيه ألحانًا كثيرة للفنان مبارك نجم وخالد الشيخ، وغنى كثيرا من كلمات مطر عبدالله وراشد نجم، وبفضل من سعادة المغفور له الشيخ عبدالعزيز بن محمد آل خليفة، انخرط في الوزارة باحثًا بعد التدريس والرسالة ظلت متواصلة في نهج جاسم بن محمد بن حربان، فطرح لغته في توثيق كثير من الكتب التي حملت أصالة هذا الوطن وبعده التراثي. ولم يهدأ الطير، ظل جاسم يتلفت، ويبحث عن جهات أوسع لتشهد له أي بحر هو.. وأي سماء هو ممطر.. حلّق بعيدًا فكان الفنان والباحث والاستاذ.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news